شهدت بلدة أنصار قضاء النبطية في الجنوب اللبناني، فجر اليوم، مجزرة جديدة للعدوان الإسرائيلي على لبنان، لم يكن ضحاياها مجرد أرقام تُسجل بل غدت سيرة عائلة تُقتلع من أرضها مرتين: مرة حين دُمر بيتها تحت وطأة القصف الإسرائيلي، وأخرى حين لحقتها النيران إلى المكان الذي لجأت إليه بحثاً عن الأمان. واستهدف الاحتلال منزلا مؤجرا لعائلة من النازحين، ما أسفر عن تحوله إلى كتلة من اللهب والأنقاض، حاصدا أرواح الأب والأم وأطفالهما الأربعة، لتمحو عائلة كاملة في لحظات معدودة، وتترك المنطقة في حالة من الذهول والصدمة الممزوجة بالقهر.
لم يكن انتقال العائلة المنكوبة إلى أنصار سوى محاولة للتمسك بالبقاء؛ فالزوج علي سمير الحاج حسن، مهندس ينحدر من بلدة شمسطار البقاعية، والزوجة زينب ناصر الدين، معلمة مدرسة من بلدة سجد الجنوبية، واضطرا إلى استئجار منزل في بلدة أنصار بشكل مؤقت بعد تدمير منزلهم في بلدة سجد خلال العدوان، أملًا بهدوء يُنسي صغارهما أصوات الانفجارات ويرمم بعضًا من إحساسهم بالأمان المفقود.
عشاء الوداع الأخير قبل العدوان على أنصار
ويروي شقيق الزوجة علي ناصر الدين لـ"العربي الجديد" تفاصيل إنسانية موجعة سبقت الفاجعة بساعات قليلة، إذ يقول إن العائلة بأكملها اجتمعت مساء أمس في بلدة سجد لتناول طعام العشاء معًا، وتبادل أفرادها الأحاديث والذكريات، قبل أن تعود العائلة إلى منزلها المؤجر في أنصار والذي اتخذته منزلا مؤقتا منذ أيام قليلة. وأضاف أن العائلة استهدفت بالكامل، ولم يبق أي شخصِ من البيت، ولم يتمكن ابن شقيقته حسين الحاج حسن (18 عامًا) من الالتحاق بالجامعة اليسوعية التي قبل فيها منذ فترة قصيرة، كما استشهد جميع أشقائه وهم: زهراء (14 عاماً)، حسين (13 عاماً) وعباس (11 عاماً). وقال: "العائلة ذاقت مرارة التهجير عدة مرات خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وكان أفراد العائلة يقيمون في الآونة الأخيرة في الضاحية الجنوبية لبيروت وتحديداً في منطقة بئر العبد في منزل جدتهم والدة أمهم، ولكنهم غادروا منذ أيام إلى منزل أنصار قبل أن يتم استهدافه فجر اليوم".
وفي أنصار، رسمت شهادات الأهالي لـ"العربي الجديد" سيناريو مرعبًا لما جرى في ساعات الفجر الأولى. وقال الأهالي "بدأ الطيران الحربي الإسرائيلي بعد الساعة الثالثة فجرًا، تحليقًا مكثفًا وعلى ارتفاع منخفض جدًا فوق البلدة والمناطق المحيطة بها، ترافق ذلك مع إلقاء كثيف للبالونات الحرارية في سماء المنطقة لنحو عشرين دقيقة كاملة". وقال الأهالي إن حالة الترقب سادت البلدة خلال هذه الفترة، قبل أن يهز انفجار عنيف أرجاء أنصار والقرى المجاورة، إثر استهداف المنزل بصاروخ حوّله إلى ركام.
وأدى الانفجار إلى إلحاق أضرار بشاليه مجاور يقع خلف المنزل مباشرة، يملكه أحد أبناء البلدة من عائلة صعب، ما أسفر عن إصابة أربعة أشخاص بجروح متفرقة جرى نقلهم إلى المستشفيات القريبة لتلقي العلاج، بينما واصلت فرق الدفاع المدني والإسعاف البحث بين الأنقاض لانتشال الضحايا.