مسلسل فساد أدوية الأورام في ليبيا... تحقيقات بلا نتائج
استمع إلى الملخص
- ارتفاع عدد مرضى الأورام في ليبيا إلى أكثر من 23 ألف مريض، مع تفاقم حالات المرضى بسبب أدوية مغشوشة من شركات غير معروفة، بينما نفت وزارة الصحة مسؤوليتها عن استيرادها.
- يواجه ملف أدوية السرطان تحديات بسبب الفساد والتراخي الحكومي، مما يعيق تدفق الأدوية ويدفع المرضى للقطاع الخاص بأسعار باهظة، مع نقص الأدوية والتجهيزات في المراكز الطبية.
عادت أدوية السرطان في ليبيا إلى واجهة الأزمات المتفجرة، بعد الكشف عن تفاصيل جديدة حول فساد متجذر في عقود استيراد الأدوية من الخارج، ما دفع رئيس حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، عبد الحميد الدبيبة، إلى إصدار قرار بإعفاء نائبه رمضان أبو جناح من مهام تسيير وزارة الصحة، وإحالته على التحقيق، إلى جانب عدد من مسؤولي الوزارة، على خلفية "مخالفات في عقود توريد الأدوية".
جاء القرار الحكومي بعد أيام من إعلان السفير العراقي في ليبيا، توريد بلاده أول شحنة أدوية أورام مؤخراً، وهو ما نفته الهيئة الوطنية لمكافحة السرطان في بيان رسمي، مؤكدة أن جميع الأدوية المعتمدة "تُستورد حصراً من مصادر أميركية وأوروبية معتمدة"، مشددة على التزامها بأعلى معايير الجودة.
ووسط غموض حول حقيقة شحنة الأدوية العراقية، أقر نائب رئيس الوزراء رمضان أبو جناح، المكلف بتسيير وزارة الصحة، في تصريحات بمسؤوليته عن توريد الشحنة، مبرراً تدخله في اختصاصات هيئة مكافحة السرطان بالقول إنّ "الشحنة تم توريدها من العراق خارج بنود العطاء العام" وبموافقة هيئة الرقابة الإدارية.
لكن موجة من الغضب الشعبي سادت بين الليبيين، وطالب العديد من النشطاء عبر منصات التواصل الاجتماعي بالتحقيق في الواقعة، خاصة شرعية التعامل مع العراق الذي لا يعدّ من بين الدول المدرجة في القوائم الحكومية المعتمدة لاستيراد أدوية السرطان، ما فتح الباب أمام شكوك في وجود "ثغرات فاسدة" في منظومة التوريد. ليصدر رئيس الحكومة قراره ضد أبو جناح، في خطوة اعتبرت محاولة لاحتواء الغضب الشعبي المتصاعد حيال فساد ملف الأدوية، مع تضارب الروايات الرسمية، وغياب الشفافية.
وتعد الأزمة الحالية حلقة جديدة في سلسلة إخفاقات حكومية متكررة في ملفّ يطاول أكثر من 23 ألف مريض مسجل رسمياً، وفق إحصاءات المركز الوطني لمكافحة الأمراض، والمنظومة الإلكترونية الخاصة بمرضى الأورام التي دشن العمل بها في نوفمبر/تشرين الثاني 2023.
وكشفت الأرقام المعلنة مؤخراً عن ارتفاع الأعداد بعد إطلاق المنظومة الإلكترونية لتوثيق بيانات المرضى، إذ كان العدد الرسمي للمصابين حتى نهاية العام الماضي لا يتجاوز 21 ألفاً، ما أثار مخاوف أطباء من أن تكون الزيادة دليلاً على تفش غير مسبوق للأورام، أو ربما تعكس فشلاً في عملية الرصد.
يقول طبيب الأورام الليبي، رجب السهولي، لـ"العربي الجديد"، إن "الإحصاء الأخير قد يخفي وضعاً أسوأ، خصوصاً مع استمرار الانقسام الحكومي، وقدرة الفساد على المرور من خلاله إلى ملف الأدوية".
وشهدت البلاد في سبتمبر/أيلول الماضي، فضيحة أدوية مغشوشة كشف عنها بلاغ من المعهد القومي لعلاج الأورام في مصراتة، والذي ندد بتوزيع أدوية مجهولة المصدر سبّبت تفاقم حالات المرضى، وظهور أعراض حساسية حادة، مشيراً إلى أن تلك الأدوية جرى استيرادها من شركات هندية وقبرصية وتركية ومالطية غير معروفة، ما دفعه إلى رفض تسلمها، وتحذير الحكومة من خطورتها.
لكن وزارة الصحة نفت حينها الأمر، وأكدت أن الشركات التي تتعاقد مع جهاز الإمداد الطبي "لم تستورد تلك الأدوية"، كما نفت تلقي أي تحذيرات مسبقة من المعهد، قبل أن تعلن الحكومة تشكيل لجنة تحقيق لم تظهر نتائجها حتى اليوم.
وفي شرقي ليبيا، تداولت وسائل إعلام محلية تقارير عن تفشي الأورام بشكل لافت، ما اضطر حكومة مجلس النواب في بنغازي، إلى أن تعلن في إبريل/نيسان 2023، تشكيل سبع لجان تضم أطباء ومسؤولين لدراسة أسباب انتشار الأورام، لكنها هي الأخرى لم تُعلن أيّ نتائج رغم مرور أكثر من عامين، ما يعكس إهمالاً حكومياً متكرراً في التعامل مع ملف مرضى الأورام.
ويؤكد الطبيب السهولي أن "الحكومتين يتعاملان مع الملف بتراخٍ، والفساد يزيد الوضع تعقيداً. هيئة مكافحة السرطان تظل أكثر الهيئات الحكومية موثوقية بسبب وجود خبراء طبيين فيها، لكنها في الوقت ذاته تواجه عراقيل إدارية تعيق تدفق الأدوية، ما يدفع المرضى إلى شرائها من القطاع الخاص بأسعار باهظة".
ويقول مصباح القماطي، وهو شقيق أحد المصابين بالأورام في بنغازي، إن "المرضى ينتظرون دعم الحكومة لتوفير الأدوية، لكن المسؤولين سيضطروننا إلى بيع كل ما نملك، والتوجه إلى القطاع الخاص للعلاج، إذ كيف يمكن الثقة في أي دواء توفره الحكومة؟ الوضع في المركز الوطني للأورام ببنغازي سيئ للغاية، دواء وتجهيزاً، رغم ما يبذله الأطباء بجهودهم الخاصة من محاولات لاستمرار عمل المركز".