مبيد "غليفوسات"... اعتداء إسرائيلي على كلّ ما هو حيّ جنوبي لبنان
- تعرض قطاع الزراعة في لبنان لخسائر تقدر بـ704 ملايين دولار بين أكتوبر 2023 ونوفمبر 2024، نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية التي دمرت الغطاء النباتي وسممت التربة والمياه، مما أثر على الإنتاج الزراعي.
- يصف هشام يونس الاعتداءات بأنها إبادة بيئية تهدف لتحويل المناطق المتضررة إلى أراضٍ ميتة، مما يعقد الوضع الاقتصادي والاجتماعي للسكان الذين يعتمدون على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل.
يرفض أحمد محمد إسماعيل ترك بلدته عيتا الشعب جنوبي لبنان، على الرغم من الاعتداءات التي تعرّض لها من جانب قوات الاحتلال الإسرائيلي، والتهديدات المتواصلة لحياته، خصوصاً إذا ما قرّر زيارة أرضه الزراعية أو تفقّد ممتلكاته أو تقليم الأشجار المثمرة. ولم يتمكن أحمد من معاينة أرضه بعد رشّ إسرائيل قبل أكثر من أسبوع مبيد الأعشاب "غليفوسات" على عددٍ من القرى الحدودية.
أحمد المزارع الذي يعمل بالخضار والحبوب والدخان يصف العملية الإسرائيلية التي شهدها جنوب لبنان مطلع فبراير/شباط الجاري باعتبارها "جريمة بيئية واستكمالاً للإبادة الزراعية التي يواصل الاحتلال ممارستها" على الرغم من مضي أكثر من عام على اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، مؤكداً أنّ المبيد الذي يُستخدم عادةً للأرض ينتهي مفعوله بسرعة، أما ذلك الذي استُعمِل من قبل إسرائيل فهو مبيد كيميائي يؤثر على التربة ويجعلها غير صالحة للزراعة، عدا عن تأثيراته الصحية، مع العلم أنّ المنطقة تعاني نسباً مرتفعة لجهة أعداد المصابين بالأمراض السرطانية منذ الحرب الإسرائيلية في يوليو/تموز 2006.
يروي أحمد لـ"العربي الجديد" كيف تعرّضت أرضه لكلّ أشكال الاعتداءات، إذ إنّ إسرائيل لم تترك شيئاً إلا واستخدمته لإبادة الزراعة من الكيميائي إلى الفوسفور إلى المواد الحارقة وغيرها، هو الذي لم يتمكن من قطف محاصيله. وحين قرّر زيارة أرضه عند بدء الموسم، تعرّض لقنبلة صوتية، ومن ثم عمد الاحتلال إلى تفجير غرفته الزراعية ليلاً، كما تعذّر عليه الوصول إلى أرضه مرات عدة، الأمر الذي دفعه للّجوء إلى الجيش اللبناني وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) المكلفة حفظ السلام في الجنوب، لتفقد أرضه وتحضيرها لموسم الزراعة الربيعي، لكنّه لم يستفد شيئاً بعد أن تبيّن له حجم الأضرار.
ما يحصل مع أحمد يتعرّض له كل مُزارعي الجنوب وأصحاب الأراضي الزراعية الذين فقدوا أراضيهم وخسروا مصادر رزقهم، والذين لا زالوا يعانون تداعيات الحرب الأخيرة في ظل مواصلة إسرائيل خروقاتها لاتفاق وقف إطلاق النار، واستكمال سياسة الأرض المحروقة ومنع الأهالي من العودة. ولعلّ الأخطر ما حصل في الأول من فبراير حين عمدت الطائرات الإسرائيلية إلى رشّ مبيدات فوق عددٍ من القرى الجنوبية القريبة من الخط الأزرق، في ضربٍ فاضح للاتفاقيات والمواثيق الدولية.
انعكاسات بيئية مع نسب تركيز تُراوح بين 30 إلى 50 ضعفاً، وسبق أن تعرضت المنطقة للفوسفور الأبيض ومخلفات الذخائر
وخلال الفترة الممتدة بين 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و27 نوفمبر 2024، تكبّد قطاع الزراعة في لبنان خسائر وأضراراً إجمالية بنحو 704 ملايين دولار أميركي، توزّعت بين أضرار مباشرة تُقدَّر بـ118 مليون دولار، وخسائر غير مباشرة بقيمة 586 مليون دولار، مع تركّز التداعيات بصورة خاصة في جنوب لبنان والبقاع (شرق)، وذلك بحسب تقرير صادر بالتعاون بين وزارة الزراعة اللبنانية ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) والمجلس الوطني للبحوث العلمية.
ويُقدّر التقرير احتياجات إعادة الإعمار والتعافي في القطاع الزراعي بنحو 263 مليون دولار، بما يشمل القطاع النباتي والثروة الحيوانية والغابات وقطاع الصيد البحري وتربية الأحياء المائية.
وبالتوقف عند التطورات الأخيرة، يقول وزير الزراعة اللبناني نزار هاني لـ"العربي الجديد"، إنّ نتائج التحاليل أظهرت أن المواد الكيميائية التي رشّتها الطائرات الإسرائيلية فوق عددٍ من القرى الجنوبية هي مبيد الأعشاب "غليفوسات" (Glyphosate)، الذي يؤثّر على الغطاء النباتي في المناطق المستهدفة، مع تداعيات على الإنتاج الزراعي وخصوبة التربة والمياه والتوازن البيئي، وكلّ ما هو حيّ في هذه المنطقة، مثل النحل والحيوانات البرية والمواشي وغير ذلك.
ويشير هاني إلى أن التأثير كبير جداً على الغطاء النباتي، خصوصاً أنّ نسب التركيز تُراوح بين 30 إلى 50 ضعفاً مقارنة بالنسب المعتادة، معتبراً أن الأهم ألا يتكرّر الرشّ، لأن التأثير سيكون أكبر وعلى المدى الأبعد، مضيفاً "إنّ المبيدات العشبية أصلاً مسرطنة وتؤثر على الطبيعة والإنسان، وكلّ ما هو حيّ في المنطقة المُستهدَفة.
وفي وقتٍ يتحرك فيه لبنان أممياً بهذا الإطار، يلفت هاني إلى أن المنطقة التي رُشَّت يبلغ طولها نحو 18 كيلومتراً، ويُراوح عرضها بين 300 و500 متر، أي ما يوازي 500 إلى 600 هكتار، وهذه مساحة كبيرة، الجزء الأكبر منها أماكن حرجية وجرود، فيما هناك بين 20 إلى 30 هكتاراً منها أراضٍ زراعية.
من جانبه، يقول رئيس جمعية "الجنوبيون الخضر" هشام يونس لـ"العربي الجديد"، إنّ المنطقة التي تعرّضت لرشّ المبيدات المكثفة محاذية للشريط الحدودي، وسبق أن تعرّضت للفوسفور الأبيض بشكل كثيف، والمواد الحارقة ومخلّفات الذخائر، فضلاً عن الاقتلاع الممنهج للأراضي والكروم ضمن أعمال التجريف الإسرائيلية الواسعة، ومعظمها حصل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ.
ويشير يونس إلى أن ما حصل هو إبادة بيئية، وهو الاعتداء البيئي الأكبر الذي يطاول المنطقة منذ اتفاق وقف إطلاق النار، نسبة إلى المساحة المتأثرة التي تُقدّر بنحو 23 كيلومتراً امتداداً، وتشمل مناطق الناقورة، علما الشعب، يارين، أم التوت، البستان، الضهيرة، عيتا الشعب، رامية، معتبراً أن الهدف من هذه الاعتداءات تحويل هذا الحيّز إلى منطقة ميتة، وهذا الطور الأحدث من الإبادة البيئية التي تُمارسها قوات الاحتلال في جنوب لبنان، فما رُشّ هو مبيد للغطاء النباتي بالكامل وتلويث للتربة وتقويض لنظامها وللمياه، بما يصيب مجمل التنوع البيولوجي، وهذا يشمل أيضاً وبشكل مباشر المجتمعات الحشرية والملقحات، وفي مقدمها النحل، ما يجعل من هذه الجريمة مكتملة الأركان.
ويلفت يونس إلى أن هذه المنطقة منكوبة بفعل العدوان الإسرائيلي، ولا يُمكن للمزارعين أساساً الوصول إلى أراضيهم أو تفقّدها من جراء الاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات التي تطاولهم في حال قصدوها. ولا يخفي يونس خشيته من أن تواصل إسرائيل رشّ الأراضي الزراعية بالمبيدات، وأن تمتد عملياتها نحو القطاعين الأوسط والشرقي، أي منطقة بنت جبيل وصولاً إلى كفرشوبا، في حال لم تتحرّك الدولة والحكومة بشكل فوري للجم هذه الاعتداءات.
ويأسف رئيس جمعية "الجنوبيون الخضر" لأداء الدولة الضعيف في هذا الإطار، في ظلّ حالة الحرب التي تعيشها البلاد، والتي تستدعي توثيق وملاحقة الاعتداءات كافة التي تحصل على مدار الساعة ومتابعتها لدى جميع المحافل والمنظمات الدولية الرسمية وغير الرسمية، وفضح ممارسات الاحتلال واعتداءاته الهادفة إلى منع السكان من العودة، وفرض التهجير القسري عليهم. ويلفت يونس إلى أن القرى المستهدفة تعتمد بأكملها على الزراعة، فهي مصدر الدخل الأساسي للأهالي، مشيراً إلى أن قطاع الزيتون هو الأكثر تأثراً.
بدوره، يعتبر الرئيس السابق لبلدية عيتا الشعب، محمد سرور، في حديث خاص لـ"العربي الجديد"، أنّ للاحتلال دوافع عدّة من وراء هذه العملية، منها عسكرية وجغرافية وبيئية، كما تأتي في سياق استمراره في ارتكاب جرائم وإبادة زراعية، كما فعل قبل دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، ولا يزال يُمعن في خروقاته.
سرور الذي كان رئيساً للبلدية خلال فترة الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، يلفت إلى أن "إسرائيل اعتمدت سياسة التجريف، خصوصاً بعد الاتفاق، لضرب كل ما يحجب الرؤية عنها، مع الإشارة إلى أن بلدة عيتا الشعب تقابلها مواقع أساسية للعدو، منها الراهب وشتولا وتل شعر". ويشير سرور إلى أن المنطقة التي تتحدّر منها نحو 14 ألف نسمة، بات يقيم فيها اليوم نحو 50 شخصاً فقط، بعد أن صارت منكوبة. ولا يمكن لأحد أن يصل إلى النقطة التي رُشَّت أو إلى أراضيه الزراعية وممتلكاته، وإلا فيكون عرضة للاستهداف الإسرائيلي، ويُعرّض حياته للخطر، لافتاً إلى أن وضع المزارعين مُزرٍ، والعائلات خسرت مصالحها ومصادر رزقها. ويذكّر سرور بأنّ بلدة عيتا الشعب تشتهر بزراعة التبغ، بينما يستحيل اليوم حرث السهل أو وصول الأهالي إلى أراضيهم أو حتى تفقّد ممتلكاتهم وحجم الأضرار فيها.