ليبيون يواجهون الفقر بمهن لم يألفوها

21 أكتوبر 2020
الصورة
يجمع النفايات في طرابلس (حازم تركية/ الأناضول)
+ الخط -

يواجه كثير من الليبيين مصاعب الحياة، بعد التردي الاقتصادي الذي تشهده البلاد منذ سنوات وارتفاع معدلات الفقر، من خلال مهن وحِرف لم يألفوها من قبل

تخوض أم عبد الناصر، القاطنة في ضاحية جنزور غربي طرابلس، مع أسرتها، مصاعب الحياة اليومية في ليبيا مع تزايد نسبة الفقر في البلاد وغياب السيولة النقدية. مهن عدة تعتمد عليها، بعد تسعة أعوام من رحيل زوجها، علاوة على دفعها ابنها الأكبر إلى العمل في جزارة (متجر لحوم). تقول أم عبد الناصر إنّها "ربة بيت، ولم أعرف العمل في حياة زوجي". ولكونها لا تتقن مهنة أو حرفة بعينها، فهي الآن تبني على خبرتها في العمل المنزلي، إذ تعمل في "إعداد رُبّ (دبس) التمور، والمخللات، والحلويات، والمطرزات اليدوية الخاصة بلوازم الأفراح، بالإضافة إلى زراعة ما يكفي من خضروات لأسرتي في باحة البيت". تشير في حديثها إلى "العربي الجديد" إلى أنّها تستفيد من موسم التمور لصناعة الرُّبّ، وموسم الأفراح الذي تستعد له بتطريز مشغولات يدوية، بعدما فقدت راتب زوجها، لأنه كان يعمل في قطاع خاص. ولمواجهة الظروف العسيرة، اضطرت الأم إلى دفع ابنها الأكبر إلى العمل في جزارة بالعاصمة طرابلس، مؤكدة عدم رضاها عما تزاوله أسرتها من مهن لم تكن تعرفها من قبل، لكن لا مفرّ من ذلك الآن.

هي الحال نفسها التي اضطرت رمضان عطية إلى العمل مساعداً لحلاق في مدينة صبراتة، غرب طرابلس، بالإضافة إلى عمله الرسمي في مؤسسات الدولة. يسعى رمضان إلى تعلم فنون الحلاقة بالعمل مع حلاق من العمالة الأجنبية، فقد عمل وحده بداية، لكن لم يكن هناك سوى إقبال ضعيف عليه، بسبب عدم إجادته موضة القصات الجديدة، كما يقول لـ"العربي الجديد".
من جهته، يقول الباحث الاجتماعي، عبد العزيز الأوجلي لـ"العربي الجديد" إنّ الاتجاه إلى هذه المهن ما زال يعتبر عاملاً للحفاظ على وجود الطبقة الوسطى في البلاد، لكنّه غير كافٍ "فهي ليست مهناً متوطنة في البلاد ولم يُعرف عن الليبي أنّه زاولها". وبسبب مخالفتها الثقافة الليبية، بحسب تعبيره، لن تستقر مثل هذه المهن. ويلفت الأوجلي إلى أنّ نسبة الفقر في البلاد حتى عام 2010 وصلت إلى 29 في المائة، أما في نهاية 2029، فالمسؤولون أكدوا أنّها وصلت إلى 45 في المائة، ويعتبرها طفرة كبيرة لها تأثيراتها. 
يضيف الباحث الاجتماعي أنّ العام الجاري شهد موجات نزوح عالية بسبب الحرب الأخيرة، ما يعني زيادة في نسبة الفقراء، موضحاً أنّ الرصد العادي لا يظهر إقبالاً كبيراً لدى الليبيين على مزاولة مهن معينة لمواجهة الفقر. ويحذّر الأوجلي من انتشار الجريمة، كالسرقات والاختطاف من أجل المال، في ردّ فعل طبيعي على تفشي الفقر، معتبراً أنّ غياب الدراسات والإحصاءات سيؤثر كثيراً بجهود علاج الظاهرة إن اتجهت السلطات إلى ذلك.
وبسبب عمل عبد الناصر في محل جزارة لإعانة والدته، اضطر إلى ترك الدراسة، وهو في السنة الثالثة الثانوية. وهو ما يلفت إليه الأوجلي، قائلاً: "ترك الدراسة والتسرب من المدارس للبحث عن عمل دافعه الأساسي الفقر وصعوبة توفير تكاليف الدراسة".
وتبدو مهن قيادة سيارات الأجرة وحرف الحدادة وورش إصلاح السيارات من المهن المعتادة التي تتقبلها ثقافة المجتمع وعاداته، لكنّ يوسف القصيّر، واجه رفضاً مجتمعياً بعد اضطرار زوجته إلى العمل بائعة في متجر في ريف زليتن، شرق طرابلس. وبالرغم من أنّ المحل نسائي ومقفل أمام الرجال، يؤكد القصيّر لـ"العربي الجديد" أنّه واجه رفضاً من أوساط أقاربه المحافظين تجاه عمل زوجته بالمحل من دون أن يتمكن من تبرير أوضاعه المعيشية القاسية: "أنا أحمل التحفظات نفسها، لكنّني تجاوزت ذلك بسبب تكاليف الحياة المرتفعة".
يلفت الأوجلي إلى أنّ لجوء شريحة من الليبيين إلى مهن وحرف لم يألفوها جاء بسبب تردي الأوضاع في البلاد التي أثرت سلباً في قطاع النفط، خصوصاً، وهو مصدر الدخل القومي للبلاد. وينقل عن إحصاءات حكومية حديثة أنّ عدد الأسر محدودة الدخل في البلاد وصل إلى 226 ألف أسرة.

وبالرغم من حضور لجان الإغاثة الدولية والجمعيات الخيرية في منطقته بمرزق، جنوبي البلاد، فإنّ المهدي ذريعة، فضّل العمل حارساً ليلياً لعدد من معارض السيارات. يقول لـ"العربي الجديد" إنّه يتقاسم الوقت مع مواطن آخر اضطر إلى العمل في ذات مجاله. ذريعة ليس راضياً عن شكل مهنته، كما ترفضها أسرته، لكونه مدرساً قديماً ومعروفاً في منطقته، لكنّه متيقن من أنّها مهنة أفضل من تلقي المساعدات الإنسانية من أهل الإحسان. يعلّق الأوجلي بأنّ زيادة نسبة الفقر واضطرار شريحة من الناس إلى العمل في مهن لا تتقبلها الثقافة والسلوك المحلي يؤشران على بدء الاختراقات في جدار النسيج الاجتماعي والتبدلات في نمط العيش.

المساهمون