ليبيا: تجاوزات في المصحات الخاصة

ليبيا: تجاوزات في المصحات الخاصة

08 نوفمبر 2020
الصورة
القطاع الصحي بكامل مرافقه منهك في ليبيا (ماركو لونياري/ فرانس برس)
+ الخط -

ما زال الجدال واسعاً في الأوساط الطبية والقانونية، في ليبيا، بشأن اعتماد تعريف رسمي للخطأ الطبي، في الوقت الذي تتزايد فيه شكاوى المواطنين من تجاوزات المصحات الخاصة على وجه الخصوص، وارتفاع عدد ضحاياها.
وبالرغم من حملات الإقفال التي تطلقها جهات حكومية في عدد من المدن الليبية ضد عدد من المصحات الخاصة، فإنّ بياناتها تؤكد أنّ قرارات الإقفال جاءت على خلفية تجاوزات المصحات في جانب استعمال أدوات لأكثر من مريض، أو لعدم التقيد بالنظافة ووجود عاملين من دون شهادات مزاولة للمهنة، لكنّ أيّاً منها لم يشر إلى إقفالات بسبب تجاوزات طبية تتعلق بالمرضى، الذين مات بعضهم.

لجوء واغتراب
التحديثات الحية

فقد امحمد المدني، وهو مواطن من بنغازي، طفله وعمره أقل من عام، بسبب صرف طبيب في أحد المصحات الخاصة في بنغازي دواء بجرعات كبيرة له. يشرح المدني لـ"العربي الحديد" أنّ "الجرعات التي وصفها الطبيب هي جرعات فتى في الخامسة عشرة، وبسبب تناول طفلي الدواء قرابة أسبوع حدثت له مضاعفات"، مؤكداً أنّ مصحة أخرى هي التي أكدت له سبب فقدانه طفله بعد مضاعفات ألزمته الفراش لأسبوع آخر. لكنّه يؤكد في الوقت نفسه أنّ الطبيب الذي أثبت الحالة تملص من كتابة تقرير لإثباتها، مرجحاً وجود علاقات خاصة بين أصحاب المصحات، التي يؤكد أنّ أغلبها يمارس عمله بهدف التربح السريع، لا غير.
التهمة نفسها توجهها زهرة السعيطي، وهي مواطنة من أجدابيا، شرقي البلاد، إلى أحد المصحات التي تسببت في فقدان والدتها حاسة السمع وتعثر لسانها في النطق ومضاعفات أخرى قالت بأنّها "تزداد كلّ يوم". واضطرت السعيطي لدفع "فاتورة كبيرة مسبقاً قبل إدخال والدتي لإجراء عملية جراحية، كشرط لإجراء العملية، لكنّ نتائجها كانت صادمة لي ولأسرتي وللأصدقاء". 
وبعد عرض حالتها في مصحات في تونس، تقول السعيطي إنّ "السبب كان جرعات التخدير العالية والمضيّ في العملية سريعاً، ما يعني عدم تبادل النقاش بين الجراح وطبيب التخدير". وبعد مطالبات ورفع قضية لم تتمكن السعيطي من الوصول إلى نتيجة، فليس هناك ما يثبت دخول والدتها إلى المصحة التي أتلفت ملفها، وفق قولها.
ولا ينفي المحامي، فرج حدود، ارتفاع تكاليف العلاج في المصحات الخاصة، وعدم وجود لائحة رسمية تحدد أسعار الأدوية والعلاج هناك، مؤكداً التقصير الرسمي الكبير في تحديد المسؤولية الطبية. ويوضح حدود لـ"العربي الجديد" أنّ "لوائح المجلس الطبي لم تحدد للمصحات شرطاً في عقودها يتعلق بخبرة الطبيب وسنوات مزاولته المهنة، وبسبب ارتفاع أجور الاختصاصيين والاستشاريين، تلجأ المصحات بهدف التربح وجني الأموال إلى الأطباء حديثي التخرج في مختلف التخصصات مستغلة ظروفهم ونقص فرصة العمل في البلاد". 
يتابع: "حتى الآن ليس هناك ما يفرّق رسمياً بين الخطأ الطبي والمضاعفات التي قد تنتج عن تدخل الطبيب، ما يؤدي إلى اتهام الطبيب بأيّ نتيجة سلبية". وحول المتابعة القانونية، يقول حدود إنّ "المحكمة العليا قررت إلزام المحاكم بعرض أيّ قضية على المجلس الطبي العام وبناء أحكامها وفق تقرير المجلس لتحديد المسؤولية الطبية". ويعتبر أنّ قانون المسؤولية الطبية الذي وضعه الأطباء غير نزيه وكذلك مسارات القانون في الاحتكام لرأي المجلس تركت فضفاضة، وكلّها ثغرات ساهمت في تفشي ظاهرة عدم المسؤولية والتهرب من المعاقبة على "الجرائم" التي تحدث في المصحات الخاصة.
وبسبب تنقلها بين المحكمة ومكاتب المحامين، تؤكد السعيطي أنّ ظاهرة الفساد المستشرية في ليبيا تسربت إلى جهات صحية، كالمجلس الطبي الذي يتضمن أطباء يمتلكون مصحات خاصة بهم، وتقول: "سبب فشل ادعائي على المصحة التي أجرمت بحق أمي أنّ المحكمة ارتهنت لتقرير المجلس الطبي الذي حدد براءة الطبيب المعني فأصبح المجلس هو المحكمة". وتوضح السعيطي رأيها بالقول إنّها لا تتحدث عن الفرق بين المضاعفات والخطأ الطبي المحتمل وقوعه: "لكنني أتحدث عن الفرق بين الخطأ الطبي والجريمة، في ظلّ الفساد الذي ساعد الأطباء التجار، في التهرب من المسؤولية وشجعهم على ممارسة المزيد، فالمهم لديهم كسب المال".
من جانبه، يتساءل الناشط المدني، مالك الهوني، عن مآلات قرارات الإقفال التي نفذتها السلطات بحق بعض المصحات، ويقول: "تلك المصحات جرت تسميتها لكنّها مستمرة في عملها أمام الرأي العام ولم تقفل إلّا ليوم أو يومين فقط". يتابع: "قد نفهم أنّها تعرضت لغرامات مالية بسبب تجاوزاتها، لكن، هل تم التحقيق في شأن استخدامها الأدوات نفسها أكثر من مرة وكم حالة تضررت من هذا السلوك". يجيب: "بكلّ تأكيد، لم يتم ذلك، وما إعلانات الإقفال إلّا بمثابة مسكّن للرأي العام فهي تحدث فقط عند شيوع قصة مريض قتلته مصحة ثم تختفي مجدداً".

ويقر منير القماطي، عضو المجلس الطبي، بوجود تجاوزات كبيرة في المصحات الخاصة، لكنّه يلفت إلى أنّ الجدال القانوني حول قانون المسؤولية الطبية لا يعني مجلسه. ويوضح القماطي لـ "العربي الجديد" أنّ "القانون يجب أن تفسره لوائح لتحدد رأي المجلس وتفصل بين المسائل المدنية التي يترتب عليها تعويض، والمسائل الجنائية التي من المفترض أن يفصل فيها القضاء لا المجلس". لكنّ السعيطي تؤكد أنّ القضية التي تواجه المجتمع تتمثل في الفساد: "قبل أن يصل التقرير إلى المجلس أو المحكمة يجري تزويره، وفي الغالب ليس هناك ما يثبت أنّ المريض دخل إلى هذه المصحة أو تلك، فحتى الصيدليات لا توقع بختمها عند صرف الدواء تهرباً من المسؤولية".

المساهمون