قرية الجبعة تحت النار.. ليلة النجاة من الحرق على أيدي المستوطنين
استمع إلى الملخص
- وصف الهجوم بأنه منظم، حيث استخدم المستوطنون عبوات "مولوتوف" والعصي والأسلحة، مما أدى إلى خسائر مادية تجاوزت مليون شيكل، بينما لم تقع إصابات بشرية.
- تعاني القرية من حصار خانق بسبب المستوطنات المحيطة، وجيش الاحتلال لم يتدخل إلا بعد نصف ساعة من بدء الاعتداء، مما يعرض السكان لخطر الاعتداءات المستمرة.
قضى أهالي قرية الجبعة جنوب بيت لحم، جنوبي الضفة الغربية، ليلة صعبة عقب اقتحام أكثر من 100 مستوطن متطرف من جماعة "فتيان التلال" الإرهابية، الذين حوّلوا منازل الفلسطينيين إلى بؤرة مشتعلة، حيث أضرموا النار في سبعة منازل، وبمثلها من المركبات؛ بهدف قتل الفلسطينيين حرقاً، في مشهد يعيد إلى الأذهان فاجعة عائلة دوابشة التي أحرقها المستوطنون في يوليو/ تموز من عام 2015 بقرية دوما جنوب نابلس، شمالي الضفة الغربية.
وبدأ الهجوم بعد السادسة والنصف من مساء أمس الاثنين، كما يروي المواطن رائف مشاعلة في حديث لـ"العربي الجديد"، باقتحام مجموعات من المستوطنين منزل والده في القرية المعزولة بين مستوطنتي "عتصيون وبيت شيمش"، حيث انهالت الحجارة بكثافة على نوافذ المنزل، فيما كانت والدته العجوز داخله تحاول الاحتماء وسط حالة من الهلع.
يؤكد رائف مشاعلة أن مجموعة أخرى من المستوطنين لاحقوا مركبة شقيقه الأصغر، الذي كان يقلّ ثلاثة أطفال صغار قبل أن يعمدوا إلى تكسير زجاجها بعد إلقاء الحجارة، حيث أصيبت رضيعة كانت بينهن. ويشير مشاعلة إلى أن المستوطنين أشعلوا النار في مركبتي شقيقه وشقيقته، وخطّوا شعارات عنصرية على المركبات والجدران بعنوان "الموت للعرب"، وشتموا السكان بعبارات نابية.
ويصف مشاعلة لحظات الهجوم بأنها كانت ساعات من الرعب الحقيقي، إذ كانت قريتهم الصغيرة شبه خالية من الرجال، بينما لم يكن فيها سوى النساء والأطفال الذين وجدوا أنفسهم في قلب الاعتداء لحظة الهجوم.
ويُقدّر عدد المستوطنين الذين شاركوا في الهجوم بنحو مائة مستوطن أغلبهم من فئة الشبان الذين تراوح أعمارهم بين 16 و22 عاماً، وفق ملاحظات مشاعلة. وبحسب مشاعلة، فإن ما يزيد خطورة الهجمات الاستيطانية، انقطاع القرية عن القرى المحيطة بها، إذ يلزم قطع مسافة 14 كيلومتراً للخروج من القرية والوصول إلى محافظة بيت لحم، فيما يمنع الاحتلال مركبات الإسعاف أو الدفاع المدني من الوصول إلى القرية، ما يجعل أي هجوم يحمل خطورة أكبر لعدم وجود الحد الأدنى من وسائل الحماية.
ولم يكن هجوم المستوطنين عابراً، بل منظّماً، إذ قدموا من بؤرتَي "جبعوت" و"بيت عاين" اللتين تبعدان مسافة أربعة كيلومترات فقط عن الجبعة. وقد نفّذوا أعمال حرق واسعة، طاولت سبع مركبات حديثة، إضافة إلى سبعة منازل مأهولة بالشيوخ والنساء والأطفال، بحسب ما يؤكد رئيس مجلس قروي الجبعة، ذياب مشاعلة، في حديث مع العربي الجديد.
ويوضح رئيس المجلس، أن الهجوم وقع في وقت مبكر من الليل، ما مكّن الأهالي من تدارك الحرائق سريعاً ومنع وقوع إصابات بشرية، لافتاً إلى أن النيران في المنازل كادت تتحوّل إلى كارثة مشابهة لما جرى مع عائلة دوابشة قبل عشر سنوات، ولا سيما أن المستوطنين هاجموا المنازل مباشرةً، وكسروا نوافذها، وألقوا داخلها عبوات متفجرة بهدف إحراق من فيها.
وبرغم خروج السكان دون إصابات جسدية، إلا أن الخسائر المادية كانت كبيرة، وتجاوزت مليون شيكل (ما يزيد على 300 ألف دولار). ويبيّن رئيس المجلس أن المستوطنين انتشروا في عدة مواقع داخل القرية، وتوزّعوا حول المنازل وهم ملثمون ويحملون عبوات "مولوتوف" والعصي والأسلحة، ما يعكس طبيعة الاعتداء وطابعه المنظّم.
ويحمّل رئيس مجلس الجبعة جيش الاحتلال المسؤولية المباشرة عن الهجوم، موضحاً أن المستوطنين لا يمكنهم قطع أربعة كيلومترات سيراً على الأقدام دون علم جيش الاحتلال وحمايته، خصوصاً أن منازل الجبعة ليست ملاصقة لأي بؤرة استيطانية.
ويشير مشاعلة إلى أن قوات الاحتلال وصلت إلى المكان بعد نصف ساعة، واكتفت بالقول إنها أعدت تقريراً وغادرت، رغم وجودها الدائم عند مدخل القرية بثلاث مركبات عسكرية وما لا يقل عن 15 جندياً على مدار 24 ساعة، يعملون على تفتيش المارة ويمنعون دخول أي أحد إليها بعد ساعات المساء.
وتعاني الجبعة، بحسب رئيس مجلسها، حصاراً خانقاً بسبب إحاطتها بالمستوطنات من الجهات كافة؛ فمن الجنوب، تبعد بلدة صوريف شمال الخليل أمتاراً قليلة، لكن يفصل بينهما حاجز عسكري يمنع الحركة إلا بتفتيش شديد، ومن الشرق يُمنع الوصول إلى قرية نحالين في بيت لحم المغلقة بالكامل أمام سكان الجبعة، أما من الغرب، فهناك حاجز إسرائيلي مخصّص للمستوطنين فقط، ومن الشمال تحاصر القرية مستوطنتا "بيتار عيليت" و"تسور هداسا" المقامتان على أراضي بيت لحم.
ويقطن في قرية الجبعة نحو 1200 فلسطيني، ويعيشون اليوم داخل طوق استيطاني كامل، يجعلها معزولة ومحاصرة ومهددة باعتداءات متصاعدة لا تجد أي رادع.