مأساة عائلة نصار في غزة.. بقايا المنزل تحولت إلى قبر
استمع إلى الملخص
- انهار المبنى فوق أسرته أثناء غياب محمد لشراء مستلزمات الغداء، بسبب اشتداد المنخفض الجوي، ليعود ويجد ما تبقى من المبنى فوق أجساد أسرته.
- تعكس قصة محمد نصار واقع آلاف العائلات في غزة التي تعيش في أماكن مدمرة وغير آمنة، حيث انتهت أحلام غازي ولينا تحت الأنقاض.
في واحدة من أكثر الحكايات قسوة في غزة، يقف الفلسطيني محمد نصار شاهداً حياً على مأساة لا تُحتمل، بعد أن فقد اثنين من أبنائه دفعة واحدة، غازي (15 عاماً) ولينا (18 عاماً)، نتيجة انهيار مبنى مهترئ كان يؤوي أسرته المنكوبة.
محمد، الذي دمرت الغارات الإسرائيلية بنايته السكنية المكونة من خمسة طوابق، لم يجد ملجأ سوى الحواصل المتصدعة المتبقية من المبنى، وهي غرف أسمنتية عارية بلا أبواب أو نوافذ، يعرف جيداً خطورتها، لكنه اضطر للسكن فيها تحت وطأة العجز وغياب أي بدائل تضمن الحد الأدنى من الأمان لعائلته. كان محمد يعيش كل يوم على وقع الخوف، ينام وأذناه تترقبان أي صوت تشقق أو اهتزاز، ويوقظ أبناءه في الليالي العاصفة خوفاً من انهيار مفاجئ، ورغم إدراكه أن هذه الحواصل لا تصلح للسكن الآدمي، إلا أن قسوة النزوح وانعدام المأوى دفعته إلى المجازفة بأرواح أحبته، على أمل أن تمر الأيام بسلام.
أمس الجمعة، تحولت هذه المخاوف إلى حقيقة دامية، فبينما خرج محمد في ساعات الظهيرة لشراء مستلزمات وجبة الغداء، اشتد المنخفض الجوي المصحوب بالأمطار والرياح، ولم يحتمل ما تبقى من المبنى المنهك بثقل الزمن والطقس، في لحظة واحدة، انهار الحاصل فوق رؤوس أسرته، لتختلط أصوات الرياح بصراخ الجدران المتهاوية.
يقول محمد نصار لـ"العربي الجديد" إنه صُدم من هول المشهد لحظة عودته، حين رأى ما تبقى من المبنى يجثم فوق أجساد أفراد أسرته، وقد تجمع الجيران، وبدأ يصرخ بأسمائهم، يحفر بيديه العاريتين بين الحجارة والخرسانة، قبل أن يُنتشل جسدا غازي ولينا بلا حراك. ويتابع: "كانت لحظة قاسية تجمد فيها الزمن، حين وقفت عاجزاً أمام فقدان فلذتي كبدي"، فيما لا تزال رائحة الطعام الذي كان ينوي إعداده معلقة في ذاكرته كطعنة إضافية في قلبه، وبقي ركام البناية السكنية المكونة من خمسة طوابق شاهداً صامتاً على شراسة القصف.
ويوضح نصار أنه المنزل قُصف في الشهر الثاني للعدوان، وأُعيد قصفه للمرة الثانية في النزوح الأخير في شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، وبعد عودته من النزوح، لم يجد أمامه سوى السكن داخل حواصل البناية المتصدعة، بعد أن تقطعت به سبل إيجاد مأوى آمن لأسرته المكونة من سبعة أفراد. ويبين نصار الذي أنهكته الحرب أنه كان يعيش مع زوجته وأبنائه الخمسة في هذا الحاصل المتصدع وهو يعلم تماماً أن السكن فيه بمثابة اللعب مع القدر، فالجدران متشققة، والأسقف الخمسة مصفوفة بعضها فوق بعض ثقلاً على أعمدة الحواصل الهشة، لكن بعد أن فقد منزله بالكامل، لم يجد أي خيار آخر، وكانت هذه الحواصل "مقبرة مؤجلة" اختارها مضطراً هرباً من الموت في العراء.
وكان يوم أمس الجمعة يوماً قاسياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى حين اجتاح المنطقة منخفض بيرون المصحوب بالرياح القوية والأمطار الغزيرة، كانت المياه تتسرب من كل شق، والرياح تئن بين بقايا الأعمدة، وكأنها نذير شؤم. وعن تفاصيل ما جرى، يقول نصار إنه غادر الحاصل قبل الظهيرة، حين قررت زوجته إعداد وجبة الغداء، في محاولة لإضفاء بعض الدفء على حياتهم المهددة، توجه إلى السوق القريب لشراء بعض الخضراوات تاركاً خلفه زوجته والأبناء منهمكين في إعداد الوجبة، كانت لينا تساعد والدتها، بينما كان غازي يحاول إشعال موقد بسيط لإنضاج الطعام.
في تلك اللحظة، ومع هبوب عاصفة رياح قوية جداً، لم يستطع سقف الحاصل الواهن، الذي يحمل ثقل طوابق المبنى المهدوم، تحمل الضغط والرطوبة، ليصدر صوت ارتطام مدو يقطع صمت المنطقة، لينهار ما تبقى من المبنى بالكامل فوق الأسرة التي كانت تحلم بالدفء والأمان.
كانت لينا الابنة البكر لمحمد نصار شعلة من النشاط والأمل، نجحت في الثانوية العامة قبل بضعة أسابيع وتحلم بالالتحاق بالجامعة، بينما كان يتجهز شقيقها غازي للالتحاق بالصف الثاني ثانوي، إلا أن تلك الأحلام هرست مع أصحابها تحت الأسقف الثقيلة والمتراكمة.
قصة محمد نصار ليست استثناء، بل صورة موجعة لواقع آلاف العائلات في غزة، التي اضطرتها الحرب إلى السكن في أماكن مدمرة وغير آمنة، حيث يتحول الخوف من القصف إلى خوف آخر من الانهيار والموت الصامت.