مجالس الصلح بديل للمحاكم في سورية

12 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 00:42 (توقيت القدس)
لا يفضّل كثير من السوريين اللجوء إلى المحاكم، 10 مايو 2021 (لؤي بشارة/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أصبحت الوساطة العشائرية في سوريا بديلاً عملياً للمحاكم الرسمية المعقدة، حيث يتدخل الوجهاء وشيوخ العشائر عبر مجالس الصلح لحل النزاعات بسرعة ومرونة، مما يحافظ على الروابط الاجتماعية والاستقرار في المناطق الريفية.
- تلجأ المجتمعات إلى لجان الصلح العشائرية لتجنب بطء المحاكم، حيث تنهي الخلافات بسرعة من خلال جلسات تجمع الأطراف المتنازعة، معتمدة على الالتزام الأخلاقي والاجتماعي رغم غياب الضمانات القانونية.
- تسهم الوساطة العشائرية في الحفاظ على السلم الأهلي وتعزيز الروابط المجتمعية، حيث تشجع السلطات المحلية على استخدامها لتخفيف الضغط عن الجهاز القضائي، رغم الانتقادات المتعلقة بالتنازل عن بعض الحقوق.

في ظل ضعف المؤسسات الرسمية وتعقيد إجراءات المحاكم في سورية، باتت الوساطة العشائرية تشكل حلاً عملياً لإنهاء النزاعات بين الأهالي، إذ تقوم على تدخل الوجهاء وشيوخ العشائر عبر مجالس الصلح التي لم تعد خياراً ثانوياً، بل ملاذاً أساسياً للعديد من السوريين، خصوصاً في القرى والبلدات البعيدة عن المراكز القضائية.

ويرى أحد وجهاء ريف حماة الشمالي (وسط)، محمود الحسين، أن الأهالي يلجؤون إلى لجان الصلح العشائرية بسبب بطء عمل المحاكم وتعقيداتها، خصوصاً أن القضايا قد تبقى عالقة لأشهر، وربما سنوات. الأمر الذي يدفع إلى البحث عن بدائل أسرع وأكثر مرونة، ويؤكد لـ"العربي الجديد" أن لجان الصلح قادرة على إنهاء الخلاف خلال أيام قليلة فقط، من خلال جلسات تجمع الأطراف المتنازعة، وتفضي إلى اتفاق يرضي الجميع".
ويوضح الحسين أن ما يمنح هذه الأحكام قوتها لا يرتبط بسلطة قانونية ملزمة، بقدر ما يرتبط بالالتزام الأخلاقي والاجتماعي بكلمة "الصلح"، التي تُعتبر في نظر الأهالي بمثابة حكم نهائي يراعي كرامة جميع الأطراف، ويحفظ مكانتهم، ويعتبر أن هذه الوساطة تساهم في حماية الروابط الاجتماعية، وتؤكد الدور التقليدي للعشيرة والوجهاء بوصفهم مرجعية يومية تحافظ على الاستقرار.
ويرى سكان محليون أن الوساطة العشائرية توفر بديلاً أقل كلفة وأكثر مرونة من المحاكم الرسمية. من ريف إدلب (شمال غرب)، يؤكد المزارع أحمد شاهين، أن رفع دعوى في المحكمة يعني الدخول في متاهة المحامين والرسوم والانتظار الطويل. ويقول لـ"العربي الجديد": "لا نملك هذا الترف، ولا الصبر على إجراءات قد تستنزفنا مالياً وزمنياً. وعندما نلجأ إلى شيوخ العشيرة أو لجنة الصلح، غالباً ما نخرج بصلح يرضي الطرفين خلال أيام. هذه الحلول لا توفر الوقت والمال فحسب، بل تحافظ على العلاقات الاجتماعية وتمنع تفكك الروابط الأسرية. الوساطة العشائرية أصبحت بديلاً عملياً وضرورياً عن المحاكم، خصوصاً في المناطق الريفية التي تفتقر إلى الخدمات القضائية السريعة والموثوقة".
وبرزت حالات عديدة لنساء اضطررن إلى قبول تسويات غير مكتملة حفاظاً على الوقت والجهد. فقد وجدت سارة الجابر من ريف حلب (شمال) نفسها أمام خيار صعب بين متابعة دعوى قضائية طويلة أو القبول بحل عشائري سريع، وتقول: "كنت أعلم أن إجراءات الطلاق وتحصيل الحقوق قد تستغرق سنوات، وربما أضطر إلى دفع مبالغ كبيرة للمحامين وللتنقل المتكرر بين المدن والمحاكم، وهو أمر يفوق قدرتي المادية والجسدية".
وتضيف: "في النهاية، اخترت حلاً عشائرياً تنازلت فيه عن جزء من حقوقي الشرعية، لأنني أردت أن أنهي القضية بسرعة وأتفرغ لتربية أولادي"، وتتابع الجابر: "لم يكن القرار سهلاً، شعرت بالغبن والظلم، لكنني أدركت أن إضاعة الوقت في المحاكم قد تفاقم معاناتي، وأهم ما فكرت فيه هو مصلحة أبنائي، قد لا يكون الصلح منصفاً مئة بالمئة، لكنه أهون من أن أضيّع سنوات عمري في قاعات المحاكم، وأخرج في النهاية من دون أي شيء".

يلجأ السوريون إلى الحلول العشائرية لتوفير الوقت والمال، الغوطة الشرقية، 8 فبراير 2017 (عامر المحيباني/ فرانس برس)
المجالس العشائرية توفر الوقت والمال، الغوطة الشرقية، 8 فبراير 2017 (عامر المحيباني/ فرانس برس)

من دمشق، يقول المحامي وائل الحمود، إن القانون السوري يتضمن نصوصاً تسمح للأطراف المتنازعة باللجوء إلى التسوية الودّية قبل رفع الدعوى، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن السلطات المحلية غالباً ما تدفع بهذا الاتجاه وتشجع الأهالي على الاستعانة بالوسطاء الاجتماعيين أو لجان الصلح، باعتبار ذلك وسيلة عملية لتوفير الوقت والجهد، ولتخفيف الضغط عن الجهاز القضائي الذي يعاني منذ سنوات من تراكم القضايا وتعقيد الإجراءات، ويرى الحمود أنّ هذا التوجه ساهم في جعل الوساطة الأهلية والعشائرية أكثر حضوراً وانتشاراً في الحياة اليومية للسوريين.
ويتحدّث الحمود عن جملة انتقادات موجهة إلى هذا النوع من القضاء الأهلي، أبرزها افتقاره إلى الضمانات القانونية الكاملة، وهو ما يجعل بعض الأطراف، وخصوصاً النساء، عرضة للتنازل عن جزء من حقوقهنّ تحت ضغط الأعراف أو الرغبة في تسريع الحل، ومع ذلك يتعامل الكثيرون مع هذه التسويات على أنها أداة ضرورية لتنظيم العلاقات الاجتماعية وحل النزاعات، بعيداً عن المحاكم، في ظلّ ما وصفه ببطء عمل المؤسّسات الرسمية وغياب الثقة بقدرتها على الاستجابة السريعة.
ويرى الخبير الاجتماعي، أمجد عبد الكريم، أنه إلى جانب تسهيل وتسريع حل النزاعات، يُعتبر القضاء الأهلي والوساطة العشائرية وسيلة للحفاظ على السلم الأهلي ومنع تصاعد الصراعات. ففي مناطق كثيرة، يؤدي عدم حل النزاعات بسرعة إلى توترات واشتباكات محدودة أو خلافات مستمرة. يضيف لـ"العربي الجديد" أنّ هذه الآليات تعكس التداخل بين الأعراف العشائرية والقوانين، إذ يعمل الكثير من الوجهاء بصفتهم لجنة شبه قضائية تتبع الأعراف الاجتماعية، لكنّها تحاول الالتزام بالحدود القانونية العامة، كما أن القاعدة الشعبية غالباً ما تمنح للوساطة الشرعية أو العشائرية مصداقية أكبر مقارنة بالقضاء الرسمي، لاعتقادها بأنّ الحكم العشائري يراعي الواقع الاجتماعي والعلاقات على نحوٍ أفضل، فضلاً عن أن الوساطة تلعب دوراً توعوياً، إذ تساعد الأطراف على فهم مبادئ الصلح والتسامح، وتحثهم على التفاهم والالتزام بالأعراف، وهو ما يعزز الروابط المجتمعية، ويقلل من النزاعات المستقبلية، وفق قوله.
وفي تصريح سابق للوكالة العربية السورية للأنباء "سانا"، أوضح المحامي العام في ريف دمشق، القاضي محمد عمر هاجر، أن مجلس الصلح في دمشق وريفها، بدعم من وزارة العدل، يُعتبر آلية فعالة لتسوية النزاعات، لافتاً إلى نجاحه في تخفيف الضغط على المحاكم، وإحياء دور العُرف الاجتماعي، والحفاظ على ترابط النسيج المجتمعي.

ومنذ سقوط نظام بشار الأسد، تشهد مدن وبلدات عدّة في سورية قيام مجالس صلح عام، مثل مجلس الصلح في ناحية الحمراء بريف حماة الشرقي، ومجلس الصلح بمنطقة الصبيخان في محافظة دير الزور (شرق)، ومجلس الصلح بمنطقة السفيرة في محافظة حلب، وتحلّ مجالس الصلح إلى جانب قضايا الملكية والأحوال الشخصية، شكاوى مرتبطة بصراعات بين مؤيدين ومعارضين للنظام السوري السابق.

المساهمون