مجزرة المساعدات... الاحتلال يجوّع فلسطينيي غزة ثم يقتلهم

21 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 15:19 (توقيت القدس)
عاد البعض بالطحين وآخرون في أكفان، 20 يوليو 2025 (داود أبو الكاس/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- ارتكب جيش الاحتلال مجزرة في شمال غربي قطاع غزة، حيث استشهد 88 فلسطينياً وأصيب 330 آخرون أثناء انتظارهم للمساعدات، مما أدى إلى انهيار المنظومة الصحية ونقل المصابين إلى المستشفيات الميدانية.
- تزامنت المجزرة مع نفاد المواد الغذائية بسبب إغلاق المعابر، حيث أطلق جيش الاحتلال النار على الفلسطينيين المتجمعين في منطقة زيكيم، ومنع سيارات الإسعاف من الوصول.
- عانت المستشفيات من نقص الأدوية والمستلزمات، وتكدست الأسرّة بالمصابين، بينما استمرت عمليات تشييع الشهداء وسط مشاعر الحزن والغضب.

ارتكب جيش الاحتلال، أمس الأحد، أكبر مجزرة بحق منتظري المساعدات في مناطق شمال غربي قطاع غزة، وعاشت خلالها المنظومة الصحية المنهكة واحداً من أصعب أيام الحرب، إذ فاق العدد الهائل من المصابين مقدرتها، ما أدى إلى تحويل الكثير منهم إلى المستشفيات الميدانية في جنوبي القطاع.
واستشهد في المجزرة 88 فلسطينياً، في أعلى حصيلة تسجلها وزارة الصحة منذ بداية الحرب لشهداء تلقي المساعدات، ووصل 29 شهيداً إلى عيادة الشيخ رضوان، و48 شهيداً إلى مجمع الشفاء، فيما وصل شهيدان إلى المستشفى الميداني بمفرق السرايا في مدينة غزة، وأبلغ الأهالي عن فقدان 15 من ذويهم الذين لم يجدوهم بين الشهداء أو المصابين.
وفي اليوم نفسه، استشهد 13 فلسطينياً أمام مركز توزيع المساعدات الأميركي في جنوبي القطاع، ليتجاوز العدد مائة شهيد في يوم واحد من بين منتظري المساعدات، بينما بلغ إجمالي الإصابات 330 إصابة، وفق رئيس دائرة نظم المعلومات بوزارة الصحة، زاهر الوحيدي.
وعلى مدار يوم الأحد، لم تتوقف أصوات الإسعاف على الطرق بين موقع المجزرة القريب من موقع زيكيم العسكري على الحدود الشمالية للقطاع مع الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبين مجمع الشفاء والمستشفى المعمداني وعيادة الشيخ رضوان، واستمر نقل الشهداء والمصابين عدة ساعات، وكان الشبان الموجودون في المكان ينقلون الشهداء والمصابين على عربات تجرها حيوانات إلى سيارات الإسعاف التي منعها الاحتلال من الوصول إلى المكان.
بدأت الواقعة صباح الأحد، عندما خرج آلاف الأهالي من كافة الأعمار إلى المنطقة بعد تداول أنباء حول دخول شاحنات مساعدات بالتزامن مع حالة الجوع الشديد الناتج من نفاد معظم المواد الغذائية في ظل إغلاق المعابر منذ 141 يوماً. بالقرب من معبر زيكيم، مرت حافلة عمال من غزة يعملون على رفع "مشاتيح" (ألواح خشبية) الطحين على الشاحنات داخل المعبر الواقع على السياج الفاصل شمال غرب مدينة غزة، تبعتها شاحنات فارغة انطلقت من غزة إلى داخل المعبر، وسط تهليل من المتجمهرين. 

أصابته رصاصة في الرأس، 20 يوليو 2025 (العربي الجديد)
أصابته رصاصة في الرأس، 20 يوليو 2025 (العربي الجديد)

وما إن دخلت الشاحنات إلى داخل المعبر، حتى بدأ جيش الاحتلال إطلاق زخات رصاص من الرشاشات الآلية للدبابات، وطائرة مسيّرة "كواد كابتر"، فضلاً عن قذائف مدفعية، وسط تحليق لطائرات حربية وطائرات بدون طيار، فاحتمى الموجودون بداخل البيوت المهدمة وخلف الركام. بعدها، أدخل جيش الاحتلال الشاحنات على أربع دفعات، فصلت بين دفعة وأخرى عدة ساعات بهدف إبقاء الناس بالمكان، فيما يعتبر تمهيداً لارتكاب المجزرة.
يقول الشاب الفلسطيني محمد، والذي كان في المكان، لـ "العربي الجديد": "كانوا يطلقون علينا الرصاص مباشرة، حتى عندما احتمينا بالأبنية المهدمة التي استخدمناها سواتر، كان الرصاص ينهمر كالمطر، ولا تستطيع رفع رأسك، وما إن دخلت دفعة الشاحنات الأولى قرابة العاشرة والنصف صباحاً، حتى توقفت قرب المعبر لإجبار الشبان على الاندفاع تجاهها، وأثناء توجهنا نحو الشاحنات تكرر إطلاق الرصاص، واستشهد إلى جانبي شاب قبل أن يصل إلى الشاحنة، وشاب آخر أصيب في كتفه، وبعد نفاد كمية المساعدات الأولى، عاد الرصاص بشكل جنوني، ورأيت شاباً أطلق قناص عليه رصاصة في رقبته".

أحد مصابي مجزرة المساعدات، 20 يوليو 2025 (العربي الجديد)
أحد مصابي مجزرة المساعدات، 20 يوليو 2025 (العربي الجديد)

في مساء يوم الأحد، كان الفلسطيني حسام ريحان وعائلته يهرعون نحو كل سيارة إسعاف تنقل مصابين أو شهداء من منطقة المجزرة إلى مجمع الشفاء، بعد أن فقدوا أربعة من أبناء العائلة منذ ساعات الصباح، من بينهم أحد أشقائه، بعد ذهابهم إلى شمال غزة للحصول على المساعدات.
يقول ريحان لـ "العربي الجديد": "ذهبنا إلى منطقة زيكيم، وإلى عيادة الشيخ رضوان، والمشفى المعمداني، وجئنا في النهاية للبحث في مجمع الشفاء، ولم نجد أي أحد منهم. بحثنا في ثلاجات الموتى، وفي كشوف المصابين ولم نجدهم. أمهات المفقودين يواصلن الاتصال بي في قلق، وقلوبهن تغلي على أبنائهن، ونعيش منذ الصباح حالة توتر، وبالكاد نستطيع تحمل الضغط النفسي. لقد ذهبوا إلى مكان المجزرة نتيجة سوء الأوضاع الغذائية، ونطالب بإنهاء الحرب التي لم تبق أخضر أو يابساً".
وعاشت أقسام الطوارئ في المستشفيات واحداً من أصعب الأيام، في ظل شح الأدوية والمستلزمات الطبية، وحالة الوهن التي تعيشها الطواقم الطبية نتيجة الجوع، والتعامل مع عدد كبير من المصابين، حتى إن بعضهم تعرضوا للإغماء من شدة التعب والجوع.
كانت الحالة مأساوية داخل قسم الطوارئ بمجمع الشفاء، حيث تكدست الأسرّة في الممرات والساحات التي كانت ممتلئة قبل وقوع المجزرة، ليضاف إليها مصابون جدد، كانت الطواقم تعالجهم على أرضية المشفى.

داخل أحد الممرات، كان صالح دردونة يجلس قرب ابن عمه المصاب محمد، والذي أصيب برصاصة في الرأس، ويروي لـ "العربي الجديد": "أصيب محمد في رأسه، وحالته خطرة. خرج جائعاً من بيته، لكنه لم يحضر الطحين، وها هو يستجدي من أجل إعطائه قطرة ماء، لكن الطبيب منعني من ذلك، كونه سيخضع لعملية جراحية عاجلة. أين العالم؟ وأين الدول العربية؟ هل يعقل أن نموت من أجل لقمة عيش؟ منذ عامين لا أحد ينظر إلينا. كان الأحد يوماً غير عادي، ولن ننساه طيلة حياتنا".
وعلى مدار اليوم ذاته، لم يتوقف تشييع الشهداء نحو مقابر ممتلئة أصلاً بالشهداء. على كفن كتب عليه اسم الطفل مصطفى أبو شعبان، يختبئ جمال الشهيد بشعره الأشقر الذي ظهر لحظة فتح أحد الأقارب الكفن لتوديعه، وقد اختلطت الملامح بالدماء والتراب خلال رحلة البحث عن الطعام، وهي نفس الرحلة التي خاضها قبله والده المفقود منذ بداية الحرب.
يحكي عم الشهيد لـ "العربي الجديد" بينما يحتضن جثمان ابن شقيقه: "ذهب للبحث عن الطعام ليعود به لإخوته، لكنه عاد شهيداً. كحال جميع الناس، نعيش في وضع صعب، وحاول ابن أخي الطفل حمل هم عائلته، لكنه رجع في كفن، ليلتحق بوالده".