لبنان: غضب في الشمال عقب إخلاء سبيل المتهم بـ"قارب الموت"
استمع إلى الملخص
- المحامي محمد صبلوح أعرب عن استيائه من القرار، مشيراً إلى تحويل القضية إلى القضاء العسكري واعتبارها جنحة، مما يعارض الاتفاقيات الدولية ويشجع على الهجرة غير الشرعية.
- الفصائل الفلسطينية استنكرت القرار، معتبرةً أنه طعنة لأهالي الضحايا وطالبت بإعادة النظر فيه، مشددة على أهمية العدالة في ظل الظروف المعيشية القاسية.
يشهد الشمال اللبناني حالة من الغضب، خصوصاً داخل المخيمات الفلسطينية، بعد شيوع خبر صدور قرار قضائي بإخلاء سبيل المتهم الرئيسي في جريمة "قارب الموت" التي راح ضحيتها عام 2022 أكثر من 120 شخصاً، بينهم فلسطينيون ولبنانيون وسوريون، وذلك باعتبار ما حصل استخفافاً بدماء الضحايا وتشجيعاً على الاتجار بالبشر والهجرة السرية.
وأخلى القضاء اللبناني قبل أيام سبيل المهرّب بلال ديب؛ المتهم الرئيسي بجريمة سمُيت يومها بـ"قارب الموت"، وذلك لقاء كفالة مالية، بعد توقيفه لأكثر من سنتين، علماً أن ملفات عدّة أثبتت تورّطه بتهريب المهاجرين عبر شواطئ شمال لبنان، التي شهدت في السنوات الماضية ارتفاعاً كبيراً في عمليات التهريب والهجرة غير الشرعية، خصوصاً إلى قبرص.
في الإطار، يقول المحامي محمد صبلوح، الوكيل القانوني لأحد الناجين من غرق المركب، لـ"العربي الجديد"، إنّ "القضية لم ينسها بعد اللبنانيون ولا أهالي الضحايا، فالقارب كان على متنه أكثر من 120 شخصاً، انطلق من ساحل المنية، شمالي لبنان، وكان ينوي التوجه إلى قبرص لكنه غرق في طرطوس، وقتل من كان على متنه"، مشيراً إلى أن "القضاء اللبناني أصدر قراراً بإخلاء سبيله بعدما جرى تحويل الملف إلى القضاء العسكري، ولم يصدر بحقه قرار منع سفر، وهناك حالة غضب خصوصاً من جانب الفلسطينيين في الشمال، من القرار".
وأشار صبلوح إلى أن "موكلي عندما رأى هذا العدد الكبير في المركب رفض الصعود، لكنه هُدّد ووضع السلاح بوجهه، فاضطر إلى مواصلة الرحلة، هو نجا، لكن توفيت زوجته وأولاه، وأنا تابعت الملف وتقدمت بدعوى أمام القضاء في الشمال، لأن هذا الملف ينظر به القضاء العادي كونه مرتبطاً بجناية، ولكن بعد أكثر من سنتين ونصف على وقوع الجريمة، حوّل الملف إلى القضاء العسكري للنظر به، بذريعة أن أحد العسكريين اعترف بأنه من المتاجرين، وهذا القضاء أخلى بدوره سبيل بلال ديب، لأنهم مؤخراً للأسف يعتبرون هذه الملفات المرتبطة بغرق المراكب جنحة، وهذا أمر خطير جداً، ويتم بالتالي إقفالها".
ولفت صبلوح إلى أن "إخلاء سبيل ديب جاء على الرغم من أن في رقبته أكثر من 120 شخصاً، وهو متهم بالاتجار بالبشر، فكيف يعقل أن يوضع ذلك في إطار الجنحة لا الجناية"، معتبراً أن ما يحصل من شأنه أن يشجع على الهجرة غير الشرعية وينشّط عمل المهرّبين، في ظلّ التساهل بالملفات والعقوبات، وهذا يخالف أيضاً الاتفاقيات الدولية ذات الصلة الموقّع عليها لبنان. وأشار في حديثه مع "العربي الجديد" إلى أن "عائلة موكلي منزعجين جداً مما حصل ونحن سنتحرك بهذا الشأن، وأنا سبق أن تحركت في ملفات أخرى مرتبطة بغرق المراكب وضعت أيضاً في إطار الجنحة، وتقدمت بشكوى في التفتيش القضائي، وسأفعل الأمر نفسه في هذه القضية، إذ يجب أن يفتح تحقيقاً بما حصل، وبالأسباب التي أدت إلى إخلاء سبيل ديب رغم التهم الثابتة عليه".
من جهتها، أعربت الفصائل واللجان الشعبية الفلسطينية في الشمال، في بيان، عن استنكارها الشديد وأسفها البالغ للقرار، معتبرة أنه شكل طعنة جديدة لأهالي الضحايا الذين فقدوا أبناءهم في البحر قبل عامين ونصف، حين ابتلعهم الموج وهم يحلمون بفرصة حياة كريمة بعيداً عن الفقر والحرمان. واعتبرت أن "القرار يمثل استخفافاً بدماء الأبرياء الذين غرقوا في رحلة اليأس نحو أوروبا، ورسالة سلبية توحي بأن العدالة قد تغيب وأن المتاجرين بأرواح الناس قد يفلتون من العقاب".
وأضاف البيان أن القضية تتجاوز حدود القانون لتلامس جوهر الإنسانية والكرامة الوطنية، مشيراً إلى أن ما جرى يعيد التذكير بمأساة اللجوء الفلسطيني الممتدة منذ النكبة، وبالظروف المعيشية القاسية التي تدفع الكثير من الشباب إلى المجازفة بحياتهم في البحر. وطالبت الفصائل القضاء اللبناني بإعادة النظر في القرار ومواصلة التحقيقات حتى النهاية، مشددة على أن لا جريمة بلا مجرم ولا حق يضيع ما دام وراءه مطالب.
وشهد لبنان في السنوات الماضية، ولا سيما في عام 2022، تنامياً كبيراً للهجرية السرية، التي جنى المهربّون من خلالها أموالاً طائلة، مستغلّين حاجة المواطنين إلى المغادرة في ظلّ الانهيار النقدي والاقتصادي، وتردي أوضاعهم المعيشية والاجتماعية، وارتفاع معدلات الفقر والجوع والبطالة. وكانت غالبية الرحل تنطلق من شمال لبنان، باتجاه دول أوروبية، على رأسها قبرص، وقد سجّل في تلك الفترة غرق العديد من المراكب، وقد جرى توقيف عدد من المهرّبين، علماً أن هناك أصوات تعلو خاصة في طرابلس، من أن غالبية المهرّبين يلقون دعماً من جهات سياسية في المنطقة، وتشدد على ضرورة رفع الغطاء عنهم، وملاحقتهم، واتخاذ أشد العقوبات بالذين أوقفوا، لتحقيق العدالة وللحدّ من عمليات التهريب.