قرية المصدر وسط قطاع غزة... عبق برائِحة الماضي

قرية المصدر وسط قطاع غزة... عبق برائِحة الماضي

غزة
علاء الحلو
04 سبتمبر 2021
+ الخط -

يبدأ النهار باكِراً في قرية المصدر وسط قطاع غزة، إذ تدبّ الحياة فيها منذ اللحظة الأولى لشروق الشمس، فيذهب الأطفال إلى مدارسهم، والموظفون إلى أعمالهم، فيما يتجه المزارعون إلى أراضيهم لزراعة مختلف أصناف الخضار والفواكه والورقيات والحمضيات التي تشتهر بزراعتها القرية الحدودية.

وتُعد قرية المصدر من أقدم قرى قطاع غزة، وهي تضم في شوارعها وأزقّتها وحاراتها ومناطقها، العديد من الأعيان القديمة والمباني الخدماتية، فيما يتعامل سكانها مع بعضهم بعضا كأفراد عائلة واحدة، تشملهم العادات والتقاليد الواحدة، ويتوادّون فيما بينهم في الأفراح والأتراح ومختلف المُناسبات الاجتماعية والأسرية.

وتتميّز القرية، التي يشتهر سكّانها بالزراعة، بطابع خاص، تغلب عليه حياة البادية، التي تعتمد على الزراعة بشكل كبير، فيما يتميّز سُكانها بدرجة عالية من الثقافة، نظراً لارتفاع نسبة التعليم فيها، إلى جانب أنها تضمّ العديد من الأعيان القديمة، ومنها "البوايك" المُخصّصة لتجميع المحاصيل الزراعية والسكن، كذلك مقبرة ووادي الدميثاء.

وتقع قرية المصدر وسط القطاع، ما بين مدينة دير البلح ومخيم المغازي، وتقدر مساحتها، وفقاً للفلسطيني ياسر المصدر، بحوالي خمسة آلاف دونم، ويقدّر عدد سُكانها بحوالي ثلاثة آلاف نسمة حتى عام 2021، وقد سُميت بهذا الاسم نسبة إلى عائلة المصدر، التي تمتلك معظم أراضي القرية، إلى جانب عدد من العائلات الفلسطينية التي تسكن القرية، يربطهم بها النسيج الاجتماعي والوطني.

قرية المصدر- قطاع غزة (عبد الحكيم أبو رياش/العربي الجديد)
(عبد الحكيم أبو رياش/العربي الجديد)

وتنحدر عائلة المصدر من قبيلة النصيرات، التي سكنت القرية إبان الفتوحات الإسلامية لبلاد الشام. وتضم القرية مدرسة ابن زيدون، وهي مدرسة قديمة بنيت منذ ثمانية عقود، يدرس فيها الأطفال من الصف الأول الابتدائي حتى الصف العاشر. كما تضمّ مستوصفا وعيادة، إلى جانب بلدية خاصة بقرية المصدر، يجاورها كذلك مسجد الفتوح.

وفي قرية المصدر أيضاً شجرة المغازاة، وهي شجرة قديمة، يجاورها قبر قديم، كذلك قصر و"بوايك" الحاج فريح والحاج علي المصدر. فيما تضمّ إلى جانب ذلك مقبرة قديمة ما زالت تستخدم حتى الآن، وآبار مياه عذبة، منها آبار متوقفة، وأخرى ما زالت تعمل لريّ الأراضي الزراعية والبيوت المُجاورة.

قرية المصدر- قطاع غزة (عبد الحكيم أبو رياش/العربي الجديد)
(عبد الحكيم أبو رياش/العربي الجديد)

وتعتبر المصدر سلّة غذائية هامة للمناطق الوسطى في قطاع غزة، وفق حديث حسن عيد سعيد، وهو من عشيرة المصدر، مع "العربي الجديد"، حيث تعمل نسبة كبيرة من سكانها في الزراعة وهم يمتلكون الأراضي الزراعية. وتشتهر القرية بالدفيئات الزراعية، التي تتم فيها زراعة البندورة والخيار والفلفل والزهرة والملفوف، كذلك بزراعة التين والعنب والزيتون والنخل. كما تنتشر فيها آبار المياه، ومزارع الدواجن والمواشي، إلى جانب أنها كانت تشتهر بزراعة الحمضيات، وكانت في السابق تصدّرها إلى مدن أوروبا.

ولا يزال أهل القرية متمسّكين بالزراعة، وترتفع فيها نسبة الفلاحين والمزارعين، على الرغم من ارتفاع نسب التعليم، إذ يعتبرون الزراعة جزءاً لا يتجزأ من حياتهم اليومية، فيما يمتهن سُكانها مهناً عديدة، مثل التعليم المدرسي والجامعي،  والصحافة والطب والسياسة والمحاماة، وغيرها من المهن المختلفة.

ويقول السبعيني سعيد، والذي ما زال متمسكاً باللباس التراثي الفلسطيني "جلابية وحطة وعقال"، إنّ القرية تمتلك تاريخاً قديماً، حيث تضم في جوانبها العديد من المعالم الإسلامية، التي تدلّل على قِدَم المدينة التي تقع في طريق "السُلطاني"، وهو الطريق الذي يبدأ من إسطنبول وصولاً إلى مصر، وكان مخصصاً لمرور الجيوش المتقدمة.

ولا يزال أهالي قرية المصدر يحافظون على عادات وتقاليد أجدادهم في الأفراح والأعراس والمناسبات الإجتماعية والأسرية، كما في الأعياد والمناسبات الوطنية. وهم ما زالوا يحافظون على "القضاء العربي"، والذي يجتمع فيه الكبار لحلّ المشاكل والتوسط بين الأطراف لحلّ النزاعات من دون اللجوء إلى القضاء في الكثير من الأحيان.

قرية المصدر- قطاع غزة (عبد الحكيم أبو رياش/العربي الجديد)
(عبد الحكيم أبو رياش/العربي الجديد)

ويتم في القرية الاعتناء بطهور الأطفال، "ختان الأطفال"، عبر تقليد قديم، يتم فيه نصب بيوت الشعر، وتحضير الطعام وتقديمه إلى المدعوين، الذين يقدّمون بدورهم الخراف إلى أصحاب المُناسبة.

وتُقام الأفراح لمدة أسبوع في القرية، تتخلّلها فقرات السامر والدحية "وهي لوحات تراثية بدوية، يتم فيها غناء الأهازيج والشِعر النبطي من خلال صفوف رِجال متقابلة"، كذلك الدبكة الشعبية الفلكلورية. وفي يوم العرس، يتم إحضار العروس على وقع الزغاريد النسائية على ظهر الإبل، في طقس يسمى "القِطار"، فيما يقدّم الشباب لوحات الدحية، ويتم بعدها ذبح الذبائح وتقديم الولائم إيذاناً بالفرح، ويقوم الأهالي بمجاملة بعضهم بعضا في الأعياد، فيما يجتمع الكبار في الديوان أو كما يُسمى في القرية "الشِق" لتقديم الطعام، وتبادل التهاني بين بعضهم بعضا. بينما في الأتراح، يتم تقديم واجب العزاء، ومساعدة أهل المتوفى خلال أيام العزاء الثلاثة.

قرية المصدر- قطاع غزة (عبد الحكيم أبو رياش/العربي الجديد)
(عبد الحكيم أبو رياش/العربي الجديد)

 

ذات صلة

الصورة
فنادق غزة فارغة العربي الجديد

اقتصاد

تسبب تقييد حركة تنقل السياح الوافدين عبر المعابر الحدودية باتجاه غزة، بتراجع عمل القطاع السياحي بشكل عام، والقطاع الفُندقي على وجه التحديد، والذي يعتمد بشكل أساسي على السياحة الخارجية، بالتزامن مع صعوبة الأوضاع الاقتصادية داخلياً.
الصورة
تقليصات "أونروا" تحرم أطفال "محاريم غزة" من التعليم

مجتمع

ليس محمد الطفل الوحيد الذي لم يتمكن من التسجيل في مدارس "أونروا"، بل كان مثله العديد من الأطفال الذين سجلت أمهاتهم في كشوف اللاجئين، على الرغم من تسجيل أشقائهم في المدارس التابعة للوكالة، ومعاملتهم معاملة اللاجئين.
الصورة
ضعف الإقبال على التلقيح في قطاع غزة (عبد الحكيم أبو رياش)

مجتمع

تشهد عيادة "شهداء الشيخ رضوان" الحكومية في غزة، إقبالاً محدوداً من الفلسطينيين على اللقاح المضاد لفيروس كورونا، بالرغم من توفره، في حين حذرت وزارة الصحة الفلسطينية، الأربعاء، من زيادة أعداد المصابين الذين يحتاجون لدخول المستشفيات في الضفة.
الصورة
يصنعن الحلويات قهرًا للبطالة

مجتمع

تجهز داخِل بيت الغول في مخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين، غربي مدينة غزة، وجبات وحلويات تصنعها ثلاث شقيقات، لم يتمكنّ من العمل في تخصصاتهن رغم أنهن خريجات، ما دفعهن إلى افتتاح مشروعهن الخاص.

المساهمون