ليبيا: تلوث المياه أزمة متواصلة تستدعي التحرك العاجل

23 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 23 أكتوبر 2025 - 00:24 (توقيت القدس)
تحذيرات من تلوث المياه الجوفية، ليبيا، 5 فبراير 2024 (محمود تركية/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تعاني ليبيا من أزمة تلوث مياه الشرب، حيث أظهرت الدراسات تلوث معظم مياه الآبار في غرب العاصمة بارتفاع نسبة الأملاح والبكتيريا، مما يهدد بانتشار أمراض معوية خطيرة.
- تفاقمت الأزمة بسبب تدهور البنية التحتية وتراجع قدرة الدولة على إدارة منظومة المياه، مما أدى إلى انقطاع الإمدادات واعتماد السكان على آبار خاصة أو شراء المياه بأسعار مرتفعة.
- يواجه مستقبل مياه الشرب مخاطر كبيرة بسبب ارتفاع النترات والمعادن الثقيلة في الجنوب، ويطالب الخبراء بخطة وطنية عاجلة، إلا أن تنفيذها يعيقه الواقع السياسي والإداري الهش.

باتت أزمة تلوث مياه الشرب في ليبيا ظاهرة مقلقة، مع غياب أي خطة عاجلة لضمان جودة المياه وتوافرها، رغم التقارير الدولية بارتفاع مخاطر مواجهة البلاد للعطش خلال العقود المقبلة.

تتواصل تحذيرات المراكز العلمية والجهات البحثية في ليبيا من مخاطر تلوث مياه الشرب بمختلف أنحاء البلاد، ما يهدد حياة الملايين في بلد يعتمد على المياه الجوفية، باعتبارها مصدراً أساسياً للشرب والاستخدام المنزلي.

وفي دراسة حديثة نشرها المركز الليبي المتقدم للتحاليل الكيميائية (حكومي)، تبيّن أن غالبية مياه الآبار في غرب العاصمة ملوّثة بدرجات متفاوتة وغير مطابقة للمواصفات القياسية الليبية لمياه الشرب. وأظهرت الدراسة التي أجراها المركز بالتعاون مع جامعة طرابلس، أن نسبة الأملاح الذائبة الكلية تجاوزت 3000 مليغرام لكل لتر (ملغ/لتر) أي ثلاثة أضعاف الحد المسموح به. كما سَجّلت وجود بكتيريا الإشريكية القولونية (E.coli) بمستويات مرتفعة، بلغت ذروتها في بئر بعمق 50 متراً، وتبيّن أن 60% من الآبار الأقل عمقاً (35 إلى 60 متراً) هي الأكثر تلوثاً.

وأكد المركز الليبي أن النتائج تستدعي تحركاً عاجلاً، محذراً من استمرار الحفر العشوائي للآبار من دون رقابة أو تحاليل دورية تضمن صلاحية مياه الشرب. وحذّر المركز من احتمال انتشار أمراض معوية خطيرة نتيجة استخدام المياه الملوثة، داعياً إلى فرض رقابة صارمة وتفعيل التشريعات المنظمة لحفر الآبار ومراقبة محطات التحلية الخاصة.

واللافت أن أزمة تلوث المياه الجوفية في ليبيا ليست بجديدة، لكنها تفاقمت في السنوات الأخيرة جراء تدهور البنية التحتية وتراجع قدرة الدولة على إدارة منظومة المياه. وقد أعلنت بلديات مناطق الجبل الغربي والساحل الغربي مراراً الانقطاع المتكرر في الإمدادات، والتراجع في إنتاج محطات التحلية، ما دفع الأهالي إلى الاعتماد على آبار خاصة أو شراء المياه المنقولة بالصهاريج بأسعار مرتفعة.

ويقول سالم الورشفاني، من سكان العزيزية جنوب طرابلس، إن أفراد أسرته توقفوا عن استخدام مياه البئر المنزلية منذ أكثر من عام بعد أن لاحظوا تغيراً في طعمها ورائحتها، موضحاً لـ"العربي الجديد" أنه أخذ عيّنة من بئر منزله إلى أحد المختبرات، وجاءت النتيجة صادمة، فنسبة التلوث شديدة الارتفاع، ما اضطره إلى شراء مياه الشرب من محطات التحلية الخاصة. وفيما يبدي قلقه من المياه التي يشتريها جراء مخاطر الأوعية البلاستيكية التي تُباع فيها، يؤكد أنه "ما من حل آخر"، وأنه يسعى إلى تقليل المخاطر قدر الإمكان، خصوصاً أن الرقابة على محطات المياه ضعيفة جداً.

ويشير عبد السلام اعكاش، من جنزور غرب طرابلس، إلى أنه يشتري المياه المعبأة منذ سنوات لكنه لا يعرف مصدرها الحقيقي ولا يثق بجودتها، ويضيف لـ"العربي الجديد": "لذلك نستخدم فلاتر منزلية ونغلي الماء قبل الشرب، لكننا لا نشعر بالأمان".
ويعترف عبد الرازق حمّاد، مسؤول فني في الشركة العامة للمياه والصرف الصحي في ليبيا، بأن التلوث أصبح ظاهرة مقلقة تتجاوز العاصمة إلى معظم المناطق الساحلية والداخلية، مضيفاً لـ"العربي الجديد" أن المخاطر تزداد بالنظر إلى تداخل الشبكات القديمة للصرف الصحي مع خطوط المياه، وتسرّب النفايات من شبكات الصرف الصحي المتهالكة إلى طبقات المياه الجوفية، ما ساهم في تدهور نوعية المياه بشكل متسارع.

ويتابع حمّاد بأن "الدولة لا تمتلك حتى الآن خطة خاصة بمياه الشرب، رغم التقارير الدولية التي تصل تباعاً للحكومات بشأن ارتفاع مخاطر تصنيف ليبيا ضمن البلدان التي ستواجه العطش في العقود المقبلة. فالبلاد لا تزال تعتمد بشكل أساسي على ما يصل إليها من أقصى الجنوب عبر منظومة النهر الصناعي، وهي الأخرى تواجه خطر التهالك وخروج شبكاتها واحدة تلو الأخرى عن الخدمة بسبب الإهمال وغياب الصيانة الدورية".

الصورة
يجهل الليبيون مصدر المياه، صحراء فزان، 12 إبريل 2018 (جان ليو دوغاست/ Getty)
يجهل الليبيون مصدر المياه، صحراء فزان، 12 إبريل 2018 (جان ليو دوغاست/ Getty)

ويتحدث حمّاد عن المخاطر المحدقة بمستقبل مياه الشرب، موضحاً أن الآبار الجوفية في مناطق الجنوب تعاني من ارتفاع نسبة النترات والمعادن الثقيلة إلى خمسة أضعاف الحد المسموح به، نتيجة التوسع غير المنظم في الحفر، وإمكانية تسرب المواد النفطية من الحقول القريبة لآبار النهر الصناعي، بالإضافة إلى تدهور الخزان الجوفي في الجنوب، والذي تعتمد عليه ليبيا بنسبة تفوق 90% لتأمين حاجاتها من المياه.

ويطالب حمّاد بخطة وطنية عاجلة تشمل "إنشاء مختبرات رقابة إقليمية لمتابعة جودة المياه، وحصر الآبار العشوائية وإغلاق الملوثة منها، ووضع لوائح أكثر صرامة لمنح التراخيص"، لافتاً إلى أن "تنفيذ مثل هذه الخطط لا ينقصه الخبراء، بقدر ما يعيقه الواقع السياسي والإداري الهشّ، وضعف التمويل المخصص لقطاع المياه".

المساهمون