كوب 30... الإيفاء بالتعهدات أو المزيد من الكوارث

10 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 00:45 (توقيت القدس)
اجتماع قادة على هامش مؤتمر "كوب 30"، بيليم، 7 نوفمبر 2025 (مورو بيمينتيل/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- بعد عشر سنوات من اتفاق باريس، لا تزال انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في ارتفاع، مما يثير قلق الخبراء. ومع ذلك، يمكن تحقيق هدف حصر ارتفاع درجات الحرارة عند 1.5 درجة مئوية بالتحول إلى الطاقة النظيفة وتغيير النظم الغذائية.

- قمة المناخ "كوب 30" في البرازيل تمثل فرصة لجمع القادة لمناقشة القضايا المناخية، حيث أكد أنطونيو غوتيريس على ضرورة الانتقال للطاقة النظيفة وتقليص انبعاثات الميثان ووقف تدمير الغابات.

- تواجه الدول تحديات في تحقيق التزاماتها المناخية، رغم تجاوز استثمارات الطاقة النظيفة تريليونَي دولار، إلا أن التمويل المناخي لا يزال غير كافٍ.

تتوجه الأنظار نحو قمة المناخ "كوب 30" في البرازيل، وسط تشكيك بإمكانية خفض الانبعاثات والحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية التي تجاوزت معدلها بعد عشر سنوات على اتفاق باريس.

بعد عشر سنوات على اتفاق باريس للمناخ 2015 الصادر عن اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (كوب 21)، لا تزال انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في مسار تصاعدي، وتجاوزت خلال العام الماضي لأول مرة معدل 1.5 درجة مئوية بحسب بيانات الأمم المتحدة، ما عده خبراء مصدر قلق بالغ، خصوصاً أن الاحتباس الحراري يتسارع، مؤكدين أن تحقيق هدف حسر ارتفاع درجات الحرارة بقيمة 1,5 درجة مئوية لا يزال ممكناً، لكن المطلوب التحول من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة النظيفة، وتغيير النظم الغذائية للحد من الهدر.
وعلى وقع ما تشهده الدول من موجات الجفاف والحر الشديد إلى الأعاصير والسيول والفيضانات والحرائق المدمرة، تبرز التحضيرات لمؤتمر الأطراف "كوب 30"، الذي ينطلق اليوم الاثنين في مدينة بيليم الأمازونية في البرازيل، والذي سيوفر فرصة لجمع قادة العالم والعلماء والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني من أجل التصدي لمخاطر تغير المناخ، وعرض خطط العمل الوطنية الجديدة، ومتابعة التقدم المحرز في التعهدات المالية التي خلص إليها مؤتمر الأطراف 29 في أذربيجان.
وعقد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، والرئيس البرازيلي، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، في 24 سبتمبر/ أيلول الماضي قمة الأمم المتحدة للمناخ في بيليم، حيث أعلن قادة أكثر من 100 دولة خطط عمل جديدة. وفي افتتاح القمة، أكد غوتيريس ضرورة تعزيز الانتقال إلى الطاقة النظيفة عوض الوقود الأحفوري، وتقليص انبعاث غاز الميثان الذي يسهم في الاحتباس الحراري، ووقف تدمير الغابات. مشدداً على أهمية الاستفادة من التقدم التكنولوجي لتقليل انبعاثات صناعات الصلب والأسمنت والنقل الثقيل، وتخصيص التمويل للدول النامية للاستفادة من الطاقة النظيفة من منطلق العدالة المناخية، خصوصاً أنها أكبر مَن يعاني رغم أنها لم تسهم سوى بالقليل من التلوث.

الصين والولايات المتحدة والهند والاتحاد الأوروبي هي الأكثر تلويثاً، والخطط الوطنية القائمة لن تقلص الانبعاثات سوى 2.6% بحلول 2030

يختصر مسؤول الاستدامة في الجامعة اللبنانية الأميركية، نديم فرج الله، الآمال المعلقة على قمة البرازيل بضرورة تحويل التعهدات السابقة إلى خطط تنفيذية واضحة، وتحديد هدف تمويلي جديد (يفوق 100 مليار دولار أميركي)، وإبراز دور الغابات، خصوصاً الأمازون، في الحلول المناخية، والدفع باتجاه انتقال عادل للطاقة في الدول النامية. ويقول لـ"العربي الجديد": "جرى التوافق في كوب 29 على مسار هدف تمويلي جديد للمناخ حتى 2035، وتشغيل عملي لصندوق الخسائر والأضرار مع تعهدات أولية، مع الضغط على الدول الكبرى لتحديث خططها المناخية. لكن رغم التوسع السريع في الطاقة المتجددة عالمياً، ما زالت الانبعاثات العالمية في ارتفاع، ولا سيما تلك الناتجة عن الطاقة الأحفورية، وحققت بعض الاقتصادات تقدماً، لكنه غير كافٍ لتعويض ارتفاع الانبعاثات من دول أخرى".
ويشير فرج الله إلى أن "عام 2024 كان الأكثر حرارة، وتجاوزنا لأول مرة 1.5 درجة مئوية، لكن الهدف لم يفُت بعد، رغم أن المسار الحالي يقودنا إلى أكثر من درجتين مئويتين بنهاية القرن الحالي إن لم يتغير النهج جذرياً. أكثر من 100 دولة أعدت خططاً وطنية جديدة، لكن القليل سلّمها رسمياً، كما أن التعهدات الحالية غير كافية، وتحتاج إلى التنفيذ. الدول الأكثر إنتاجاً للانبعاثات حالياً هي الصين والولايات المتحدة والهند والاتحاد الأوروبي وروسيا، أما الأقل إنتاجاً للانبعاثات فهي الدول الجُزرية الصغيرة والبلدان الأقل نمواً. تبقى الحلول بوقف توسع الوقود الأحفوري، وتسريع المتجددات، وكهربة النقل، وكفاءة الطاقة، وانتقال عادل مموّل، وإن لم تتحرك الدول، سنشهد مزيداً من موجات الحر والجفاف والفيضانات، وانهيار الإنتاجية الزراعية وأمن الغذاء والمياه، إلى جانب خسائر اقتصادية متزايدة واضطرابات اجتماعية ونزوح، وتزايد الكوارث الحدّية التي شهدنا بداياتها في السنوات الأخيرة".

تزداد وتيرة الفيضانات والأمطار الغزيرة، الهند، 19 أغسطس 2025 (أشيش فايشناف/ Getty)
تزداد وتيرة الأمطار والفيضانات، الهند، 19 أغسطس 2025 (أشيش فايشناف/Getty)

ويرى فرج الله أن "قمم المناخ توفر إطاراً قانونياً ومؤسسياً لمساءلة الدول بشأن اتفاق باريس، وتنذر بضرورة تسريع التحول، كما تساهم في تعبئة تمويل جديد عبر الصناديق وآليات الدعم. انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس يضعف الزخم الدولي، ويربك مفاوضات التمويل ويضعف ثقة الدول النامية، لكنه حفّز دولاً أخرى على تكثيف التزاماتها كنوع من التوازن. إلا أن تداعيات نقص التمويل الدولي ستظهر من خلال فجوة ضخمة في تمويل التكيف تصل إلى مئات المليارات، خصوصاً أن صندوق الخسائر والأضرار ما زال بعيداً عن حجم الخسائر الفعلية، كما أن المشاريع المناخية في الدول الأضعف ستتأخر أو تُلغى، ما يفاقم هشاشة الفئات الأكثر تضرراً مع ارتفاع الأخطار المناخية".
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن الخطط الوطنية القائمة لن تقلص الانبعاثات سوى بنسبة 2.6% بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات عام 2019، وهي نسبة ضئيلة للغاية من هدف الخفض بنسبة 43%. وأفادت المنظمة الدولية للأرصاد الجوية بأن عام 2024 كان الأكثر حرارة، وفي نفس الوقت زادت الانقسامات السياسية الدولية. فالولايات المتحدة التي انسحبت من اتفاق باريس أوائل عام 2025، لا تزال أحد أكبر المتسببين في الانبعاثات، لكن الزخم الحقيقي يتواصل، إذ زادت الاستثمارات في الطاقة النظيفة العام الماضي عن تريليونَي دولار، لتتفوق للمرة الأولى على الوقود الأحفوري.

أسماك نافقة جراء الجفاف والحرارة الشديدة، تركيا، 4 يوليو 2025 (مصطفى كيليتش/ الأناضول)
أسماك نافقة جراء الجفاف والحرارة، تركيا، 4 يوليو 2025 (مصطفى كيليتش/الأناضول)

وأعلن الرئيس الصيني، شي جين بينغ، أنه "بحلول 2035، ستخفض الصين صافي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري على مستوى الاقتصاد بنسبة تراوح بين 7 و10% عن مستويات الذروة، كما ستزيد حصة الوقود غير الأحفوري في إجمالي استهلاك الطاقة إلى أكثر من 30%، وستوسع سعة طاقة الرياح والطاقة الشمسية ستة أضعاف مقارنة بمستويات عام 2020". 
وكشفت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون ديرلاين، أن "الانتقال إلى الطاقة النظيفة يمضي قُدماً" في الاتحاد الأوروبي، إذ انخفضت الانبعاثات بنحو 40% منذ عام 1990. وأضافت أن الدول الأوروبية ستظل أكبر مُقدم للتمويل المناخي، مع حشد 300 مليار يورو لدعم التحول إلى الطاقة النظيفة في العالم.
وبحسب تقرير "ميزانية الكربون العالمية" لعام 2024 بشأن الدول العشر الأكثر إنتاجاً للانبعاثات التراكمية من الوقود الأحفوري والصناعة منذ عام 1750، تبين أن الولايات المتحدة ساهمت بأكبر قدر من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، بما يقارب ربع الانبعاثات التراكمية (24%)، تليها الصين (15%)، وروسيا (6,7%)، وألمانيا (5,2%)، والمملكة المتحدة (4,4%)، واليابان (3,8%)، والهند (3,5%)، وفرنسا (2,2%)، وكندا (1,9%) وأوكرانيا (1,7%).

شهدت أكثر من دولة حرائق مدمرة، كاليفورنيا، 7 أغسطس 2025 (إريك ثاير/ Getty)
شهدت أكثر من دولة حرائق مدمرة، كاليفورنيا، 7 أغسطس 2025 (إريك ثاير/Getty)

ويتحدث أستاذ علوم البيئة، داني العبيد، عن آمال كبيرة معلقة على "كوب 30" لناحية التمويل المناخي. ويقول لـ"العربي الجديد": "كل قمة مناخ لها كلفة بيئية، لكن الاستغناء عنها كلفته أكبر، إذ إنها عبارة عن تجديد الالتزامات المناخية والتعهد بحماية الأرض. لكن الاتفاقيات الدولية تستغرق وقتاً طويلاً، لذلك لن تنكبّ الحكومات على تنفيذها بشكل فوري. ركز (كوب 29) على الخسائر والأضرار، وخرج بتوصيات تتعلق بزيادة التمويل والطموحات البيئية، وكان الحديث عن 100 مليار دولار، لكن اليوم ارتفعت الأرقام، كما تفاقمت الأضرار والخسائر".
ويضيف: "لا تزال الدول بعيدة عن الالتزام بتعهداتها، ولا يزال المنجز أقل بكثير من الآمال، ما يستدعي تعزيز الالتزامات بخفض الانبعاثات والتمويل المناخي والعدالة المناخية. ارتفاع درجات الحرارة كان أكثر من المتوقع، وأسوأ من بعض السيناريوهات المتشائمة. لكن خلال السنوات العشر الماضية شهد العالم جائحة كورونا، وحروب ونزاعات، مثل الحرب الأوكرانية الروسية التي دفعت أوروبا إلى الاستغناء عن الغاز الروسي والعودة إلى مصادر طاقة ونقل ملوثة، والحرب على غزة وكلفتها البيئية، وغيرها".
ويتابع العبيد: "تنتج الولايات المتحدة ثاني أكسيد الكربون وانبعاثات غازات الدفيئة بنسبة عالية، غير أن وجودها خارج اتفاق باريس نتيجة سياسات الرئيس دونالد ترامب، جعلتها خارج المعادلة. رغم الخطط الوطنية والاتفاقيات الدولية، يتواصل شعور العجز عن تحقيق الأهداف المناخية، وسط نقص التمويل وعدم الالتزام بالحلول الناجعة. آلية خفض الانبعاثات تختلف بين دولة وأخرى، لكن أغلب الانبعاثات ناجمة عن الطاقة أو المصانع أو النقل والزراعة، ما يتطلب الانتقال نحو استخدامات الطاقة البديلة، مثل الطاقة الشمسية والهوائية والمائية، وتعزيز النقل الجماعي غير الملوث، والحد من كميات غاز الميثان المرتبط بتربية المواشي، والذي يُعد أكثر ضرراً من ثاني أوكسيد الكربون".
ويحذر: "نتوقع زيادة بدرجات الحرارة حول العالم، ففي منطقة الشرق الأوسط قد تزداد درجات الحرارة بين 4 و6 درجات مئوية، أضف إلى مظاهر التطرف المناخي التي تزداد وتيرتها من الفيضانات والأعاصير وفترات الجفاف الطويلة ودرجات الحرارة المرتفعة لأيام. وهذا ما شهدناه خلال صيف 2025 الذي كان صيفاً لاهباً في دول عربية عدة".

وفي 3 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، نشرت الأمم المتحدة رسالة للأمين العام، أشار فيها إلى أن أكثر من نصف دول العالم اجتمعت لدفع عجلة العمل المناخي، وأن 125 طرفاً في اتفاق باريس، وهي المسؤولة عما يقرب من 80% من الانبعاثات العالمية، قدمت أو أعلنت خططاً مناخية جديدة. إلا أنه أكد أن هذا ليس كافياً، ويجب أن تكون "كوب 30" نقطة تحول، وبداية عقد حاسم من التسارع.
من جانبها، اعتبرت "منظمة الحفاظ على الطبيعة"، في فبراير/ شباط الماضي، أن "كوب 29" لم تشهد الانتصارات الكبرى في ظل المفاوضات البطيئة وصعوبة بناء الإجماع، حيث تعهدت الدول المتقدمة بحشد 300 مليار دولار سنوياً للدول النامية بحلول 2035، من أجل خفض انبعاثات غازات الدفيئة وتمويل المناخ، وهذا المبلغ أقل بكثير من الرقم البالغ تريليون دولار، والذي يُعتبر الحد الأدنى من الالتزام السنوي لضمان تسريع التقدم. مؤكدة أن الطريق إلى مؤتمر الأطراف الثلاثين سيكون شاقاً وسط تحديات التغلب على الفجوات المالية والسياسية بين الدول الغنية والفقيرة.
ويرى رئيس حزب البيئة العالمي، دوميط كامل، أن المؤتمرات الدولية فشلت في تحقيق أهدافها، ويقول لـ"العربي الجديد": "بعد أن كان الكوكب يستهلك 6 ملايين برميل نفط يومياً، تخطى حالياً 100 مليون برميل يومياً، ومنذ بداية القرن الحالي دخلنا الفالق الخطير بالنسبة للاحترار العالمي، وتعج الأسواق العالمية بنحو 90 مليون سيارة جديدة، أضف إلى التحول من السيارات الصغيرة إلى الكبيرة التي تستهلك كميات أكبر من الوقود، ناهيك عن تدمير الغابات، ما يستدعي خططاً إنقاذية وبدائل مستدامة".

المساهمون