كوابيس الخرطوم

10 ابريل 2025   |  آخر تحديث: 01:15 (توقيت القدس)
ينتظرون الحصول على طعام الإفطار في أم درمان، 19 مارس 2025 (إبراهيم حامد/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تصاعد العنف في الخرطوم: بعد 47 عامًا من قراءة "كوابيس بيروت"، أعيش الآن واقعًا أشد قسوة في الخرطوم، حيث القصف الجوي والمعارك المستمرة تهز البنايات وتخلف عشرات الجثث في الشوارع، مما يعكس دمار الحرب وعبثيتها.

- انهيار النظام الصحي: الحرب دمرت المؤسسات الصحية، حيث خرجت 39 من 59 مستشفى عن الخدمة، و60% من المنشآت الصحية مغلقة، مما دفع المرضى للجوء إلى الولايات المجاورة أو دول الجوار.

- أزمة إنسانية وبيئية: الحرب خلفت أكثر من 20 ألف قتيل و15 مليون نازح، مع تهديدات بيولوجية محتملة، وتدهور بيئي يعرض الأنواع للاضطرابات، مما ينذر بكارثة بيئية إذا لم تُتخذ التدخلات اللازمة.

ما كنت أظنني سأعيش كوابيس بيروت حقيقة بعد 47 عاماً من قراءتي رواية غادة السمّان، وهي تبدع في رصد الحرب الأهلية اللبنانية، وتدخلني في ذلك الرعب، ما جعلني أفضّل القراءة نهاراً، فالظلمة والسكون يزيدان رعب اليافع الذي كنته. بيد أن ما هبط علينا في الخرطوم فجأة أحالني لواقع أشد قسوة ومرارة.
أقل من نصف فرسخ (ثلاثة أميال أو ستة) يفصل ما بين بيتي ومعسكر أحد الفصيلين المتحاربين حيث أُقيم مؤخراً. وحين قصفته الطائرات، لجأ الجنود إلى الشوارع القريبة، ما جعل عمليات التمشيط، واستخدام الأسلحة الثقيلة يهز البنايات والقلوب التي بين الصدور، ويخلّف عشرات الجثث في الشوارع، منها ما بقي في مكانه ليومين تحت شمس حارقة، مررنا بها ونحن نفر بأرواحنا.
لا يمكن وصف الحرب إلا بأنها الدمار والعبث والفساد حيثما حلّت، فقد تم تدمير المؤسسات الصحية، لتخرج 39 من 59 مستشفى عن الخدمة، ويبقى الجزء العامل منها بلا خدمات وكوادر كافية في ظل الحاجة الماسة، ما جعل ذوي الأمراض المزمنة يلجأون إلى الولايات القريبة شمالاً وجنوباً، وآثر البعض الخروج إلى دول الجوار، حيث أكد مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس أن "60% من المنشآت الصحية مغلق، وما يعمل منها لا يتعدى الـ 16%". ووصل الأمر إلى حد التهديد بالحرب البيولوجية، حين تم اقتحام بعض الجنود لمراكز بحوث طبية. وفي هذا الصدد، يقول مدير برنامج الطوارئ بالمنظمة الأممية: "عندما يجبر طاقم المختبر على المغادرة، ويدخل أشخاص غير مدربين، فهناك دائماً مخاطر، تقع في المقام الأول على المقتحمين أنفسهم".

الكوارث والحروب أفادت غابات السودان أحياناً، 10 يناير 2007 (Getty)
موقف
التحديثات الحية

استمرار المعارك والقصف الجوي، وعمليات الكر والفر بين الجنود من الجانبين التي طاولت العديد من المناطق المكتظة بالسكان، حالت دون مغادرة المنازل لإيصال الجرحى والمصابين إلى المستشفيات، وصعبت عمليات دفن الموتى، حتى أن الكثيرين منهم دفنوا حيث قتلوا في المنازل والمؤسسات وبعض الشوارع.
تقاطعت التصريحات، وتضاربت البيانات والإحصاءات في ظل هذه الفوضى. وبحسب الأمم المتحدة، فقد خلّفت الحرب أكثر من 20 ألف قتيل ونحو 15 مليون نازح ولاجئ. وفي ظني أن هذه الأرقام متواضعة جداً، فضراوة القتال لم تتوقف عند مدن الخرطوم الثلاث (الخرطوم وبحري وأم درمان)، وما حولها، فقد دخل عدد من الولايات في سباق الموت. وساهم إعلام الحرب ببث الذعر، ونشر الكثير مما يقع في قائمة العمل الممنهج. ومن ذلك انتشار الصور والفيديوهات والتسجيلات التي تُظهر أرتال القمامة، والجثث التي تحللت قبل أن يصل إليها المبادرون لرصد وتسجيل ودفن الموتى وفق موجهات أصدرتها الجهات الرسمية.
ما تعرضت، وتتعرّض له مكونات البيئة من خطر واختلال يعرض جميع الأنواع للإضطرابات ولسنوات تطول، وهذه وغيرها ستشكل الكارثة البيئية المنتظرة في حال عدم الإسراع بما يلزم من تدخلات.
(متخصص في شؤون البيئة)