كفرا جنوبي لبنان... حنين العائدين يتحدى الدمار والمخاطر الأمنية
- التحديات المعيشية والأمنية: يواجه الأهالي صعوبات في تأمين المواد الأساسية بسبب تدمير البنية التحتية، والوضع الأمني يؤثر على حركة السكان، لكنهم يواصلون فتح محالهم التجارية.
- الجهود المحلية والصمود: رغم الدمار الكبير، عاد 60% إلى 70% من العائلات، والبلدية تعمل على إصلاح الخدمات الأساسية، معتمدين على الزراعة كمصدر رئيسي للعيش.
تبدّلت حياة أهالي بلدة كفرا، جنوبي لبنان، بعد حربٍ إسرائيلية نسفت بيوتاً بأكملها ودمّرت أحياءً وشوارعَ ومعالمَ لم يتبقَّ لها أيّ أثر، وأطاحت خدمات المياه والكهرباء، غير أنّ الواقع المأساوي لم يردعهم عن العودة فور وقف إطلاق النار، رغم الغصّة والخسائر واستمرار القصف في بلداتٍ محتلة مجاورة.
تشهد بلدة كفرا، جنوبي لبنان، عودة تدريجية للأهالي، رغم الدمار الواسع الذي خلّفه العدوان الإسرائيلي منذ 2 مارس/آذار الماضي، حيث ضرب مقوّمات الحياة والخدمات الحيوية. إلا أنّ التمسّك بالأرض التي ينادونها "بَلدنا"، والتعلّق بها، يصبّرانهم ويقوّيانهم على كلّ الصعوبات المعيشية والتحديات الأمنية، خصوصاً مع استمرار الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، واحتلال إسرائيل أكثر من ستين قرية لبنانية حدودية.
تقع بلدة كفرا في قضاء بنت جبيل بمحافظة النبطية، وترتفع عن سطح البحر نحو 650 متراً، وتبعد عن العاصمة بيروت نحو 114 كيلومتراً، وتتميّز بأراضيها الزراعية، لا سيّما تلك المتصلة بالزيتون والتبغ والتين. وتُجاور بلدات ياطر وصدّيقين وحاريص ودير عامص، وتحدّها جنوباً قرى لبنانية باتت محتلة، أبرزها بيت ليف وصربين. وكان جيش الاحتلال يتمركز في موقعين داخل البلدة في عام 1989، هما الحقبان والخزان، وبقيت البلدة خطّ تماس حتى التحرير في عام 2000، ما أبقاها عرضة للاعتداءات الإسرائيلية، وهذا ما يتكرّر اليوم.
تضررت طرقات كفرا بفعل الاعتداءات الإسرائيلية، والعديد من معالم البلدة لم يتبقَّ لها أثر، والوصول إلى بعض الأحياء كان شاقاً، فيما باتت الشوارع التي كانت تعجّ بالمواطنين شبه خالية. بينما تتمركز حواجز الجيش اللبناني عند نقطة فاصلة بين كفرا وبلدات تحتلها إسرائيل، خصوصاً الطريق المؤدي إلى صربين.
نجت محال ومتاجر صغيرة، قرّر أصحابها فتحها لتلبية شؤون العائدين واحتياجاتهم، وسط صعوبات تواجههم في تأمين المواد والسلع الأساسية. وتقول صاحبة محلّ سمانة، فضّلت عدم ذكر اسمها، لـ"العربي الجديد"، إنّ البلدة التي كانت تنبض بالحياة فقدت بريقها، لكنها لم تخسر تعلّق أهلها بأرضهم، فقد عاد قسم كبير منهم، رغم أنّ الوضع لا يزال خطيراً، والاعتداءات الإسرائيلية في البلدات المحتلة تُسمع يومياً، ورغم أن هناك من خسر بيته بشكل كلّي، ومصدر رزقه.
حاولت المرأة مساعدتنا لتيسير أمورنا، وتنبيهنا إلى بعض الطرقات التي يُفترض عدم سلوكها، إذ من شأنها أن تُعرّض حياتنا للخطر في ظلّ التحليق المنخفض للطيران المسيّر الإسرائيلي، ووجود قوات الاحتلال على مسافات قريبة من البلدة. وأضافت: "الوضع دقيق أمنياً، لذلك نجد الحركة خفيفة، إذ يفضّل الأهالي البقاء في المنزل وعدم الخروج إلا في ساعات النهار. أواجه صعوبات في تأمين البضائع، لكنها تحرص على شراء المواد الأساسية لتلبية حاجات الناس".
أثناء تنقّلنا في البلدة، وعلى مسافة قريبة من حاجز الجيش اللبناني، يقف محمد درويش أمام ملحمته المدمّرة، يحاول أن يستجمع قواه، بعدما خسر مصدر رزقه الوحيد، وقرّر وعائلته العودة إلى المنزل والإقامة فيه رغم الضرر الذي أصابه، فلا ملجأ آخر لهم، ولا من يسأل عنهم من جهات رسمية. يقول محمد لـ"العربي الجديد" إنّ "الأضرار التي أصابت البيت كبيرة، والإقامة فيه خطيرة، لكن لا مكان آخر للذهاب إليه، لدي عائلة وأولاد، والتهجير كان صعباً. نزحنا إلى مدرسة في بيروت حيث يقيم 25 شخصاً في غرفة واحدة، ودورات المياه مشتركة، كان الوضع سيّئاً. البقاء هنا أفضل، خصوصاً أننا نعجز عن دفع بدلات الإيجار. تقع الملحمة إلى جانب مركز للجيش اللبناني، وسبق أن تضررت في حرب عام 2024، وأعدنا فتحها، لكنها اليوم تضررت كلياً، وخسرنا مصدر رزقنا. أحاول بيع الزجاج أو الألومنيوم أو أي قطعة متبقية من منزلي من أجل تأمين الطعام".
وأمام متجره، جلس محمود موسى حمدان متأثراً بالمشهد الذي باتت عليه كفرا، وهو الذي عايش أكثر من حربٍ إسرائيلية، ويؤكد أن هذه هي الأقسى على البلدة، لكنه مع ذلك، يتمنى أن يعيش ما تبقّى له من عمر في هذه الأرض. ويلفت محمود إلى أنّ الأضرار كبيرة والدمار يقارب نسبة 90%، والخدمات الأساسية من كهرباء ومياه شبه متوفرة، ومع ذلك، فإنّ الأهالي يفضّلون العودة والسكن في غرفة على البقاء مهجّرين، مشيراً إلى "أننا لم نمرّ بحروب كهذه الحرب، رغم أنّ الاحتلال نفّذ 45 غارة بيومٍ واحد في حرب يوليو/تموز 2006، ولكن لم يحصل الدمار الذي نشهده اليوم".
وفي الطريق المؤدي إلى ساحة البلدة القديمة التي نُسفت منازلها أرضاً، صمدت بضعة بيوت ومحال، وصادفنا هناك نساء سارعن إلى الترحيب بنا. ورغم ظروفهنّ الصعبة، سألونا إذا كنّا نحتاج إلى أي شيء، من مياه أو قهوة، قبل أن يزوّدونا بفواكه طازجة وسط الطقس الحار. سارت أمل دياب معنا بضعة أمتار إلى ساحة البلدة، حيث يُظهر الدمار وحشية الاعتداءات الإسرائيلية التي لم تترك حجراً على حجر، وقالت: "في الثاني من مارس الماضي، كان الأهالي نائمين في بيوتهم كأيّ يوم عادي، وكانت حينها فترة شهر رمضان ووقت السحور، قبل أن ينقلب كلّ شيء بلحظة، ويغادر الناس على عجل من دون أخذ أي من أغراضهم، فيما عاد اليوم كثيرون منهم ووجدوا منازلهم مدمّرة".
تتحدّر دياب من محافظة البقاع (شرق)، وتشير إلى أن "أهالي كفرا، بلدة زوجها، رغم الدمار والخسائر وفقدانهم الأحبّة، فإنّ روحهم متعلّقة بالأرض. انظروا إلى حجم الدمار، هل يمكن لأحد أن يعيش هنا؟ أبناء كفرا يمكنهم ذلك، فالمهمّ بالنسبة إليهم ألّا يتركوا أرضهم. العودة لم تكن سهلة، فما رأيناه عند وصولنا صعب، ومُحزن، ولكن رؤية الناس تعود تمنحنا القوة. الطيران الإسرائيلي لا يفارق الأجواء، ونسمع القصف المدفعي في البلدات المحيطة، كما أنّ مقوّمات العيش شبه غائبة، حتى المواد الغذائية كمياتها محدودة، ومع ذلك، العودة إلى الأرض تبقى أفضل رغم الغصّة والألم".
وأخبرت فاطمة يحيى، كيف تعرّضت ساحة البلدة لما يشبه زنّار نار، لم يُترَك بيت على حاله، وقالت: "الحياة كانت طبيعية قبل الحرب، فجأة عدنا لا كهرباء ولا مياه، الطرقات مقطوعة، لكنّنا قررنا العودة إلى البلدة، علّنا نمنحها الحياة التي كانت عليها، ولو تطلّب ذلك الجلوس فوق الحجارة، المهم أن تعود حياتنا كما كانت سابقاً". وتشير فاطمة إلى أنها أعادت فتح محلّها، فهذا أساسي للصمود، وضخّ الحياة في البلدة، لافتةً إلى أنّ البلدية تتولّى توفير الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وإصلاح الأعطال.
وتتحدث فاطمة عن بلدات كثيرة مجاورة لا يمكن الوصول إليها أو دخولها، مثل صربين وبيت ليف وبيت ياحون وحداثا وغيرها، حيث الاعتداءات الإسرائيلية مستمرّة، ويُسمع صداها ليلاً نهاراً، وهو ما يؤثر على حركة الأهالي الذين يتنقلون بحذرٍ، وفق قولها. وتستذكر فاطمة كيف كانت تهرب من الملل والضجر إلى مناطق مثل صربين وبنت جبيل ومارون الراس، لتمضية الوقت والاستمتاع بطبيعة هذه القرى ومناخها، لكنّها اليوم حُرمت من هذه المناطق، ومن عاداتٍ يومية شكّلت نمط حياتها.
وكشف رئيس بلدية كفرا عباس حمدان أنّ 211 وحدة سكنية دُمّرت بشكلٍ كليّ، و840 وحدة سكنية بشكلٍ جزئي، إلى جانب أضرار أصابت الطرقات وشبكتَي الكهرباء والمياه، علماً أن هذه الإحصاءات أُنجزت مطلع شهر يوليو الجاري، وقد تكون هناك تعديلات بسيطة عليها، لافتاً إلى "سقوط 36 شهيداً من البلدة خلال الحرب الأخيرة ونحو 15 جريحاً". وأضاف حمدان: "الدمار كبير، هناك أحياء مدمّرة بشكل كلّي، فهناك حيّ مثلاً دُمّر فيه 20 بيتاً، وحيّ آخر 12 بيتاً. ومع ذلك، نجد مَن عاد إلى البلدة رغم خسارة منزله، ومَن يتوجه إليها صباحاً ويغادرها مساءً، أو سكن عند أقاربه في البلدة، أو في غرفٍ زراعية، نظراً إلى عدم وجود بيوت للإيجار. كما أننا لم نتمكن من تأمين بديل، مثل البيوت الجاهزة، وهناك مَن يريد العودة ويطالبنا بإنشاء خيم أو بيوت جاهزة، لكن وضعنا مأساوي تماماً كما كلّ بلديات لبنان".
وأشار حمدان إلى أن "نحو 60% إلى 70% من العائلات عادت إلى بلدة كفرا، وقد فوجئنا بسرعة عودتهم فور إعلان وقف إطلاق النار بعد الهدنة الأخيرة، وذلك رغم الدمار الواسع والمشاكل في الخدمات الأساسية، ومأساوية الوضع، والأداء الرسمي الذي لم يتعاطَ مع الأزمة على قدر مستواها، علماً أن بعض الأشخاص كانوا يتوجّهون إلى البلدة حتى في أثناء الحرب، فالناس تعبت من التهجير".
ولفت رئيس البلدية إلى أن عدد سكان كفرا يقارب 9500 نسمة، لكنّ المقيمين صيفاً شتاءً هم بحدود 2500 نسمة، وفي أوقات الصيف، يصل العدد أحياناً إلى 5500، مشيراً إلى أنّ البلدة تتميز بموقعها الجغرافي، فهي أول قرية في الجبل بعد الساحل، وتضمّ 27 تلة، وقد عانت إبّان الاحتلال الإسرائيلي أسوةً بباقي القرى التي كانت محتلة، حيث كانت قوات الاحتلال تتمركز عام 1989 في موقعين قبل التحرير عام 2000، لكن البلدة بقيت خطّ تماس بين القرى المحتلة وغير المحتلة وكانت تتعرّض للقصف، ورغم ذلك، صمد أهلها، وهذا ما تتميّز به كفرا، واليوم أيضاً كانت من القرى الأولى التي تشهد عودة سكانها".
وأضاف حمدان أن "الوضع لا يزال دقيقاً أمنياً، فهناك قرى محتلة على حدود كفرا، خصوصاً من جهة الجنوب؛ صربين وبيت ليف، ما يؤثر على حركة السكان وتنقلاتهم. لكن مع ذلك، فإنّ الأهالي متعلقون جداً بأرضهم، ويغتنمون أول فرصة للعودة إليها، رغم المأساة". ويضيف حمدان: "بدورنا، بصفتنا بلدية، نعمل على فتح الطرقات لتسهيل أعمال الناس وتيسير شؤونهم وإصلاح الخدمات الأساسية رغم الإمكانات المحدودة للبلديات. مصادر عيش السكان تأثرت، ما يجعل الوضع مأساوياً، فأكثرية أهالي كفرا يعتمدون على الزراعة مصدراً أساسياً للعيش".