استمع إلى الملخص
- يستقبل قسم الطوارئ حوالي 800 مصاب و30 إلى 50 شهيدًا يوميًا، مما يضع ضغطًا كبيرًا على الكوادر الطبية، مع نقص في الأسرّة والأدوية، مما يضطر الأطباء لاستخدام بدائل غير كافية.
- تم تحويل قسم العيادات الخارجية إلى قسم طوارئ، لكن المجمع يواجه تحديات بسبب الحصار ونقص مواد البناء والكوادر الطبية، مع استمرار الحاجة إلى مستشفيات ميدانية كبيرة.
يواجه مجمع الشفاء الطبي المنهك بفعل التدمير الكارثة الصحية في مدينة غزة ومحافظة الشمال منفرداً، وتعالج كوادره الطبية أوجاع الآلاف في ظل شح الدواء والمستلزمات الطبية، ونقص الوقود.
يعد مجمع الشفاء الطبي الملاذ الوحيد للمرضى والمصابين في محافظتي غزة والشمال، وهو يعمل بضغط يفوق طاقته، إذ تحول معظم حالات الإصابات إليه بفعل خروج معظم المراكز الطبية عن الخدمة وتدمير مستشفى كمال عدوان والمستشفى الإندونيسي، وتكرار استهداف المستشفى المعمداني.
وتعرض مجمع الشفاء الطبي لمحرقة إسرائيلية في مارس/ آذار 2024، فبعد أن كان أحد أكبر مشافي فلسطين الحكومية، وكان يضم 700 سرير و200 عيادة، و50 سريراً لغسل الكلى، وفي قسم الحضانة 65 حضانة، ومبانيَ تخصصية تغطي كل التخصصات، تقلصت طاقته الاستيعابية بعد الحرب إلى نحو 100 سرير، وبات يمكنه رعاية أقل من 250 مريضاً يومياً.
ويصف رئيس قسم الطوارئ في مجمع الشفاء، الطبيب معتز حرارة، الضغط بأنه غير عادي نتيجة تدمير بقية مستشفيات مدينة غزة وشمالي القطاع، واستهداف المنظومة الصحية، في ظل الأعداد المهولة من المصابين والمرضى الذين يتم استقبالهم. ويؤكد لـ "العربي الجديد" أن "قسم الطوارئ يستقبل نحو 800 مصاب يومياً، وما بين 30 إلى 50 شهيداً. خلال الشهر الحالي، ونتيجة تصاعد الاستهدافات الإسرائيلية لمنتظري المساعدات، وصل إلى القسم الكثير من الإصابات، وأوضاعنا لا تلبي تلك الاحتياجات، خاصة مع عدم وجود مراكز رعاية أولية، وبالتالي يتوجه المرضى إلى مجمع الشفاء مباشرة".
يضيف حرارة: "يحتوي قسم الطوارئ على 22 سريراً حالياً، وقبل الحرب كان يضم 63 سريراً، وهذا فارق كبير. نحتاج إلى كل سرير كوننا نتعامل مع الكثير من المصابين، وبعضهم يرقدون على الأرض بسبب عدم وجود أسرّة كافية، وعادة نقوم بإصدار خروج مبكر لمريض لم يستوفِ علاجه لتوفير مكان لاستقبال مصابين جدد".
ويلفت الطبيب الفلسطيني إلى أنه "مع استئناف العدوان في 18 مارس/ آذار الماضي، أصبحت الأدوية والمستهلكات الطبية شحيحة بفعل الاستهلاك اليومي. تمتلئ فرشة السرير الطبي بدماء المصابين، ولا يوجد بديل لها، ونعاني الاستهلاك الكبير للأدوات، ما يضطرنا إلى استخدام بدائل لا تلبي الاحتياج".
ويوضح حرارة: "عندما خرج المشفى عن الخدمة بعد استهدافه في مارس 2024، كان لزاماً أن يتم إعادة تشغيله، ولو بالحد الأدنى، ووقع الاختيار على قسم العيادات الخارجية لتحويله إلى قسم طوارئ، وسط جهود لاستعادة أقسام المبيت والعمليات. حالياً يعمل نحو ربع المشفى، لكننا نعاني تبعات الحصار، وعدم وجود مواد بناء لتأهيل قسم المبيت وغرف العمليات. تعرضت الأقسام الكبرى للحرق، ومن بينها مبنى الاستقبال والطوارئ الذي كان مكوناً من عدة طبقات، ويمثل واجهة المجمع، والذي بات غير صالح للخدمة، والحال نفسه ينطبق على مبنى الجراحات التخصصية، فيما جرف الاحتلال ساحة المجمع، وبقي قسم الكلى سليماً، وجرت إعادة تأهيله، ويجري تحويل مبنى النساء والولادة الذي تعرض لأضرار جزئية إلى قسم للمبيت والعمليات".
يضيف: "نحاول إرسال بعض المصابين إلى المستشفيات الميدانية، خاصة مستشفى القدس، والمستشفى الميداني الكويتي، لكنها لا تلبي الاحتياجات، وهناك ضرورة لإيجاد مستشفيات ميدانية كبيرة، كما هو الحال في جنوب القطاع، وقلة الكوادر الطبية تزيد الأعباء، والمستشفيات تقوم بتحويل حالات الباطنة التي تحتاج إلى رعاية، وحالات العظام إلينا".
في زاوية من المجمع الكبير، تحول قسم العيادات الخارجية السابق الذي تعرض لأضرار أقل، إلى قسم استقبال الطوارئ بعد إعادة تأهيله، وفي ساحته توجد خيمة مبيت لا تتجاوز مساحتها سبعة أمتار مربعة، ويتوزع فيها 12 سريراً على اتجاهين من دون ستائر فاصلة، ويتكدس المصابون ومرافقوهم، وإلى جانبها "بركس" مبيت مسقوف بألواح الزينكو، يوجد بداخله عشرات المصابين في مشهد مأساوي، إذ يفترشون أرض المداخل والممرات نتيجة امتلاء أسرّة القسم.
داخل خيمة المبيت، يرقد المصاب إسماعيل منصور منذ 15 يوماً، وقد تعرض خلال حزام ناري قبل خمسين يوماً، لكسور في القفص الصدري. يقول لـ"العربي الجديد": "لا يقصر الأطباء معنا، ويحاولون توفير العلاج، لكن الواقع أكبر من الإمكانيات، فنحن نتحدث عن حرب طاحنة ووضع صحي منهك. المياه مقطوعة منذ ثلاثة أيام، والفرشة التي أنام عليها أحضرتها من البيت لعدم وجود فرشات، وفي أول يوم لي هنا نمت على هيكل السرير الحديدي، حتى المروحة الكهربائية أحضرتها من البيت لتخفيف الحرارة، ومياه الشرب والطعام نحضرها على نفقتنا. المشفى يقدم الرعاية الصحية بما يتوفر، والدواء غير موجود بالصيدليات، خصوصاً المضادات الحيوية والمسكنات".
في قسم آخر، وعلى بعد مترين فقط من بوابة البركس المخصص للمبيت، يرقد محمد زكي أبو ندى، والذي أصيب في قدمه برصاصة إسرائيلية قبل عدة أيام في شمالي غزة أثناء انتظاره للمساعدات، ويحكي لـ "العربي الجديد": "بعد وقف النزيف، بقيت ساعة كاملة أنتظر مراجعة الطبيب. الوضع صعب، والطاقم الطبي يتعامل مع الإصابات الخطرة ثم الأقل خطورة كحالتي، وقد أجروا لي عملية جراحية لإزالة الرصاصة وتنظيف الجرح. الضغط كبير، والمصابون والمرضى يملؤون الأسرّة. لم أجد سريراً، فوضعوني قرب مدخل قسم المبيت، ويمر الطبيب لمتابعة حالتي مرة أو مرتين يومياً، مع شح المسكنات والشاش والمحاليل".
على سرير مجاور، تملأ الندوب وجه فؤاد أبو الحسنى وجسده، حتى تمنعه من فتح عينه اليمنى، وقد خضع لعملية جراحية لإزالة عضلة كتفه التي أصابتها شظية من صاروخ إسرائيلي استهدف منزله، وأفقده زوجته وعدداً من أفراد أسرته في 17 يونيو/ حزيران الماضي.
يقول لـ "العربي الجديد": "تملأ الجروح جسدي، والوضع صعب، فالكادر الطبي محدود، والأدوية قليلة، بينما المصابون كثر. أحصل يومياً على حقنة مسكن واحدة، وأنتظر إجراء عملية لعمل رقعة في موضع إزالة عضلة الكتف، لكن منذ يومين يؤجل الطاقم الطبي إجراء العملية نتيجة وجود حالات أخطر، ولا أعرف متى سيتم تحديد موعدها".
تمتلئ ساحة جانبية بأسرّة مصابين ومرضى جدد لم يجدوا مكاناً لهم، وفي الممر المؤدي إلى قسم الطوارئ يتوزع المرضى على أسرّة أخرى، في مشهد يظهر حجم التكدس الكبير. لكن الحال أصعب داخل قسم الطوارئ، إذ يصطف الجرحى لمراجعة طبيب العظام، ومعظمهم مصابون حديثاً، وما زالت الإصابات المغطاة بالشاش تنزف.
انتظر عمر الناعوق نحو ساعة لعرضه على طبيب العظام، وهو الطبيب الوحيد الذي يستقبل الحالات في مجمع الشفاء. يقول شقيقه لـ "العربي الجديد": "تعرضت منطقتنا للقصف، وأصيب أخي بشظية في قدمه. ننتظر دورنا لمراجعة الطبيب، والحالات التي سبقتنا كلها حالات بتر أو حالات صعبة".
لم يجد الفلسطيني محمد حمودة سريراً، فوضعه أبناؤه على حمالة طبية على الأرض، وهو يضع مثبت عظام في يده نتيجة إصابة تعرض لها في استهداف قبل أسبوع، ونتج عنه استشهاد زوجته. يقول ابنه لـ "العربي الجديد": "الوضع صعب للغاية، والكثير من الحالات تعرضت لبتر في الأطراف، وهي لا تحتمل التأخير. وضعنا أبي على الأرض بعدما أجرينا له صورة أشعة بانتظار عرضه على الطبيب، ونتفهم وضع المنظومة الصحية المنهك، ولا نعرف متى ينظر العالم إلى أهل غزة بعين الرحمة".
ونتيجة عدم وجود جهاز تصوير الأشعة داخل المشفى، تنقل وحدة الإسعاف المصابين إلى المستشفى المعمداني الذي يملك جهاز تصوير، وفي ظل أزمة الوقود ينقل الإسعاف أكثر من مصاب أو مريض في سيارة واحدة، ما يعيق أي تدخل طبي في السيارة حال حدوث طارئ.
يقول المسعف محمد الشوا لـ "العربي الجديد": "يعيش قسم الإسعاف أزمة كبيرة نتيجة نقص الوقود، ونتسلم يومياً 150 لتر وقود توزع على 17 سيارة، فتكون حصة السيارة الواحدة 10 لترات فقط، إضافة إلى تهالك المركبات. نقل المصابين لإجراء صورة أشعة، أو تحويلهم إلى المستشفيات الميدانية يستنزف الوقود، والكميات المتوفرة لا تكفي لتغطية الاحتياجات، وعلينا الاستجابة لإجلاء مصابي الاستهدافات الميدانية، وفي ساعات المساء تكون كمية الوقود قد نفدت، وبالتالي يأتي المصابون عبر عربات التوك التوك أو عربات الكارو".