كورونا أميركا اللاتينية... "بؤرة الفقراء" تنذر بانهيارات مستقبلية

كورونا أميركا اللاتينية... "بؤرة الفقراء" تنذر بانهيارات مستقبلية

25 يونيو 2021
الصورة
ورود على شاطئ كوبا كابانا تكريماً لنصف مليون ضحية (فابيو تيكسييرا/ الأناضول)
+ الخط -

 

لم يمرّ فيروس كورونا الجديد مرور الكرام على دول أميركا الجنوبية، رغم المشاعر الشعبوية التي أصرّت على مواجهته بنزعة التحدي وعدم الاكتراث، خصوصاً في البرازيل. لكن الخطر من التعتيم على حقائق جائحة كورونا كبير، وكذلك من أنانية احتكار الأثرياء اللقاحات.

تحتل دول في أميركا اللاتينية مراكز متقدمة، مقارنة بعدد السكان، على سلم الإصابات بوباء كورونا ووفياته التي ناهزت المليون. ورغم أن البرازيل تلقت نصف مآسي الجائحة، تعاني دول أميركا اللاتينية عموماً وبينها بيرو من وطأة انتشار الوباء وتأثيراته المستقبلية على اقتصاداتها وأوضاع قطاعاتها الصحية، في وقت زادت السياسات القومية "الأنانية" التي تنتهجها دول شمال القارة الثرية في مجال التلقيح، من مصاعب مجتمعات الدول اللاتينية التي تعاني قطاعاتها الصحية أصلاً من شحّ الموارد. ويُنذر ذلك باستمرار كارثة كورونا لسنوات في هذه المجتمعات، ما قد يؤدي أيضاً إلى ظهور متحوّرات في المستقبل تنتشر في باقي العالم. 

قبل أكثر من سنة، تمددت جائحة كورونا في القارة اللاتينية وسط حالة شعبوية صاخبة عبّر عنها الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو بوصفه الوباء بأنه "مجرد نزلة برد" و"إنفلونزا خفيفة"، وذلك قبل أن يُصاب هو نفسه بالفيروس. وسُجلت أول إصابة رسمية في البرازيل في 26 فبراير/ شباط 2020، قبل أن تضطر دول القارة الـ 21 إلى اتخاذ إجراءات صارمة على غرار باقي دول العالم التي واجهت ذعر الجائحة وتأثيراتها الكارثية على أنظمتها الصحية التي واجهت كوارث كبيرة خاصة في كولومبيا وبوليفيا.

وفيما تحصي المنظمات الدولية نصف عدد الإصابات والوفيات في القارة الأميركية الجنوبية بالبرازيل، يمكن القول إن رئيسها بولسونارو يتحمل المسؤولية الأكبر في ترك الوباء ينهش بلده بسبب مواقفه الشعبوية واستهتاره بالجائحة، على طريقة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب. تتمثل مشكلة البرازيل، البلد اللاتيني الأكبر، في أن قيادتها السياسية بزعامة بولسونارو لم تتردد في وصف أولئك الذين قرروا، بعد عام من انتشار الجائحة، الاستمرار في تطبيق إجراءات السلامة من الوباء وعزل أنفسهم من أجل تجنب الإصابة والموت، بأنهم "أغبياء". وقال مخاطباً مؤيديه في برازيليا في منتصف مايو/ أيار الماضي: "يوجد أغبياء يعزلون أنفسهم في البيوت، والذين سيموتون من الجوع إذا لم يكن لديهم عمل ثابت أو راتب تقاعدي".

الصورة
مراسم دفن مريض توفي بكورونا في البيرو (أنجيلا بونس/ Getty)
مراسم دفن مريض توفي بكورونا في بيرو (أنجيلا بونس/ Getty)

وانتقد برلمانيون تصريحات بولسونارو. ودعا بعضهم بالتعاون مع مسؤولين في قطاعات الصحة إلى فتح تحقيق "حول السياسات الفاشلة للرئيس في مواجهة كورونا، والتي أدت إلى أكثر من نصف مليون وفاة، بسبب التراخي وإهمال المخاطر". ووصف عضو مجلس الشيوخ نائب رئيس لجنة التحقيق السيناتور راندولف رودريغوس، السياسات الصحية للحكومة الصحية بأنها "الأسوأ في العالم في مواجهة كورونا، فاللقاحات التي يرفض بولسونارو أخذها كان يمكن أن تنقذ حياة غالبية المتوفين منذ ديسمبر/ كانون الأول الماضي. لذا، أحمّله مسؤولية هذه الوفيات لأنه أنكر خطورة الوباء"، علماً أن تشكيك بولسونارو في فاعلية اللقاحات جعل حملتها لا تشمل إلا نسبة 10 في المائة من السكان الـ 212 مليوناً.

ويتوقع معهد "بوتانتان" للصحة في ساو باولو أن يستمر الوباء في البرازيل حتى عام 2023، في وقت زادت أخيراً مظاهر التراخي في كبرى مدن البرازيل، وصولاً إلى حدّ اكتظاظ المقاهي والحانات بالناس من دون وضعهم كمامات، ما يثير القلق من انفجار حقيقي للوباء يدمر البلد ومحيطه في أميركا الجنوبية. يذكر أن نسبة التزام البرازيليين بالعزل وعدم الخروج إلا للضرورة القصوى بلغت 54 في المائة قبل عام، ثم تراجعت إلى نحو 28 في المائة هذه السنة، بحسب ما أفاد به معهد "داتافولها" عن حال الفيروس في البرازيل في مايو/ أيار الماضي. وحال البرازيل مع النسبة المتدنية لحملات التلقيح يسود كل دول أميركا اللاتينية التي لم تتجاوز فيها نسبة السكان الذين أخذوا جرعات اللقاح 3 في المائة حتى الآن، بحسب منظمة الصحة في القارة الأميركية. وتواجه غالبية دول القارة اللاتينية مشكلات كبيرة في توفير بيانات دقيقة عن الأرقام الفعلية للإصابات، وحجم الكارثة التي تضربها.

وعدّلت بيرو أخيراً رقم الوفيات بكورونا من 63 ألفاً إلى نحو 187 ألفاً، دفعة واحدة، ما يعني أن الأرقام التي تصفها المنظمات الصحية العالمية بأنها "معتّمة"، أكبر بكثير من تلك المعلنة، وذلك "لأسباب سياسية واجتماعية خاصة بالقارة". كما يضع الرقم الجديد المعدّل بيرو في مقدمة الدول المتأثرة بالجائحة على صعيد نسبة الإصابات والوفيات بين كل 100 ألف مواطن. وسبق أن طالبت منظمة الصحة العالمية حكومات دول أميركا اللاتينية بإعلان أرقام حقيقية عن الوفيات والإصابات. واعتبرت أن القارة تتجه إلى التحول إلى بؤرة لكورونا، ما يعرضها لأخطار مواجهة متحورات مؤذية للفيروس.

وتوقعت منظمة "أطباء بلا حدود" أن تتوسع الكارثة اللاتينية أكثر في ظل ضعف الموارد المخصصة للقطاعات الصحية. وقالت المنظمة إنه "بعد تصحيح بيرو عدد الوفيات والتي زادت 120 ألف حالة بين الرقمين الحالي والسابق، يظهر جلياً عجز غالبية دول القارة عن تحديد سبب الوفيات الكثيرة بسبب افتقادها الموارد والإمكانات. والأكيد أن آلاف الناس ماتوا بسبب عدم إمكان الحصول على خدمات صحية، ودُفنوا قرب منازلهم أو في غابات، خاصة في مناطق الأرياف. ما حتم البطء في تسجيل وفيات كورونا". واللافت أن الحكومة البيروفية وعدت في منتصف يونيو/ حزيران الجاري، بأنها ستنتهي من تلقيح 65 في المائة من الشعب (نحو 32 مليون نسمة) بحلول نهاية سبتمبر/ أيلول المقبل. 

في المقابل، استطاعت دول أخرى في أميركا اللاتينية، مثل السلفادور وكوستاريكا وأوروغواي السيطرة على الوباء أكثر من البرازيل التي سجلت نصف مليون وفاة، والمكسيك (حوالي 230 ألف وفاة). لكن الشكوك تحوم حول أرقام الإصابات والوفيات التي قدمتها سلطات فنزويلا وبوليفيا وكولومبيا. وفعلياً، سارعت كوبا التي سجلت 1057 وفاة وتشيلي (30 ألف وفاة) إلى تطبيق إجراءات الإغلاق إثر تفشي الجائحة ربيع العام الماضي. لكن بطء الإجراءات في دول أميركية جنوبية أخرى ساهم، بحسب تقارير متخصصة، في ارتفاع عدد الوفيات وفاقم التأثيرات السلبية للجائحة.

الصورة
مقبرة لضحايا كورونا في كولومبيا (راوول اربوليدا / فرانس برس)
مقبرة لضحايا كورونا في كولومبيا (راوول أربوليدا / فرانس برس)

وهذه التأثيرات لم تنحصر في القطاع الصحي الذي يعاني أصلاً ووصل إلى حافة الانهيار في مناطق ببيرو والإكوادور، بل امتدت إلى النواحي الاقتصادية في القارة اللاتينية، بعدما سجل عام الجائحة تراجعاً في النمو بنسبة 7 في المائة، ما انعكس سلباً على طبقات اجتماعية واسعة، خاصة فنزويلا التي تتعامل مع أخبار الوباء باعتباره من أسرار الدولة، في وقت تستمر هجرة ملايين من سكانها إلى دول أخرى في القارة. أيضاً شهدت دول لاتينية عدة اضطرابات تمثلت في صدامات واحتجاجات شعبية على تردي الأوضاع. وشكلت كولومبيا في الفترة الأخيرة نموذجاً لتأثر الشارع بالتراجع الاقتصادي، ما دفع الحكومة اليمينية المحافظة إلى زج الجيش في مواجهة المحتجين، فقتل وأصيب العشرات.

يعتقد خبراء في أميركا اللاتينية ومسؤولون في منظمة "أطباء بلا حدود" بأن نظرية المؤامرة والشائعات سرّعت تفشي جائحة كورونا، وسط غموض في أرقام الإصابات والوفيات. وتؤيد منسقة أميركا اللاتينية في منظمة "أطباء بلا حدود"، أوروا ريفويلتا، مقولة إن "الثقة بالسلطات في أدنى مستوى، بعدما تأثرت أيضاً بنظريات المؤامرة والسرية في كشف المعلومات، ومظاهر الاستهتار بالوباء، وصولاً إلى نفي وجوده أصلاً. وكل ذلك جعل عدداً كبيراً من الناس يرفض مراجعة المستشفيات والأطباء، ما عرقل عمليات إحصاء الضحايا وتتبع حالاتهم، وأوجد أرقاماً يسودها التعتيم الكبير في ظل موت الناس من دون تلقي علاج". 

على صعيد آخر، لا تستبعد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون الاقتصاد في أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي (سيبال) تعافي بعض الدول في أميركا الجنوبية اقتصادياً في وقت سريع، لكنها تتوقع أن يزداد الفقر في دول تعاني أصلاً من مشكلات انتشاره. وعموماً، تختلف حياة سكان دول أميركا اللاتينية عنها في مجتمعات أوروبا الغربية. ففي وقت تقدم حكومات الأخيرة ما يشبه شبكة أمان لمجتمعاتها على صعيد التعويض المالي عن الخسائر وإعانات بطالة وغيرها، تفتقر غالبية المجتمعات اللاتينية إلى شبكات أمان وضمانات التعويض أو الادخار التقاعدي، ما سيُفاقم الأوضاع مع اتساع فجوة عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية.

وتحدثت منظمة "أطباء بلا حدود" عن "انحراف التلقيح وتأثيره السلبي عالمياً، بعدما سارعت الدول الثرية في شمال القارة الأميركية إلى شراء اللقاحات، في حين يحصل ذلك ببطء شديد في دول أميركا اللاتينية، رغم أن ثمّة استثناءات بسيطة". وتواجه مبادرة "كوفاكس" التي وعدت دول غنية بتطبيقها لمدّ تلك الفقيرة باللقاحات، مشكلات في تلبية الوعود، خصوصاً بعد ظهور المتحور الهندي، وانخفاض إمدادات اللقاحات المصنعة في أراضيها، وتراجع دول عن تعهدات تمويل المشروع. وفي بعض الدول اللاتينية، بينها البرازيل، يجلب الأثرياء لقاحات من القطاع الخاص، فيما يعاني الفقراء من عجز الولايات عن مجاراة الجائحة ونتائجها الكارثية بعيداً عن تدخل السلطات المركزية غير المبالية. 

وكانت النقاشات الأخيرة التي شهدتها قمة الدول السبع الكبرى في بريطانيا أعادت السجال حول عدالة توفير اللقاحات، وسط اقتراحات بالسماح بإنتاج دول لقاحات على أراضيها بدلاً من احتكار الدول الغنية لها. والأكيد أن توفير اللقاحات يواجه أنانية قومية من دول تحاول حماية شركاتها العملاقة لصنع الأدوية، وهو ما تفعله الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي واليابان. لكن منظمة "أطباء بلا حدود" تحذر من أن سياسة الأنانية فيها كثير من قصر النظر، لأنها تترك أفريقيا وأميركا اللاتينية، على سبيل المثال، من دون عدد كافٍ من اللقاحات، وانتشار سلالات كورونا يعيد البشرية إلى نقطة الصفر في تعاملها مع الجائحة بعد عام ونصف العام من انتشارها.

المساهمون