لقاح كورونا... الأمل بالخلاص من الوباء يكبر

11 نوفمبر 2020
الصورة
أمام المقرّ الرئيسي لـ"فايزر" في نيويورك أمس الأول (ديفيد دي ديلغادو/ Getty)
+ الخط -

تلقى العالم خبراً مفرحاً، مع إعلان شركتي "فايزر" و"بيونتيك" عن نتائج أولية تفيد بأنّ لقاحهما ضدّ كورونا فعال بنسبة 90 في المائة، فهل نقترب فعلاً من نهاية هذا الوباء الذي غيّر عالمنا؟

تعيش دول كثيرة حول العالم الموجة الثانية من فيروس كورونا الجديد. هذا الوباء الذي يسجل يومياً مئات آلاف الإصابات، حول العالم، مع ارتفاع عدد الوفيات إلى أكثر من مليون و270 ألفاً، يرى فيه الناس والحكومات والعلماء واقعاً قاسياً فرض على الجميع تغيير نمط حياته. لكنّ أملاً جديداً يكبر منذ يومين، في احتمال احتواء خطر الفيروس، مع إعلان شركتي "فايزر" الأميركية، و"بيونتيك" الألمانية، عن نتائج إيجابية لمشروعهما المشترك الخاص بالبحث عن لقاح، إذ أسفرت تجاربهما عن نتيجة تفيد بأنّ اللقاح ضد كورونا فعال بنسبة 90 في المائة. هذا الإعلان دفع المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غبريسوس، لوصفه بالـ"مشجع". كذلك، رحب الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب به معتبراً أنّه "خبر عظيم". وأكد الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن، أنّه يرى مؤشر "أمل" لكنّه حذّر من أنّ "المعركة" ما زالت طويلة، مناشداً الأميركيين الالتزام بالكمامة. لكن وسط الأمل الكبير، تبرز الخشية الجدية من أن يقتصر الوصول إلى اللقاح، على الأقل في السنتين المقبلتين، على فئات وطبقات محدودة من الميسورين.
قصة اللقاح الأميركي- الألماني المشترك، بدأت في يوليو/ تموز الماضي، مع أول تجربة إكلينيكية. يومها حصل نصف المشاركين على اللقاح المقترح، بينما حصل النصف الآخر على دواء وهمي من الماء المالح، ثم انتظرت الشركتان حتى يمرض المشاركون لتحديد ما إذا كان اللقاح يوفر أيّ حماية. وبحسب النتائج، فقد أصيب 94 مشاركاً من بين نحو 44 
ألف شخص بالمرض الذي يسببه فيروس كورونا الجديد. وبناء على ذلك، أعلنت الشركتان تلك النتيجة الأخيرة. لكنّ مجلس خبراء مستقلاً في الولايات المتحدة، اعتبر أنّ التحليل الذي اعتمدته الشركتان، ما زال في طور الدراسة، وأنّه ما زال من المبكر القول إنّ اللقاح فعال بنسبة 90 في المائة.

وكانت إدارة الغذاء والدواء الأميركية، قد وضعت حداً لفاعلية اللقاح نسبته 50 في المائة، لصانعي اللقاحات الذين أرادوا تقديم لقاحاتهم المرشحة للحصول على إذن طارئ. وإذا ثبتت النتائج الأولية من "فايزر" و"بيونتيك" وعكست بدقة كيف سيعمل اللقاح في العالم الحقيقي، فمعنى ذلك أنّ لقاحهما، الذي يؤخذ على جرعتين تفصل بينهما ثلاثة أسابيع، يتخطى ذلك الحاجز بكثير.
ويعني ذلك بالنسبة إلى الأميركيين بالذات ممن طلبوا من اللقاح مائة مليون جرعة مسبقاً، أنّ أولى عمليات التلقيح قد تبدأ قبل نهاية العام الجاري شريطة تأكيد سلامته على الصحة البشرية اعتباراً من الأسبوع المقبل. من جهته، توقع مدير المعهد الوطني الأميركي للحساسية والأمراض المعدية، أنتوني فاوتشي، أنّ بلاده قد يكون لديها جرعات منه قبل نهاية العام.
وتنوي الشركتان التقدم بطلب ترخيص من إدارة الغذاء والدواء التي ستبتّ بسلامة اللقاح وفعاليته. وقال وزير الصحة الأميركي أليكس عازار إنّ توزيع اللقاح سيكون عندها "مسألة أسابيع" فقط. وفي الاتحاد الأوروبي الذي اشترى مسبقاً 200 مليون جرعة ويفاوض لطلب مائة مليون جرعة إضافية من اللقاح، "قد لا يتوافر اللقاح قبل مطلع العام 2021"، بحسب مصدر أوروبي. وتقدمت دول أخرى مثل اليابان وكندا وبريطانيا بطلبيات للحصول على اللقاح ومن المتوقع أن يتجاوز الطلب الكميات المتوافرة في البداية إذ إنّ الشركتين تتوقعان توفير 50 مليون جرعة في 2020، و1.3 مليار جرعة العام المقبل.

الصورة
مقر "بيونتيك" الرئيسي في ماينز، غرب ألمانيا (توماس لونز/ Getty)

وبينما يُعتقد أنّ ما بين 60 في المائة و70 في المائة من سكان العالم يحتاجون إلى أن يكونوا محصنين ضد الفيروس من أجل منع انتشاره بسهولة (وهو ما يعرف بمناعة القطيع)، فإنّ العالم لا تكفيه الكميات التي أعلنت عنها الشركتان بل ينتظر مليارات اللقاحات، التي يجب تصنيعها. وعلى الرغم من أنّ شركات الأدوية ستصنع اللقاح، فإنّها لن تكون من يقرر من يتم تطعيمه أولاً، فمثلاً، قال السير مين بانغالوس، نائب الرئيس التنفيذي لشركة "أسترازينيكا" السويدية التي تطور لقاحاً مع جامعة "أوكسفورد" البريطانية: "سيتعين على كلّ منظمة أو دولة تحديد من يتم تحصينه أولاً وكيف يتم ذلك". 
ونظراً إلى أنّ الإمداد الأولي سيكون محدوداً، فمن المرجح أن تكون الأولوية هي للحدّ من الوفيات وحماية أنظمة الرعاية الصحية. وهنا لا بد من التمييز بين الدول الغنية والفقيرة، فالدول الغنية يمكنها شراء اللقاحات وتوزيعها بالشكل الذي تراه مناسباً، أما بالنسبة إلى الدول منخفضة الدخل أو متوسطة الدخل حتى فإنّ "تحالف غافي للقاحات" التابع للأمم المتحدة، وضع خطة تتمثل في أنّ البلدان التي وقعت على بيان "كوفاكس" المتعلق بلقاحات فيروس كورونا، ذات الدخل المرتفع أو المنخفض على حد سواء، ستتلقى جرعات كافية لثلاثة في المائة من سكانها، وهو ما سيكون كافياً لتغطية العاملين في مجال الرعاية الصحية والاجتماعية. ومع إنتاج مزيد من الجرعات، تجري زيادة المخصصات لتغطية عشرين في المائة من السكان، وهذه المرة لإعطاء الأولوية لمن هم فوق 65 عاماً وغيرهم من الفئات الضعيفة. وبعد أن يتلقى جميع أفراد نسبة العشرين في المائة هذه، سيوزَّع اللقاح وفقاً لمعايير أخرى، مثل ضعف البلد والتهديد المباشر للفيروس. 

وبحسب "غافي" يمكن للدول الغنية شراء ما بين 10 و50 في المائة من احتياجاتها للقاح، وتوزيعه على الفئات العمرية المختلفة، كمرحلة أولى، ثم التوجه إلى شراء الكمية المتبقية، لتوزيعها على باقي السكان لاحقاً. كذلك، أشار الرئيس التنفيذي لـ"فايزر" ألبرت بورلا، إلى أنّ من المرجح أن تحظى المجموعات الأكثر عرضة للإصابة بالفيروس بأولوية الحصول على اللقاح. وتعرب المنظمات غير الحكومية منذ أشهر عن قلقها من استحواذ الدول الغنية على جرعات اللقاح فضلاً عن السعر المحتمل للقاح "فايزر". وفي هذا الإطار، قال روبن غيتار، الناطق باسم "أوكسفام" في فرنسا: "اللقاح سيكون فعالاً بنسبة 0 في المائة للأشخاص الذي لا يملكون المال للحصول عليه".
أما في ما يتعلق بسلامة لقاح الشركتين وفعاليته، فلم يُعرَف حتى الآن إن كان يوفر مناعة طويلة الأمد، وما إذا كان يحمي أولئك الذين أصيبوا سابقًا بفيروس كورونا، وما إذا كان يمنع الأشخاص من التقاط الفيروس ونقله أو يقلل من شدته ببساطة. في كلّ حال، لم تبلغ الشركتان عن مخاوف جدية تتعلق بالسلامة. وقبل إجراء الدراسة الحالية، أجرت الشركتان تجارب سريرية أصغر بدأت في مايو/ أيار الماضي جرى تصميمها خصيصاً لاكتشاف علامات التحذير حول سلامة اللقاح. فقد جرى اختبار أربعة إصدارات من لقاحهما واختارتا النسخة التي تنتج أقل عدد من الآثار الجانبية الخفيفة والمتوسطة، مثل الحمى والتعب. وبالتالي، فإن حصل اللقاح على تصريح طارئ من إدارة الغذاء والدواء، ستجري مراقبة من يتلقونه لمدة عامين. في المقابل، هناك مخاوف أخرى لوجستية، منها أن كان اللقاح يحتاج إلى تخزينه في درجة حرارة 80 درجة مئوية تحت الصفر، فإن كانت الإجابة بنعم، فإنّ ذلك يشكل تحدياً حتى في الدول الباردة جداً التي لا تتدنى درجة حرارتها الى أقل من 40 درجة تحت الصفر.

الصورة

بالحديث عن اللقاحات التجريبية التي يجري العمل عليها حول العالم، فإنّ اللقاح الروسي "سبوتنيك 5" الذي أعلنت روسيا أمس الأول أنّ فعاليته تفوق 90 في المائة، لم يلقَ قبولاً في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الغربية عموماً ومن يرتبط بها. ومنذ إعلانها في أغسطس/ آب الماضي عن بدء توزيع اللقاح هذا، وافقت موسكو على لقاح ثان مع خطط للقاح ثالث قيد التنفيذ. أما الصين فلديها أربعة لقاحات مرشحة في المراحل النهائية من الاختبار. لكن، أمس الأول بالذات، أعلنت هيئة تنظيم الصحة في البرازيل، أنّها علقت التجارب السريرية على لقاح "سينوفاك" الصيني بسبب "تأثير ضار شديد" حدث في 29 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، من دون تقديم مزيد من التفاصيل.
وتطور شركة "موديرنا" الأميركية لقاحاً تجريبياً آخر ينتظر صدور نتائجه في الأسابيع المقبلة ويستخدم التكنولوجيا نفسها لـ"فايزر" و"بيوتنيك". ويترقب العالم أيضاً نتائج لقاح آخر بات في مراحل متقدمة تطوره شركة "أسترازينيكا" مع جامعة "أوكسفورد". ومن المتوقع الحصول على مزيد من النتائج، من فرق أخرى تعمل على تجارب متقدمة للقاحات أخرى، في الأسابيع والأشهر المقبلة. ووفق منظمة الصحة العالمية، فإنّ هناك نحو 200 لقاح قيد التطوير في جميع أنحاء العالم، منها 12 لقاحاً اقتربت من المرحلة النهائية من الاختبارات. وبناءً على النتائج، تقول بعض الشركات إنّ اللقاحات الخاصة بها يمكن أن تُمنح الضوء الأخضر لاستخدامها في أقرب وقت هذا العام.


ولم تعلن شركتا "فايزر" و"بيوتنيك"، حتى الآن، عن سعر الجرعة من لقاحهما، لكن يمكن للدول ذات الدخل المنخفض أن تحصل على دعم من مؤسسة "بيل وميليندا غيتس" التي أعلنت عن تقديم ما لا يقل عن 100 مليون جرعة من اللقاحات للهند والبلدان ذات الدخل المنخفض. ومن غير المرجح أن يتم فرض رسوم على المرضى الذين يتلقون اللقاح في معظم الحالات. وتعتمد الأسعار لكلّ جرعة على نوع اللقاح والشركة المصنعة وعدد الجرعات المطلوبة. فشركة "موديرنا" مثلاً، ستبيع لقاحها المحتمل بسعر يتراوح بين 32 دولاراً أميركياً و37 دولاراً للجرعة الواحدة. أما "أسترازينيكا" فأشارت إلى أنّها ستوفر لقاحها "بسعر الكلفة"، ما يعني بضعة دولارات للجرعة، خلال فترة الوباء.

المساهمون