استمع إلى الملخص
- تاريخياً، لعبت القطط دوراً مهماً في المجتمع البريطاني، مثل صيد الفئران في المكاتب الحكومية والسفن، مع أمثلة بارزة مثل القط تيبس العظيم والقط سيمون.
- تزايد عدد القطط المتروكة يضع ضغطاً على ملاجئ الإنقاذ، مما يعكس التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر على قدرة الأسر على الاحتفاظ بحيواناتها الأليفة.
مع بداية شتاء هذا العام سجّلت جمعيات رعاية الحيوانات في العاصمة البريطانية لندن ارتفاعاً غير مسبوق في البلاغات المتعلّقة بترك قطط أليفة أمام الملاجئ أو في الشوارع. يقول عاملون في مراكز الإنقاذ إن وتيرة الاستقبال أصبحت شبه يومية، ومعظم الحالات تعود إلى أسر لم تعد قادرة على تغطية تكاليف الرعاية، أو اضطرت إلى الانتقال إلى مساكن تمنع الحيوانات الأليفة. وليست هذه الموجة المفاجئة عن ترك القطط في لندن اليوم حكاية لطيفة، بل قضية اجتماعية تتكشّف بصمت عن الأحوال الصعبة التي يعيشها الناس وسط الضيق الشديد.
قبل عقود طويلة من تحوّل بعض القطط إلى وجوه مألوفة في الإعلام البريطاني، كان وجودها في قلب لندن وظيفة لا رفاهية فيها. في القرن التاسع عشر وظّف البريد البريطاني قططاً لصيد الفئران داخل مكاتبه، وأشهرها تيبس العظيم الذي خدم أربعة عشر عاماً، وحافظ بفعّالية كبيرة على المقر خالياً من القوارض، حتى إن الصحف البريطانية نعته عند نفوقه عام 1964. أما داخل الحكومة البريطانية فاستمر التقليد إلى اليوم عبر منصب "كبير صائدي الفئران في ديوان الحكومة"، الذي يتولّاه القط لاري في مقر رئاسة الوزراء بداونينغ ستريت، وهو أحد أبرز القطط حضوراً في المشهد العام البريطاني.
وإذا كان تيبس ولاري يمثلان القطط التي خاضت "حياة العمل المكتبي" في قلب لندن، يتضمن التاريخ البريطاني أيضاً قصصاً أكثر درامية في علاقة البشر بالقطط، ففي عام 1948 وثّقت السجلات العسكرية البريطانية وجود القط سيمون على متن السفينة الحربية "إتش إم إس أميثيست" حين تعرّضت لإطلاق نار خلال خدمتها في نهر يانغتسي بالصين. حينها أصيب عدد من الجنود وتضرّرت مخازن الطعام وانتشرت الفئران في السفينة، ما هدّد الإمدادات القليلة المتبقية. ورغم إصابته في الهجوم نهض سيمون في الأيام التالية، واصطاد الفئران ووفر حماية للطعام في السفينة، ورفع الروح المعنوية للجنود المحاصرين حتى بات رمزاً للصمود في هذه المهمة العسكرية. وعند عودته إلى بريطانيا، منحته الدولة "وسام ديكن"، أرفع وسام شجاعة يُمنَح لحيوان، ودُفن لاحقاً في مقبرة الحيوانات البطلة في لندن خلال جنازة عسكرية حضرها جنود البحرية، تكريماً لما اعتبروه "رفيقاً وليس مجرد قطة".
ومع تغيّر مدينة لندن تبدل حضور القطط أيضاً إلى خارج الموانئ والمستودعات الحكومية ليصل إلى المكتبات والحانات وحتى الفنادق. وحظي بعضها بشعبية واسعة مثل غلادستون في وزارة الخزانة، وبالمرستون في وزارة الخارجية. غير أن هذه الصورة المبهجة لا تغطّي كل الواقع.
وخلال الأشهر الماضية صدرت أول مراجعة علمية شاملة حول أعداد القطط في المملكة المتحدة عن مؤسسة حماية القطط بالتعاون مع جامعة "إكسيتر" والمؤسسة الدولية للعناية بالقطط، وأظهرت زيادة كبيرة في عدد القطط التي تخلى عنها أصحابها، وتزايد الضغط على ملاجئ الإنقاذ التي تعمل اليوم فوق طاقتها. وأورد التقرير أن "الزيادة في تكاليف المعيشة والرعاية البيطرية والغذاء وضعت أسراً أمام خيارات صعبة، ما يفسّر جزءاً كبيراً من هذا الارتفاع".
وتشير بيانات جمعية الرفق بالحيوان إلى أن عدد البلاغات عن حيوانات متروكة في إنكلترا وويلز بلغ 24.270 حتى نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وهذا أعلى رقم سجّلته خلال السنوات الأخيرة. وبينما لا تعود كل حالات التخلي إلى سبب واحد تتفق منظمات الرعاية على أن الضغوط الاقتصادية وسياسات الإيجارات التي تمنع الحيوانات الأليفة تلعبان دوراً محورياً في هذه الزيادة.
ولا يعني ذلك أن مكانة القطط تراجعت عاطفياً لدى أصحابها، بل يعني أن الحياة اليومية أصبحت أكثر ضيقاً، فحين تتقلص قدرة الأسر على تحمّل الأعباء تتقلص معها التفاصيل التي تمنح البيوت دفئها، وفي مقدمها الحيوانات الأليفة، لذا لا يمكن فهم ارتفاع أعداد القطط المتروكة باعتباره شأناً يخص الحيوان فقط، فهو انعكاس مباشر لتحوّلات في حياة الناس. وبين قطط تعانق الضوء وأخرى تبحث عن مأوى، لا فرق كبيراً في النهاية، كلاهما يعتمد على الوقت والاستقرار والطمأنينة داخل البيت. وما يحدث اليوم للقطط في لندن ليس فصلاً جديداً في "تاريخ الحيوان"، بل في حياة البشر أنفسهم. وحين يصبح البيت أضيق من أن يتّسع لكائن يحبّنا بصمت نعرف أن الأزمة تجاوزت الأرقام وبلغت قلب التفاصيل الصغيرة. لذا حين نقرأ قصص القطط في لندن، نقرأ من دون أن نشعر أو بشكل غير مباشر قصص الناس أيضاً وأوضاعهم.