مجزرة النصيرات... شهداء ناجون من مجازر إسرائيلية سابقة

غزة

أمجد ياغي

avata
أمجد ياغي
09 يونيو 2024
ناجون يروون مشاهد مجزرة النصيرات
+ الخط -
اظهر الملخص
- مجزرة مخيم النصيرات في قطاع غزة تسببت في استشهاد أكثر من 274 شخصًا وإصابة أكثر من 400، بما في ذلك نساء وأطفال ومسنين، جراء القصف الإسرائيلي المفاجئ الذي استهدف السوق المركزي وأدى إلى دمار هائل.
- ضحايا المجزرة، بمن فيهم محمود سامي شحتوت ونجله وأحمد أبو شكري، كانوا من الناجين من مجازر سابقة وقد استشهدوا أثناء بحثهم عن الأمان، مما يعكس الوضع المأساوي للمدنيين في غزة.
- المجتمع الدولي وجه تنديدًا واسعًا للمجزرة، مطالبًا بمحاسبة إسرائيل على جرائم الحرب، فيما تكافح المستشفيات المحلية لاستيعاب الضحايا بسبب نقص الإمكانيات، مما يفاقم الأزمة الإنسانية في المنطقة.

خلفت مجزرة مخيم النصيرات عشرات من الشهداء والجرحى الذين كانوا من بين الناجين من مجازر إسرائيلية سابقة، وآخرين عاشوا مرارة النزوح المتكرر والجوع، فضلاً عن أطفال ونساء ومسنين.

نجا محمود سامي شحتوت مع نجله عدي من مجزرة إسرائيلية في مخيم البريج، ومن مجزرة سابقة في مخيم النصيرات، لكنهما استشهدا في مجزرة النصيرات الأخيرة بينما كانا في سوق المخيم، كما استشهد بقية أفراد العائلة في منزل كانوا يقيمون فيه مع ما لا يقل عن خمسين نازحاً في المنطقة القريبة من "مول الهايبر" الذي يحد السوق الرئيسي للمخيم.
يقول أحمد، ابن عم الشهيد محمود شحتوت لـ"العربي الجديد": "دمروا بيوت المنطقة بالكامل من دون سابق إنذار، ولم يكن هناك أي إشارة إلى الخطر في المنطقة التي كانت تضم آلاف النازحين، وقد فوجئنا جميعاً بتحرير المحتجزين الإسرائيليين الأربعة، والذين قُتل العشرات من أجلهم. يتحدثون عن الإنسانية بينما جثامين القتلى تملأ الشوارع، ولا يمكن نقل الجرحى إلى المستشفيات، ودمرت عشرات البيوت في محيط المكان".
يضيف: "نجا ابن عمي من مجزرتين، وكان لديه أمل في الحياة لرعاية أطفاله، وكان يبحث عن مكان آمن يلجأ إليه، ويحاول أن يبقي أبناءه بالقرب منه، ويتقاسم رعايتهم وتجهيز الطعام لهم مع زوجته، وكان في آخر لحظات حياته يبحث عن الطعام، وعندما وصلت إلى مكان استشهاده ذهلت من حجم الدمار وأعداد الشهداء".
ارتفع عدد ضحايا المجزرة الإسرائيلية في مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين إلى أكثر من 274 شهداء وأكثر من 400 جريح وصلوا إلى مستشفى العودة ومستشفى شهداء الأقصى في مدينة دير البلح، ولا تزال أعداد من الجثامين مفقودة، ويتواصل البحث عنها وسط تأكيدات من الطواقم الطبية على وجود عدد من الإصابات الخطرة التي تحتاج إلى العلاج خارج قطاع غزة، بينما إغلاق معبر رفح يحول دون إمكانية سفرهم للعلاج.

أكثر من 400 جريح وصلوا إلى مستشفى العودة ومستشفى شهداء الأقصى

وكان من بين شهداء مجزرة النصيرات عدد من جرحى العدوان الحالي الذين تكرر نزوحهم بين مناطق غزة بحثاً عن الأمان، وقضى بعضهم شهداء في المربع السكني بينما كانوا يتلقون العلاج في العيادات الصحية، وقضى البعض بينما ينتظرون الحصول على علاج غير متوفر، واستشهد آخرون بينما كانوا يقومون بإعداد الطعام داخل أو أمام المنازل المكتظة بالنازحين، أو استشهدوا مع أطفالهم أثناء تناول الطعام.
كان الشهيد أحمد أبو شكري يعاني منذ إصابته في مدينة رفح في مارس/آذار الماضي، وقد نزح من رفح إلى مدينة خانيونس، ثم توجه مع زوجته وابنه إلى مخيم النصيرات في ظل عدم استطاعته تحمل البقاء في خيمة نزوح نتيجة إصابته في الساق والرأس، ما يجعله لا يتحمل حرارة الخيمة، كما ينبغي أن يظل بالقرب من العيادات الصحية، فاختار مخيم النصيرات الذي يضم عيادة لوكالة "أونروا" ومستشفى العودة.

الصورة
صلاة الجنازة على عدد من شهداء مخيم النصيرات (محمد الحجار)
صلاة الجنازة على عدد من شهداء مخيم النصيرات (محمد الحجار)

يقول صديقه حمزة أبو عويطي لـ"العربي الجديد": "أصيب الشهيد أبو شكري لأول مرة خلال العدوان الإسرائيلي الحالي بينما كان في خانيونس في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، لكن إصابته كانت متوسطة، ثم أصيب مجدداً في رفح أثناء استهداف الاحتلال المنطقة الغربية، وقضى أكثر من شهر يعالج داخل المستشفى، حتى تقرر خروجه. بعدها ظل يعاني آلاماً كبيرة في ظل عدم توفر الرعاية الصحية المناسبة، وكان يبحث بدأب عن مسكنات الآلام، وفي الأيام الأخيرة لم يكن يستطيع النوم بسبب الآلام التي تفاقمت مع ارتفاع درجات الحرارة، والتي سببت التهابات لجروحه، ويوم الخميس الماضي، رافقته خلال ذهابه إلى المستشفى للحصول على غيارات طبية للتخفيف من تفاقم جروحه، لكنه لم يحصل على أي دواء بسبب نقص العلاج في المستشفى".
يضيف أبو عويطي: "كان صديقي الشهيد أحمد ضمن عشرات الآلاف من الجرحى والمرضى الذين لا يتلقون أي علاج في الأيام الأخيرة، وكان يعتقد أن اكتظاظ النازحين في وسط المخيم سيجعلهم في أمان من القصف، وحتى لو حصل له أي مكروه فإن المحيطين سيقومون بمساعدته أو نقله إلى مستشفى أو عيادة صحية، لكنه قضى شهيداً في جريمة بشعة بعد أن تعذب كثيراً قبل استشهاده".

الصورة
أطفال من بين شهداء مجزرة مخيم النصيرات (محمد الحجار)
أطفال من بين شهداء مجزرة مخيم النصيرات (محمد الحجار)

يتابع: "نتيجة إحباطه من الحصول على العلاج أو توقف الحرب، كان أحمد يردد في الأيام الأخيرة أننا سنبقى في لجوء وتشرد مدة طويلة، لكنه كان يكرر أنه لا يريد لطفله عندما يكبر أن يعيش حياة اللجوء. نجت زوجته وابنه الرضيع الذي لم يبلغ العامين بأعجوبة من القصف، وزوجته ضمن الجرحى، وإصابتها متوسطة".
وتركز القصف الإسرائيلي على منطقة "السوق المركزي" التي يقدر بأنها كانت تضم عشرات الآلاف من الأشخاص، إذ وقع القصف الجوي والمدفعي العشوائي الكثيف في وقت الظهر، وكان مفاجئاً، وتواصل بعد تحرير الرهائن للتغطية على انسحاب القوات الإسرائيلية، ما سبّب استشهاد عشرات من النازحين، وبينهم أطفال كانوا ينتشرون في الشوارع.

لا تزال أعداد من جثامين شهداء مجزرة مخيم النصيرات مفقودة

وشكلت مجزرة النصيرات أزمة جديدة لآلاف من النازحين في قطاع غزة، وخلفت تداعيات صحية خطرة من جراء العدد الكبير للمصابين، والذين جرى نقل الكثير منهم إلى مستشفى العودة في غرب المخيم، لكن طاقمها الطبي كان غير قادر على توفير العلاج للكثيرين منهم كونه مستشفى صغيراً، وأقرب إلى مركز صحي، وتوجه البعض إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، لكنه أيضاً كان غير قادر على استيعاب أعداد الشهداء والجرحى، وهو المستشفى الحكومي الأكبر العامل حالياً في وسط وجنوب قطاع غزة، لكنه يعاني مشكلات عدة في ما يخص عدد الطواقم الطبية مقارنة بأعداد الجرحى والمرضى، فضلاً عن نقص حاد في المستلزمات الطبية والأدوية، وندرة الوقود اللازم لتشغيل مولدات الطاقة الكهربائية.

الصورة
أعداد كبيرة من الجرحى في مجزرة النصيرات (محمد الحجار)
أعداد كبيرة من الجرحى في مجزرة النصيرات (محمد الحجار)

نزح أحمد لبد من بلدة بيت لاهيا، وعاش حياة التهجير والتنقل ما لا يقل عن عشر مرات، لكنه استشهد في مجزرة مخيم النصيرات. يقول شقيقه عبد اللطيف لبد، لـ"العربي الجديد": "استشهد عدد كبير من أفراد الأسرة خلال العدوان الحالي، وتعرضنا للعديد من المجازر، ونجونا مرات عدة، وفي كل مرة كنا نبحث عن مأوى جديد، وبسبب عدم وجود ملاجئ، اضطررنا إلى التوجه إلى مخيم النصيرات بعد إبداء أصدقاء لنا استعدادهم لاستقبالنا في منازلهم. كانت المنطقة التي تعرضت للقصف مليئة بالأطفال، وكانوا يلعبون في الشارع قبل لحظات من وقوع المجزرة".
يضيف: "كنت خارج المنطقة عندما وقعت المجزرة، وقد رأيت آليات عسكرية إسرائيلية قادمة من مخيم البريج في المنطقة الشرقية إلى مخيم النصيرات، ما يدلل على نية الاحتلال المسبقة في ارتكاب المجزرة بعد ما فعله خلال الأيام الماضية في مخيم البريج، والذي حاول إفراغه حتى يسهل دخول مركباته العسكرية عبره باتجاه النصيرات. كان شقيقي أحمد من بين المصابين في شهر فبراير/شباط الماضي في مدينة خانيونس، حيث نجا من مجزرة إسرائيلية في منطقة المخيم الغربي، وأجريت له عملية جراحية في الرأس بمستشفى أبو يوسف النجار بسبب عدم تمكننا من إيصاله إلى مجمع ناصر الطبي حينها، ونجا بأعجوبة من العملية، وكان في وجهه تشوهات، ولم يحظ بفرصة للعلاج في الخارج، وقد نزح معنا مراراً، وصولاً إلى مخيم النصيرات".

يتابع: "استشهد أخي بينما كان يحلم بالسفر للعلاج في الخارج، وعندما وجدنا جثمانه كان مقطعاً، وكان هناك عدد من الرجال الذين قُتِلوا مباشرة برصاصات في الرأس عند دخول قوات الاحتلال الإسرائيلي، وكانت جثامينهم ملقاة على الأرض، وكان أحدهم يقوم بإعداد المعكرونة على باب المنزل في إناء صغير كما شاهدنا. كانت المجزرة الأبشع التي رأيتها من بين مجازر الاحتلال الكثيرة التي عايشتها خلال هذا العدوان".
ووثقت عدد من المؤسسات الحقوقية الدولية وكذلك مراكز حقوقية في غزة تفاصيل عدة من المجزرة الإسرائيلية لضمها إلى ملفات فلسطين في المحاكم الدولية التي تؤكد نية الإبادة الجماعية الإسرائيلية، مشددة على أن الهجمات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة تخلف أرقاماً مفزعة من الضحايا، فضلاً عن شدة التدمير، ما يعني أن ما فعلته إسرائيل، ولا تزال تفعله، يشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، كما أن جيش الاحتلال يواصل مخالفة قواعد القانون الدولي الإنساني، خصوصاً مبادئ الضرورة العسكرية، والتناسب، واتخاذ الاحتياطات الواجبة لحماية المدنيين.

ذات صلة

الصورة
الطبيب الفلسطيني عصام أبو عجوة في مستشفى الأهلي المعمداني في دير البلح (الأناضول)

مجتمع

بعد اعتقال دام 200 يوم داخل سجون الاحتلال الإسرائيلية، عاد الطبيب الفلسطيني المتقاعد عصام أبو عجوة (63 عاما)، لممارسة عمله رغم الظروف القاسية
الصورة
شابان يسخران تخصصهما لعلاج المرضى والجرحى بخيام النازحين في غزة

مجتمع

لم ترحم الحرب الإسرائيلية على غزة، التي دخلت شهرها التاسع، ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث تتضاعف معاناتهم في ظل النزوح المستمر ونقص الاحتياجات الأساسية.
الصورة
طلاب مناصرون لفلسطين يعتصمون في جامعة ملبورن، 15 مايو2024 (مارتن كيب / فرانس برس)

مجتمع

فتحت السلطات المختصة تحقيقاً مع جامعة ملبورن لانتهاكها قوانين الخصوصية من خلال استخدام المراقبة للتعرف إلى هويات الطلاب المشاركين في اعتصام مناصر لفلسطين.
الصورة

سياسة

أطلقت المحكمة العليا في واشنطن سراح 12 طالبا من طلاب مخيم الجامعات في جامعة جورج واشنطن بناء على اتفاق يقتضي بعدم اقتراب الطلاب من محيط الجامعة.
المساهمون