فرمة

02 ابريل 2021
+ الخط -

لا رصاص في هذا اليوم يملأ السماء، أو صواريخ وقذائف نسمع إطلاقها وسقوطها المدمّر. اليوم هدنة من معارك طويلة في حرب مستمرة. والهدنة في هذه المنطقة بالذات من دون بقية المناطق. لكن، من يفكر الآن في غير هذه المنطقة، وإن كانت الإذاعة، صلتنا الوحيدة بذاك العالم الكامل من المعارك والقتلى والجثث، تعلن استمرار القصف المتبادل بين فلان وعلّان؟ وما أكثر الفلانات والعلّانات في السنوات الأخيرة للحرب الأهلية اللبنانية (1975- 1990).
اليوم هدنة، يمكن الأهل فيها أن يطبخوا بسلام، فيودعوا ربما ليوم أو أكثر، معلبات الإعاشة (الإعانات الغذائية) تأكل عائلة كاملة علبتي لحم، مما خصص في الأساس لجنود الجيش الأميركي، وربما تركوه في أكياسهم الحربية منذ حرب فيتنام، فجُمعت المعلبات لاحقاً وأرسلت إلينا. وتزيد العائلة رغيف الخبز نصفاً في كداديش (شطائر) أطفالها الذين لا يشبعون، حتى تصبح الكدّوشة بخبزها السميك ممسوحة مسحاً بذاك اللحم المعلّب المقرف، يتفنن بعضهم في سلقه وهو في علبته، كي تتساقط الدهون ويمكن اكتشاف الجلود فيه، بينما يفضله آخرون بارداً على حاله... فهو أكثر بركة.
اليوم هدنة، ويمكن الوصول إلى الجزار، فماذا إن وصل الأب ولم يكن معه ما يشتري به، وأقفل الجزار منذ زمن بعيد باب الديون؟ أوقية تكفي، فالأم أخرجت كيس الفاصولياء الصنوبرية من الإعاشة، وبدأت في سلقها. يترك الأوقية بغراماتها المائتين، قطعة واحدة لتدبّر هي أمر توزيعها في صحون الجميع، ربما لسهوه - مع الهرب اليومي للأبناء بين الأقارب، خوفاً من سقوط صاروخ بحسب المنطقة المعرضة - عمّن بقي منهم في البيت. لا يهمّ عدد قطع اللحم التي تمكنت من توزيعها، فما سيصلك قطعة واحدة، بل فرمة. القطعة قد توحي بحجم أكبر، أما الفرمة فهي ما لا يصل إلى حجم "رأس العصفور"، وهو القياس المستخدم في عرف الجزارين.

موقف
التحديثات الحية

فرمة وسط كومة من فاصولياء، فيما المعدة والدماغ والدم والقلب والأنف والفم واللسان والأسنان، كلّها تتسابق في الشوق إلى نكهة اللحم الحقيقي وطعمه، وتحاول أن تنبش الذاكرة عن آخر لقاء، فما بالك بفرمة تصل هذه المرة إلى حجم "رأس العصفور"!؟ هو عيد حقيقي، فالجدة تقرر أنّ ذاك الجزّار يذبح جنوداً من الفريق الذي تؤيد ويبيع لحمهم طازجاً، فتمتنع عن الأكل، وتفضّل معلبات الجيش الأميركي مجدداً. والباقون في البيت ليسوا أكثر من ستة. كبرت الفرمة عمّا تعهدها، وما أبدعها إذ تكبر. هي كنز تتركه على طرف الصحن حتى الانتهاء تماماً مما فيه، بفاصوليائه وثومه ومرقته. عندها فقط، تأخذ أكبر قطعة من الخبز وتوزع الفرمة فيها وتلفّها وتحتفل.
هذه الذكريات اللعينة، ظنّ اللبنانيون أنّها ستبقى مجرد ذكريات... ولعلّهم أخطأوا الظنّ، كما أخطأوا في كثير من الحسابات.

المساهمون