مبادرة طبية تطوعية لتأمين العلاج والأدوية لأهالي كفرنبل السورية
استمع إلى الملخص
- تأسست المبادرة بدافع الحاجة الملحة بعد سقوط النظام السوري، ويعتمد الفريق الطبي على تبرعات الأهالي وفائض مستودعات المنظمات الخيرية لتأمين الأدوية، رغم التحديات الكبيرة مثل نقص الأدوية وغياب الأطباء الاختصاصيين.
- تلقى المبادرة تقديرًا واسعًا من الأهالي، حيث أنقذت النقطة الطبية العديد من الحالات الطارئة، مما يعكس روح التضامن والمسؤولية المجتمعية في وجه الإهمال والحرمان.
في بلدة كفرنبل، الواقعة في محيط مدينة معرة النعمان بريف إدلب الجنوبي، أطلق تسعة شباب من أبناء البلدة مبادرة طبية تطوعية، لتأمين الرعاية الصحية الأساسية للمدنيين العائدين إلى قراهم بعد سنوات من التهجير. المتطوعون، وجميعهم خريجو معاهد وكليات طبية حديثاً، يعملون بإمكانات محدودة وسط دمار واسع طاول البنية التحتية والخدمات العامة في المنطقة، بما في ذلك المرافق الصحية.
وتفتقر منطقة معرة النعمان بشكل عام إلى المؤسسات الطبية، إذ لا يتوافر فيها سوى مستوصف صغير في المدينة، بخدمات شبه معدومة مقارنة بحجم الاحتياج، ما يجعل من هذه المبادرة بارقة أمل في بيئة قاسية أنهكتها الحرب وأهملتها الخدمات.
وُلدت فكرة المبادرة بعد أيام من سقوط النظام السوري، بدافع الحاجة الملحّة، وترسخت بجهود شخصية، من دون دعم من جهات كبرى، ولا لوجستيات، ولا رواتب… فقط إيمان عميق بأن أحدا ما يجب أن يتحرك، وأن شيئا لا بد أن يُفعل.
يقول مؤسِّس المبادرة، أخصائي التخدير أحمد البيوش، في حديثه لـ "العربي الجديد":
"بدأنا تأسيس النقطة الطبية في مخفر القرية الذي تعرض للتدمير الجزئي، وبعد شهرين اضطررنا للانتقال إلى مقر آخر تابع لمديرية الزراعة. المكان غير مناسب تماما، لكنه يتيح لنا استقبال أهلنا العائدين من حياة التهجير، ويُشجع غيرهم على العودة أيضا. نحن نحمل لقريتنا حبًا عميقا وصادقا".
يؤمّن الفريق التطوعي احتياجاته الطبية والأدوية من تبرعات الأهالي أو من فائض مستودعات منظمات خيرية. ورغم محدودية الإمكانات، يواصل الفريق عمله في ظروف تكاد تكون مستحيلة، مجتهدا في تلبية الحد الأدنى من احتياجات المرضى.
وفي هذا السياق يقول الطبيب أحمد الخطيب لـ "العربي الجديد": "الإمكانات في نقطتنا الطبية محدودة جدا، وتقتصر على تقديم الإسعافات الأولية والتعامل مع بعض الأمراض الشائعة أو المزمنة، ونحاول قدر الإمكان تأمين الأدوية اللازمة لها. أما الحالات التخصصية أو الحرجة فنقوم بتحويلها إلى مراكز صحية أكثر تجهيزا، لكن للأسف، أقرب مركز صحي مؤهل بالكامل موجود في مدينة إدلب".
أما الطبيبة هدى فرحات، فتقول لـ"العربي الجديد": "نواجه الكثير من الصعوبات والتحديات هنا، بسبب ضيق المكان ونقص الأدوية، خصوصا فيما يتعلق بتعويض الأدوية المصروفة للمرضى. كما نعاني من غياب الأطباء الاختصاصيين ضمن الكادر. تأتي إلينا العديد من النساء الحوامل، لكننا للأسف لا نتمكن من تلبية احتياجاتهن بالشكل المطلوب".
وتضيف فرحات: "من المواقف القاسية والمحزنة التي مررت بها، حين جاءت امرأة مصابة بحالة اختلاج بعد سقوطها عن الدرج. لم نتمكن من تقديم العلاج الكامل لها، لكننا بذلنا ما في وسعنا؛ فتحنا الوريد وقدّمنا الإسعافات الأولية ريثما تم نقلها إلى إدلب".
دعم صحي
رغم محدودية الإمكانات والتحديات الكبيرة التي تواجه الفريق الطبي، إلا أن هذه المبادرة تلقى إقبالا وتقديرا واسعين من قِبل الأهالي، الذين يجدون فيها دعما صحيا ضروريا وسط غياب الخدمات الطبية الرسمية. في هذا السياق، تقول المسنة اتحاد العقدة لـ"العربي الجديد": "أنقذتني هذه النقطة الطبية، حيث تعرضت أمس لتسمم غذائي، ولولا تدخل الفريق الطبي وسرعة استجابتهم، لربما فقدت حياتي".
من جانبه قال زوجها أنور الحميدو لـ "العربي الجديد": "أنقذت هذه النقطة الطبية حياة زوجتي بتدخلهم السريع وتوفير الأدوية المناسبة. كان من الصعب جدا نقلها إلى مدينة إدلب أو أي مركز آخر، خاصة أني لا أمتلك سوى دراجة نارية، وكل وقت أضيعه قد تخسر معه حياتها".
بدوره، أفاد محمد اليحيى، الذي نجا من حادث سير على طريق معرة النعمان أثناء قيادته دراجته النارية ليلاً برفقة صديقه، قائلاً لـ"العربي الجديد": "أسعفونا بسرعة لمستوصف مدينة معرة النعمان، لكنهم لم يستطيعوا التدخل الطبي لقلة إمكاناتهم، تم تحويل صديقي لمستشفى في مدينة إدلب لعلاج الكسور، وأنا تم تحويلي لمستشفى عقربات لإجراء التدخل الجراحي في يداي، ومن وقتها للآن أزور هذه النقطة الطبية لمتابعة العلاج وتغيير الضماد كل فترة. الحمد لله أن إصابتي كانت في يدي وليست في رأسي، فلربما فقدت حياتي لبعد المراكز الصحية".
رغم تواضع الإمكانات وغياب الدعم الرسمي، تواصل هذه المبادرة الشبابية في كفرنبل تقديم خدماتها الإنسانية لأهالي المنطقة، مجسدة روح التضامن والمسؤولية المجتمعية في وجه الإهمال والحرمان. ومع كل حالة تُسعف، وكل مريض يُعالَج، يثبت هذا الفريق الشاب أن الأمل يمكن أن ينبثق حتى من بين أنقاض الحرب، وأن الرعاية الصحية حق لا يمكن التنازل عنه.