فوضى كورونا في سجن رومية اللبناني... تفش للفيروس والسجناء يصعّدون من أجل عفو عام

25 سبتمبر 2020
الصورة
قطع الأهالي الطرقات لإيصال صوت السجناء (أنور عمرو/فرانس برس)
+ الخط -

تتفاعل أزمة كورونا في السجون اللبنانية مع ارتفاع عدد الإصابات داخلها في الفترة الأخيرة، وتخطّيها عتبة الـ300 إصابة، الأمر الذي دفع السجناء، لا سيما في سجن رومية، وهو السجن المركزي الأكبر في لبنان، إلى اللّجوء للتهديد بتصعيد لا مثيل له في حال لم تستجب السلطات اللبنانية لمطالبهم، وعلى رأسها إقرار قانون العفو العام، وذلك استكمالاً لانتفاضتهم التي انطلقت بالتزامن مع الإعلان عن تسجيل إصابات بالفيروس في صفوف السجناء.

وأشار أحد السجناء في فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى أنّ سجناء رومية في مبنى المحكومين أعطوا الحكومة اللبنانية مهلة 72 ساعة، يوم الاثنين الماضي، ومع انتهاء المهلة "سنبدأ أول تحرّكاتنا عبر الأهالي الذين يعملون على الأرض، وسيقطعون  طرقات لبنان كلّها، لإيصال صوتنا، على أن يكون التصعيد الأكبر الأسبوع المقبل، بعد انعقاد جلسة مجلس النواب، يومي الأربعاء والخميس، التي خُصِّصَت لبحث قانون العفو العام، حتى يُبنَى على الشيء مقتضاه". ودعا السجين الكتل النيابية إلى التصويت على قانون العفو العام، إذ لا حلّ آخر.

بدورها، عقدت لجنة الرعاية الصحية في السجون لمواجهة كورونا، اجتماعاً بدعوة من نقابة الأطباء، ناقش أزمة تفشي الفيروس في سجن رومية، في الأسبوعين الأخيرين، واستمعت إلى شرح المسؤول الصحي في السجن، الذي أكّد أنّ الإدارة اتخذت كلّ الاحتياطات اللازمة لمواجهة الوباء مع وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية وجمعية الأمراض الجرثومية والوبائية ولجنة الرعاية الصحية في السجون. وكشف أنّ هناك أكثر من 300 إصابة بالفيروس مثبتة حتى اليوم، يتوزّع معظمها بين المحكومين ونزلاء المبنى "ب".
ولفت إلى وجود مبنى خاص للعزل داخل السجن، مجهّز بـNegative Pressure، وكاميرات مراقبة وهاتف داخلي للتكلّم مع المرضى، وتتمّ معالجة من يمكن معالجته بحسب بروتوكولات وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية داخل مبنى العزل، ومن يحتاج إلى دخول المستشفى يُنقل فوراً إلى مستشفيات حكومية خارج السجن. وعند ظهور الأعراض أو وجود خطر على حياة سجين مصاب، يُبعد عن غرف الوباء، ويتمّ نقل السجين إلى مستشفى الهراوي أو مستشفى ضهر الباشق الحكوميين.
وكشف المسؤول الصحي أنّ السجناء غير متعاونين على الإطلاق مع إدارة السجن في ما يتعلّق باتباع التدابير الوقائية، فمنهم من يرفض الذهاب إلى مبنى العزل، ومنهم من يرفض تغيير غرفته، وآخرون يرفضون إجراء فحص الـPCR، ومنهم من يدّعون الإصابة وعند الفحص يتبيّن أنهم غير مصابين، وكلّ ذلك للحصول على عفو عام، وهذا ما يشكّل العائق الأول لمواجهة الفيروس في السجن. وأشار إلى أنّه تمّ إجراء ما يناهز الألف فحص في سجن رومية، وتبيّن أنّ ثلث الفحوص موجبة من دون عوارض، وهذه نسبة جيدة تدل على مدى الاهتمام الصحي في السجن.
وأصدرت لجنة الرعاية الصحية في السجون توصيات، أبرزها ضرورة تسريع المحاكمات، واستخدام الاستجواب الإلكتروني عن بُعد، ما يساهم في تخفيف الاكتظاظ، خصوصاً بالنسبة إلى السجناء الأقل خطورة، الذين يشكّلون العدد الأكبر، والأخذ في الاعتبار السجناء الذين يعانون من أمراض مزمنة. هذا بالإضافة إلى التدريب المستمرّ على سبل الوقاية لجميع العاملين في السجون، وزيادة عدد الأسرّة في المستشفيات الحكومية، وتأمين الدعم المادي من الدولة للمستشفيات تحضيراً لمواجهة الوباء في موسمي الخريف والشتاء المقبلين، وغيرها من التوصيات.
من جهته، قال المحامي المكلّف بملف الموقوفين الإسلاميين محمد صبلوح، لـ"العربي الجديد"، إنّ "الأهالي يدعون لاعتصامات قد تكون مناطقية. والانتشار الأكبر لكورونا هو في المبنى (ب)، حيث أصيب حوالي 300 موقوف بالفيروس من أصل 700 تقريباً، وهناك سجناء يرفضون إجراء الفحوص وهم مصابون بالفيروس".
ويشير صبلوح إلى أنّ "المبنى (ج) الذي خُصِّص للحجر في سجن رومية، استوفى قدرته الاستيعابية، وطُلِب من السجناء التزام الحجر في غرفهم، علماً أنّ كل غرفة فيها ما بين 7 و8 سجناء". وأكّد أنّ هناك جمعيات إغاثية أمّنت للسجناء بعض المواد الغذائية والمستلزمات الطبية والأدوية التي كانت تنقصهم، إثر تقاعس إدارة السجن عن تأمينها، ونظراً للشحّ الخطير الذي سُجّل في هذا السياق، وقد سمحت وزارة الداخلية بهذه الخطوة.
ويأسف صبلوح، في حديثه مع "العربي الجديد"، لتعليق المحاكمات بعد تفشي فيروس كورونا، تخفيفاً لحالة الاكتظاظ، وكذلك عدم إيلاء الحكومة الأولوية لملف السجناء، وأضاف أنها "لو كانت توليه الأهمية المطلوبة، لكانت خصّصت عيادات متنقّلة للكشف على جميع الموقوفين، وأنشأت مستشفى ميداني في سجن رومية".
وينعقد مجلس النواب اللبناني، يومي الأربعاء والخميس المقبلين، لمناقشة جدول أعمال يضم بنوداً عدّة، لجهة مشاريع القوانين واقتراحات القوانين المعجّلة المكرّرة، وعلى رأسها قانون العفو العام، الذي ما زال الخلاف حول مضمونه قائماً بين الكتل النيابية، الأمر الذي أدّى إلى رفع الجلسة العامة الماضية لعدم ميثاقيتها بعد انسحاب عددٍ من النواب.
ويؤكّد مصدر نيابي مطلع على المفاوضات بشأن قانون العفو العام، لـ"العربي الجديد"، أنّ كل كتلة نيابية ستقدّم ملاحظاتها بشأن القانون، ليُصار إلى درسها في الجلسة، ومحاولة إيجاد نقاط مشتركة واتفاق بين الجميع، لتمريره نظراً لخطورة الوضع مع تفشي فيروس كورونا في السجون، وضرورة حلّ مشكلة الاكتظاظ. وقد يُطرح في هذ الاتجاه تخفيف سنوات العقوبات بالسجن، وإسقاط الغرامات الجزائية عن المحكومين الذين نفّذوا عقوبتهم. وقد بدأ العمل في هذا الإطار، مع بدء تفشي فيروس كورونا في لبنان، حيث دُفعت غرامات عددٍ كبيرٍ من المحكومين وتمّ إخلاء سبيلهم.
ويشير المصدر إلى أنّ الحكومة اللبنانية أو مجلس النواب، لم يُهملا موضوع السجناء، لكن الظروف التي أحاطت بالبلد دفعة واحدة، من فيروس كورونا إلى انفجار مرفأ بيروت وما ترتّب عليه من تداعيات، حالت دون استكمال البحث بالموضوع، خصوصاً أنّ الخلاف الطائفي والسياسي لم يحلّ بعد بين الكتل النيابية بشأن الأشخاص الذين سيشملهم قانون العفو العام والذين سيستثنون منه، وسط اعتراضات سُجّلت، طلبت استثناء الموقوفين الإسلاميين المتهمين بقتل أفراد من الجيش اللبناني من العفو، فيما أتت مطالب أخرى، مقابلة، بعدم شمول القانون الهاربين إلى إسرائيل بعد انتهاء احتلالها لجنوب لبنان.
في السياق، عرض الرئيس اللبناني ميشال عون مع وزيرة العدل في حكومة تصريف الأعمال ماري كلود نجم، موضوع العفو الخاص على السجناء بغية إيجاد حلّ للاكتظاظ في سجن رومية. علماً أنّ السجناء يرفضون رفضاً قاطعاً العفو الخاص، باعتبار أنّ الرئيس هو الذي يحدّد الأشخاص الذين سيشملهم العفو، ومطلبهم الوحيد هو إقرار مشروع قانون عفو عام وإلّا سيلجأون للتصعيد.

في الإطار نفسه، أعلنت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أنها تتابع بقلق بالغ الانتشار المتزايد لإصابات فيروس كورونا في سجن رومية المكتظّ، وهو أكبر منشأة احتجاز في البلاد، حيث ورد أنّ أكثر من 300 حارس ونزيل أصيبوا بالفيروس، وتؤدي زيادة الاكتظاظ إلى مخاوف صحية خطيرة قد تتجاوز حدود السجون.