كيب تاون... مدينة تأسر القلوب وتنتفض ضد الظلم والاستعمار
استمع إلى الملخص
- تتميز بتنوعها الثقافي والديني، مع مزيج من الثقافات والمأكولات التي تعكس تاريخها الغني، وتحتضن معالم تاريخية مثل متحف المقاطعة السادسة وحي بو-كاب.
- تشهد إقبالاً سياحياً كبيراً مع فعاليات مثل مهرجان الأضواء، وتوفر تجارب فريدة مثل محمية رأس الرجاء الصالح، مما يجعلها وجهة استثنائية.
تعانق كيب تاون، تلك المدينة الساحلية الساحرة في جنوب أفريقيا، المحيط الأطلسي، وتحتضن تلاقيه مع المحيط الهندي عند رأس الرجاء الصالح، مختزلةً أبرز المعالم التاريخية والطبيعية.
عند شاطئ مدينة كيب تاون الساحر الذي يطلّ على المحيط الأطلسي في جنوب أفريقيا، يفترش المواطنون والمقيمون والسيّاح الرمال البيضاء اللامعة، منهم مَن يمارس هواية السباحة وكرة القدم والمضرب (التنس)، ومنهم مَن اختار المشي حافِيَ القدمين، ومَن تمدّد على بساط صغير يستمتع بطقس صيفي مستقر ويتأمل سماءً صافية تُحيي شعور الراحة والطمأنينة. فيما يركض آخرون خلف طائراتٍ ورقية متعددة الأشكال والألوان، تتطاير مع سرعة الرياح لتشكل لوحة فنية بانورامية تُجمّل تلك المدينة التاريخية الواقعة في أقصى جنوب غرب البلاد، والتي تُعرف أيضاً باسم "المدينة الأم"، كونها كانت أول مستوطنة أوروبية دائمة في جنوب أفريقيا، كما أن اسمها يعني حرفياً "المكان الذي تلتقي فيه السحب".
تحت أشعة الشمس، يتقاذف المراهق ليام بوول كرة القدم ويُناور بها في محاولة للفوز على رفاقه وسط أجواء حماسية، بينما ينشغل آخرون بالتحديق بعيداً نحو جبل الطاولة أو "جبل تيبل"، وهو إحدى عجائب الدنيا السبع الطبيعية، ويقف شامخاً في أقصى القارة الأفريقية، ليشكل معلماً أساسياً من معالم كيب تاون، العاصمة التشريعية لجنوب أفريقيا وثاني أكبر مدنها من حيث عدد السكان.
بشغفٍ يتحدث ليام لـ"العربي الجديد" عن حبّه للمدينة، ويقول: "ما إن ينتهي فصل الشتاء والعام الدراسي ويحلّ الصيف مع بداية ديسمبر/ كانون الأول من كل عام، حتى أهرع إلى شاطئ كيب تاون، تلك المدينة التي وُلدت وترعرعتُ فيها، والتي لا يمكن وصف جمالها الأخّاذ، فهي تجمع بين البحر والشواطئ المذهلة وبين الجبال الشاهقة والمساحات الخضراء، ما يبعث الأمل والحياة".
أما صَفِي آسونجو القادمة من زامبيا، فهي تقيم وتعمل في كيب تاون منذ 19 عاماً، وتختصر عشقها للمدينة الأفريقية بالقول: "كيب هي الجمال والسحر والهدوء، وهي الشاطئ الذي أتردّد إليه باستمرار. إنّها مدينة المتاحف والفنون والآثار والعراقة التاريخية والثقافية، فهي مذهلة وساحرة بكل معنى الكلمة". ومن أنغولا، تشاركها تومازيا سيماو الرأي نفسه، وهي خرّيجة بمجال التسويق من إحدى جامعات كيب تاون، وتقول لـ"العربي الجديد": "أنهيت دراستي الجامعية لكنني لا أقوى على مغادرة المدينة، بل إنني أبحث عن عمل للاستقرار فيها، فهي مدينة ساحلية جميلة تأسرك منذ اللحظة الأولى بمعالمها الطبيعية والتاريخية وأماكنها الساحرة، من المحيط والشاطئ إلى الجُزر والغابات والمطاعم والمقاهي، فضلاً عن شعبها اللطيف والمضياف".
عند الشاطئ نفسه، يحمل وليد زومبوربورد طفله ويستمتع رفقة زوجته بالهواء العليل وبالمشي على الرمال. ويخبر "العربي الجديد" أنّ "مدينته تُعدّ من أروع المدن السياحية دون منازع، فهي تتّسم بالتنوع الديني والغنى الثقافي والحضاري وبتاريخها العريق وإطلالتها على المحيط الأطلسي، فضلاً عن روعة الشاطئ والجبال والمعالم الفريدة التي لا يمكن العثور عليها في مدينة أخرى".
وعن تاريخ كيب تاون ونشأتها، يوضح الإعلامي محمد جنيد شفيقة أن مدينة كيب تاون استثنائية كونها مدينة ساحلية ساحرة تقع في أقصى قارة أفريقيا، حيث يتلاقى المحيطان الأطلسي والهندي جنوب المدينة عند ما يُسمّى منطقة رأس الرجاء الصالح في مشهد يحبس الأنفاس ويجذب آلاف السيّاح، ويتابع لـ"العربي الجديد": "يُعدّ رأس الرجاء الصالح أشهر الاستكشافات البحرية التي فتحت طريق التجارة نحو الهند وثرواتها، بعيداً عن الطرق البرية التي كانت تسيطر عليها القوى الإسلامية آنذاك. وهو رأس صخري يعود اكتشافه إلى العام 1400 حينما وصل المستكشِف البرتغالي بارتولوميو دياز إلى سواحل المدينة وأطلق على تلك المنطقة تسمية رأس العواصف بعد معاناة مع عاصفة بحرية كادت أن تودي بحياته وحياة طاقمه، قبل أن يقرر لاحقاً الملك البرتغالي جون الثاني تسميته برأس الرجاء الصالح، نظراً لما وفّره من بصيص أمل بفتح طرق التجارة مع الهند والشرق عن طريق البحر. وتضمّ تلك المنطقة منارات تاريخية تختزل قصة الملاحة والمستكشفين الأوائل، فضلاً عن حديقة غنية بالنباتات النادرة والحيوانات، لا سيّما القرود التي تقطع الطريق أحياناً أمام الزوّار ولا تسمح بمرورهم إلا بعد تقديم الموز أو ما شابه من أنواع المقايضة، حتى إنها تسرق أحياناً مقتنيات السيّاح والزوّار، ولا تعيدها إلا بعد مفاوضات طريفة في تجربة مميزة تستهوي الكثيرين".
وإذ يشير محمد إلى أن كيب تاون هي عاصمة مقاطعة كيب الغربية، والعاصمة التشريعية لجنوب أفريقيا كونها تحتضن مقر المجلس النيابي (البرلمان)، يسرد تاريخها الحافل باعتبارها أقدم مدينة في البلاد، ويقول: "عاشت كيب تاون عقوداً من الاستعمار الأوروبي، إذ بعد وصول البرتغاليين في القرن الخامس عشر، حطّ المستعمرون الهولنديون رحالهم على شواطئها في العام 1600 تقريباً وقد استقدموا معهم العبيد من الإندونيسيين والماليزيين، قبل أن يطلّ المستعمرون البريطانيون في العام 1800، وبرفقتهم العبيد من الهند. غير أن المدينة أثبتت عبر القرون قدرتها على محاربة الاستعمار وتحرير الأرض من القمع والظلم، وهي تشبه تماماً جنوب أفريقيا من حيث احتضانها التنوّع الطائفي والمذهبي والإثني، إذ يرسّخ المسلمون والمسيحيون والبوذيون والهندوس ومختلف الديانات الأفريقية التقليدية عمق التعايش والتناغم الروحي، حيث يمارسون معتقداتهم وطقوسهم الدينية بحريّة مطلقة. فهي مدينة متعددة الثقافات والحضارات، وتنتشر في ربوعها 12 لغة مختلفة".
وعن المأكولات التقليدية الشهيرة في المدينة، يلفت محمد إلى أنها خليط من المطبخ الأفريقي التقليدي بأطباقه الشهية، والمطبخ الأوروبي والماليزي والإندونيسي والهندي، ما يجسّد مختلف الحقبات التاريخية التي تعاقبت على كيب تاون.
ويصف محمد مدينته بـ"اللوحة الأثرية التي تختزل أكثر من عالمٍ في مساحة واحدة"، ويقول: "هناك العديد من المعالم الأثرية والتراثية والمواقع التاريخية والطبيعية، ولعلّ أبرزها جبل الطاولة الشهير الذي يتيح لمحبّي المشي مساراً طويلاً من أسفل الجبل إلى أعلى قمته الاستثنائية العجيبة التي تأتي على شكل طاولة مسطحة يمكن العبور فوقها، ويكفي أن تتأمل رهبة الجبل عند حدود الشاطئ أو سحر المغيب من المقاهي المنتشرة قبالة الشاطئ".
ويضيف: "في مقابل جبل الطاولة، تقع جزيرة روبن، وهي الأيقونة التاريخية التي مكث فيها لسنوات عدد من المعتقلين السياسيين الذين رفضوا نظام الفصل العنصري بحق المواطنين من البشرة السمراء، ومن بينهم الرئيس الثوري الراحل نيلسون مانديلا الذي قبع فيها مع بداية فترة سجنه التي امتدت لنحو 27 عاماً، قبل أن يصبح بعد إطلاق سراحه أول رئيس لجنوب أفريقيا من ذوي البشرة السمراء. كما أن الجزيرة قبل ذلك بمئات السنوات كانت معروفة باستخدامها لتجارة العبيد من الإندونيسيين والماليزيين".
محمد، مدرّب رياضة الـ"كونغ فو" الذي حقق لبلاده العديد من الجوائز العالمية، يتحدث بحماس عن معالم كيب تاون التي لا تُحصى ولا تُعدّ، ويقول: "لا يمكن أن نغفل قمة الشيطان ورأس الأسد القريبين من جبل الطاولة، وكذلك قمة سيغنال هيل التي يبلغ ارتفاعها 350 متراً، وتُعتبر أحد أشهر المواقع للاستمتاع بغروب الشمس وبالمناظر الخلابة للمدينة، كما أنها مكان مميز لرصد الهلال الأكثر صعوبة. وأينما ذهبت في المدينة يرافقك المشهد البانورامي لهذه المعالم الطبيعية الباهرة. أما واجهة فيكتوريا وألفريد البحرية التي تمتد على مساحة 123 هكتاراً، فهي تقع في قلب المدينة، وتحديداً عند حافة أقدم ميناء في نصف الكرة الجنوبي، وتوفر العقارات السكنية والمناطق التجارية، وخيارات التسوّق والعمل، والفنادق، والمطاعم والحانات والنوادي والمرافق الترفيهية والسياحية، مثل متحف زيتز للفن المعاصر الأفريقي، الذي يضم أكبر مجموعة فنية معاصرة من أفريقيا، وأكواريوم المحيطين الشهير، بينما يقف خلف هذه الواجهة البحرية جبل الطاولة ليضفي سحره المعتاد على منطقة نابضة بالحياة والأصالة والثقافة".
ولا ينسى محمد الحديث عن متحف المقاطعة السادسة الشهير الذي يحتضن تاريخ الاستعمار الأوروبي والفصل العنصري والنضال الطويل لأهالي مدينة كيب تاون من أجل تحرير الأرض من العبودية والقمع والاستعمار، إذ أقدمت حكومة الفصل العنصري عام 1965 على إجلاء قسري لأكثر من 60 ألفاً من سكان المنطقة السادسة، قبل إعلانها منطقة "لذوي البشرة البيضاء فقط". أما وسط المدينة فيحتضن الحي التاريخي "بو- كاب" أي "أعلى المدينة"، الذي يتفرّد بمنازله الملوّنة وألوانه الزاهية وبشوارعه المرصوفة بالحجارة، والأهم بما يمثله من إرث العبيد المحررين. ويتابع محمد: "يُعتبر هذا الحي تاريخياً موطناً للمسلمين من الإندونيسيين والماليزيين الذي استُقدموا عبيداً إلى كيب تاون من قبل المستعمرين الأوروبيين. وتضمّ هذه المنطقة نحو 11 مسجداً، من ضمنها أقدم مسجد في جنوب أفريقيا. ومؤخراً عقب حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، زُيّنت هذه المنازل بأعلام فلسطين وشعارات التضامن مع أهالي القطاع، في شهادة صارخة على تمسّك كيب تاون بمفاهيم الحرية والعدالة والسلام، ورفضها القاطع لكل أشكال العبودية والاحتلال والظلم".
ويكشف ألدرين سامبير، المتحدث باسم وزيرة السياحة في جنوب أفريقيا باتريشيا دي ليل، لـ"العربي الجديد"، أنّ "عدد السيّاح الذين زاروا كيب تاون عام 2023 تجاوز ستّة ملايين سائح. وفي الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2024 وحده، زار المدينة أكثر من 405 آلاف سائح. وتستمر هذه الأرقام بالارتفاع بعد جائحة "كوفيد – 19"، إذ تجاوزت الأرقام القياسية لعام 2024 تلك المسجلة في عامَي 2023 و2022". ويرى أن ما يميّز كيب تاون هو تلك السماء الصافية، والطقس الصيفي المثالي في ديسمبر، وشعب المدينة الودود والمضياف، وشواطئها الحائزة على شهادة العلم الأزرق العالمية المرموقة. وتُعد بيئتها الطبيعية الخلابة بمثابة اللمسة الأخيرة التي تمنحها صفة الوجهة العالمية المثالية".
ويشير سامبير إلى أن المدينة "اختتمت مؤخراً مهرجان الأضواء السنوي (مهرجان إضاءة احتفالات كيب تاون) استعداداً لموسم الأعياد والاحتفالات المقبلة، بما في ذلك بطولة كيب تاون لسباعيات الرجبي، والاحتفالات الموسيقية الدولية في ملعب كيب تاون العالمي، والعديد من المهرجانات الدولية عند الشاطئ.
ويضيف: "في كيب تاون، يجد كل من المواطن والسائح نفسه أمام خيارات متعددة، بما في ذلك جبل الطاولة، وجزيرة روبن، وكيب بوينت ضمن محمية رأس الرجاء الصالح الطبيعية حيث يلتقي المحيطان، فضلاً عن الرحلات الخمس الكبرى، وهي عبارة عن تجارب سفاري مثيرة ومغامرات استكشافية لمشاهدة الحياة الحيوانية والنباتية في جنوب أفريقيا، وعلى وجه الخصوص الأسد والنمر ووحيد القرن والفيل والجاموس، وأبرز المحميات الطبيعية. ويختم بالقول: "كل هذه المعالم الطبيعية والتاريخية والمغامرات الشيّقة تحفّز السيّاح من شتى أنحاء العالم على زيارة كيب تاون، باعتبارها وجهة سياحية استثنائية وتجربة ريادية لا تُشبه غيرها من مدن العالم".