مجازر مخيم جباليا| هذا ما فعله الاحتلال بعائلة أبو الطرابيش (28)

14 فبراير 2025   |  آخر تحديث: 16:39 (توقيت القدس)
شهداء عائلة أبو الطرابيش (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- في 10 ديسمبر 2024، تعرضت عائلة أبو الطرابيش لمذبحة في مخيم جباليا بغزة، حيث استشهد 23 فرداً بعد قصف إسرائيلي، واستمرت النيران لثلاثة أيام.
- تعود أصول العائلة إلى بلدة المجدل المحتلة، وواجهت تهجيراً بعد النكبة عام 1948، لكنها نجحت في بناء حياة جديدة في مخيم جباليا، حيث عمل الجد أحمد في الأونروا وبرز أبناؤه في مجالات مختلفة.
- رغم الخسائر الفادحة، تظل العائلة رمزاً للصمود، مستمرة في البحث عن جثامين أحبائها ومتمسكة بالأمل.

في ليلة واحدة، استشهد 23 فرداً من عائلتي أبو الطرابيش، ولم يعثر إلا على 12 جثة بعد وقف إطلاق النار، ويرجح أن تكون النيران ابتلعت جثامينهم.

المشهد الأول:

"أكثر من ساعة وأبناء عائلتي، وعددهم 23 شخصاً، غالبيتهم من النساء والأطفال، يصرخون من بين الأنقاض ويطلبون النجدة، بعدما أسقطت إسرائيل صاروخاً على المنزل حيث كانوا يحتمون في مخيم جباليا... وفجأة، اختفت الأصوات".

المشهد الثاني:

"استمرت النيران مدة ثلاثة أيام في المنزل الذي احتمت فيه عائلتي. وحين مرت غيمة كبيرة، أمطرت وأخمدت النيران".

المشهد الثالث:

"بعد مرور ستين يوماً على تلك المذبحة، حفر المتبقون من عائلتي بأياديهم العارية بين الأنقاض بحثاً عن جثامين الشهداء، وعثروا على 12 جثة. والبقية التهمتهم النيران". 

هذه المشاهد الثلاثة تختصر المذبحة التي وقعت بحق عائلتي ليل العاشر من ديسمبر/ كانون الأول 2024، أي في اليوم السبعين من الحملة العسكرية الإسرائيلية على مخيم جباليا وشمال قطاع غزة. يومها ارتقى 23 شهيداً، خمسة منهم كبار في السن، بالإضافة إلى ثلاثة شبان وشابتين، والبقية أطفال.

وقعت المذبحة في محيط مستشفى كمال عدوان، واحتمت عائلتي في منزل فارغ يعود لعائلة أبو سعدة، بعدما دمرت إسرائيل جميع منازلنا المحيطة بالمنزل الذي وقعت فيه المجزرة. عائلتي من العائلات الصغيرة في قطاع غزة، وهي من بلدة المجدل المحتلة. نحن أشخاص عاديون جداً، وقد ارتبط اسم عائلتي بصمود المخيم. على الأقل، هذا ما يقوله أبناء المخيم عن عائلة أبو الطرابيش.

قبل مئة عام، كان جدي الأول ويدعى إبراهيم، رجلاً حزيناً. والسبب أنه في كل مرة تنجب زوجته طفلاً، يموت في المهد، تكرر الأمر ست مرات، لكن في المرة السابعة والأخيرة، وتحديداً عام 1925، أنجبا طفلاً بقي على قيد الحياة، وأسمياه أحمد، وعاش وحيداً معهما.

ترعرع أحمد في ريف مدينة المجدل. ومنذ طفولته، عمل مع ابن عم والده في تجارة الزيت والعسل، وحين بلغ 22 عاماً، وكان ذلك نهاية عام 1947، تزوج من جدتي مريم عروق، التي كانت تعمل في الزراعة مع والدها.

منتصف مايو/ أيار عام 1948، اقتحمت جماعات الهاغانا الصهيونية المدن والقرى الفلسطينية، وهجرت أكثر من مئتي ألف فلسطيني من منازلهم، وارتكبت مئات المجازر بحق الفلسطينيين. في ذلك الوقت، كانت جدتي مريم حاملاً في الشهر السادس تقريباً. أخذ جدي أحمد زوجته الحامل وسارا معاً بعيداً عن منزلهما وبستانهما ومتاعهما ومالهما، حتى وصلا إلى مدينة دير البلح.

ظن جدي، حاله حال المهجّرين الآخرين، أنه سيعود إلى منزله خلال أيام، فشيد خيمة من أوراق النخيل، وعاش حياة بدائية تماماً. بعد ثلاثة أشهر، أنجبت جدتي على حصير من القش، عمتي الكبيرة التي سميت هاجر، وبعد عامين، أنجبت مولودة أخرى هي عمتي هنية.

عام 1956، وبقرار من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، شُيّد أول مخيم في قطاع غزة، وهو مخيم جباليا (شمال)، ويبعد عن القرى التي هجر أهلها منها عنوةً قرابة 12 كيلومتراً، حمل جدي عائلتي التي بدأت تكبر، وسجل في قوائم اللاجئين وعثر على خيمة حوّلها لاحقاً إلى منزل مساحته 165 متراً. 

عمل جدي في القطاع الخدماتي لدى الأونروا، فيما أنجبت جدتي في غضون عشر سنوات، ستة ذكور أصغرُهم والدي، وأصبح عدد العائلة عشرة أفراد. وحين أصبح عمر جدي أحمد 36 عاماً، لم يصمد طويلاً أمام مرض السلّ الذي أصابه، فتوفي. 

نجحت جدتي وعمتي في رعاية الأطفال اليتامى الذين تعلموا فكان بينهم أطباء ومقاول بناء وصاحب دكان مشهور. تزوج أعمامي وأنجبوا أطفالاً وأصبحوا فاعلين في المجتمع، وتناقلنا نحن الأبناء وأحفادهم صفاتهم وطريقة تفكيرهم وسلوكهم في العيش. وكان يغلب على عائلتي طابع التديّن.

عائلة عمي الأكبر

محمد (68 عاماً) هو أكبر أعمامي، وقد توفي في اليوم الأول من عدوان مايو/ أيار 2021 جراء إصابته بفيروس كورونا. أنجب عمي الذي كان يعمل مقاولَ بناء، ثمانية أبناء، من بينهم ستة ذكور. ومع بدء الإبادة الجماعية على قطاع غزة، نزح أبناء عمي مع زوجاتهم وأبنائهم إلى جنوب قطاع غزة، بعد ما دمر وأحرق الاحتلال منازلهم جميعاً.

الابن الأصغر يدعى إبراهيم (34 عاماً)، رفض النزوح وبقي مع أبناء عمي وأعمامي في مخيم جباليا. كان إبراهيم متزوجاً من ياسمين، ولديه طفلان هما محمد (3 أعوام) وإيلا (6 أعوام)، وكان يعمل موظفاً في بلدية بيت لاهيا.  

بعدما اشتدت الحملة العسكرية على مخيم جباليا، طلب من زوجته أخذ طفليه والخروج بهما إلى حي الشيخ رضوان الملاصق لمخيم جباليا، وبقي هو في المخيم. كان إبراهيم أحد ضحايا المذبحة، ويقال إنّ جسده تآكل بفعل النيران، لكن أبناء العائلة لا يزالون يبحثون عنه بأيديهم.

عائلة عمي المصاب

مع بدء الحملة العسكرية على مخيم جباليا وشمال قطاع غزة، كان عمي الثاني ويدعى حنفي (66 عاماً) مصاباً في ظهره، وقد نجا من قصف استهدف منزله في بداية عملية الإبادة الجماعية على غزة، كما أصيب سبعة من أفراد عائلته. كان صاحب دكّان مشهور في محيط مستشفى كمال عدوان، وقد أنجب سبعة ذكور وفتاة.

أصغر أبنائه يدعى خالد (32 عاماً)، ويعمل في مهنة الحلاقة، كان متزوجاً ولديه ثلاثة أطفال هم كنان (3 أعوام)، ولمى (7 أعوام)، ولانا (5 أعوام). أصيب خالد في قدميه بجروح بالغة أقعدته على كرسي متحرك. شعر أبناء عمي حنفي أن المبنى الذي يتواجدون فيه قد يُقصف في أي لحظة، فوزّعوا أنفسهم على منازل عدة.

قبل ليلة المذبحة، كان يتواجد في المنزل الذي احتمت فيه العائلة جميع أفرادها، إلا أنهم قرروا أن يتوزعوا على بيوت عدة قبل المذبحة بساعات، لكن لم ينج إلا نصف أفراد العائلة، ارتقى عمي حنفي وزوجته وابنه خالد وأطفاله الثلاثة والفتى أمير حفيد عمي حنفي.

لدى عمي حنفي ابن يدعى أحمد (39 عاماً)، لكنّه لم يكمل المرحلة الابتدائية. تزوّج من ابنة عمي نداء (36 عاماً) وأنجبا ثلاثة أطفال، ثم عاد إلى مقاعد الدراسة، وحصل على التوجيهي ثم البكالوريوس، وبعدها حصل على شهادة المجاستير في العلوم السياسية.

بداية حرب الإبادة، طلب أحمد من زوجته النزوح إلى جنوب القطاع، وبقي هو في المخيم. لكن بعد المذبحة، قرر ترك المخيم. فجر 30 ديسمبر، وخلال محاولته الانسحاب من المخيم، أصيب بصاروخ مباشر، وبعد انتهاء الحملة العسكرية على مخيم جباليا، لم يُعثر على جثمانه. 

عائلة عمي الطبيب

رحل عمي العبقري حامد (64 عاماً) في أغسطس عام 2019، وكان صاحب أشهر عيادة طب أسنان في مخيم جباليا. لديه ستة أبناء، أربعة منهم ذكور. أول منزل قصف في عائلتنا هو منزل عمي حامد، كان المنزل كبيراً وجميلاً ومكوناً من ثلاثة طوابق. أصيبت زوجة عمي إصابة بالغة في قدميها، وباتت تجلس على كرسي متحرك. 

رفضت زوجة عمي الخروج من المخيم، واحتمت في منزل أبو سعدة المجاور مع بقية أفراد العائلة، رافقها ابنها الأصغر براء (28 عاماً) وزوجته آيات (21 عاماً) وطفلتاهما ميرا (4 أعوام)، وريما (عامان).

جميعهم رحلوا ليلة المذبحة، عثر على جثمان براء جثةً كاملة رغم مرور ستين يوماً على المجرزة، وعثر على جثامين زوجته والطفلتين، فيما لم يعثر على جثة عفاف زوجةِ عمي.

تُصنف عائلتي من العائلات الرياضية، وكنا جميعاً نجيد لعبة كرة القدم. والأكثر براعة كان ابن عمي عبد الرحمن (32 عاماً). كان قائد فريق نادي بيت حانون الرياضي في الدرجة الممتازة للدوري الفلسطيني، ويشغل مركز قلب الدفاع، كان متزوجاً من ابنة عمي خلود، ولديهما طفلان هما محمد (5 أعوام) ومعتز (3 أعوام).

كان يعمل في جهاز الشرطة، حين وقعت المذبحة، أصيب في رأسه، لكنه رفض الخروج من المخيم.  

عائلة عمي الرابع

قبل المجزرة بأيام، انتاب عمي إبراهيم (65 عاماً) حزنٌ شديدٌ لاستشهاد ابنه محمد (36 عاماً)، الذي كان متوجهاً لتفقد منزلهم في مشروع بيت لاهيا. كان محمد لاعب كمال أجسام، ولديه ثلاثة أبناء هم عبد الله (10 أعوام)، وكرم (8 أعوام)، وملك (5 أعوام).

بعد أسبوع على رحيل محمد ودفنه في قبر مجاور للمنزل الذي احتمت فيه العائلة، لحقه عمي الحزين وزوجته وزوجة محمد وأطفاله الثلاثة خلال المجزرة. هكذا شُطبت عائلة ابن عمي محمد بالكامل. وتمكن أبناء عمي من العثور على جثة عمي إبراهيم، وعلى أبناء محمد وزوجته، ودفنوا جميعاً في قبر واحد، لكن لم يُعثر على جثمان زوجة عمي.

عائلة عمي الخامس

عمي إسماعيل (64 عاماً) خسر ثلاثةً من أشقائه، وثلاثاً من نساء أشقائه، وعشرين فرداً من العائلة، على رأسهم ابنه الثاني فراس. كان يرأس قسم الطوارئ في مستشفى المعمداني، ومع بدء الإبادة وقصف الجيش الإسرائيلي منزله، نزح بأحفاده إلى جنوب القطاع استجابة لدعوة أبنائه.

فراس خريج الجامعة الإسلامية بتخصّص اللغة العربية، وهو متزوج من رقية ولديهما خمسة أطفال، كان يعمل إدراياً في قسم مكافحة المخدرات في شرطة غزة، ارتقى شهيداً مع ابن عمه عبد الرحمن في المنزل حيث كانا يحتميان في 29 ديسمبر. 

عثر على جثمان فراس وهو يحتضن سلاحه، وعثر أيضاً على محفظته فارغةً من النقود، وفيها فقط ورقة كتب عليها أدعية، وقائمة ديون.  

المساهمون