"فابري"... مرض نادر في ليبيا بلا اهتمام رسمي

طرابلس
أسامة علي
أسامة علي
صحافي ليبي. مراسل العربي الجديد في ليبيا.
21 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 23 أكتوبر 2025 - 02:35 (توقيت القدس)
فابري مرض وراثي يواجه الإهمال الصحي في ليبيا... ما هي أعراضه؟
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تعاني ليبيا من نقص في البيانات والإحصاءات حول الأمراض النادرة مثل مرض "فابري"، مما يضطر المرضى لإرسال العينات إلى الخارج لعدم توفر مختبرات محلية.
- تشير الطبيبة هاجر الشكري إلى أن الأرقام المعلنة لا تعكس الواقع، حيث يُكتشف المرض غالباً بالصدفة، وتؤكد على أهمية برنامج وطني للكشف المبكر.
- رغم تشكيل لجنة للكشف الجيني المبكر، تظل الجهود إدارية دون برامج فحص ميداني أو أدوية متوفرة، مما يعيق الفحوصات اللازمة للمواطنين.

وسط الأزمات المختلفة التي تعيشها ليبيا، لا تتوفّر أيّ بيانات دقيقة حول أعداد المصابين بالأمراض النادرة، ويأتي ذلك مع غياب تام للجهود الرسمية؛ سواء من قبل حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس أو حكومة مجلس النواب في بنغازي. ومن بينها مرض "فابري" الذي يُوصّف بأنه اضطراب وراثي نادر يتسبّب في تراكم مواد دهنية في الأنسجة، والذي أُعلن عنه أخيراً في البلاد. 

وأفادت اللجنة الدائمة للكشف الجيني المبكر وعلاج الأمراض النادرة في ليبيا المنبثقة عن المركز الوطني لمكافحة الأمراض تسجيل ثلاث حالات مؤكدة في البلاد، في حين أشار "مستشفى طرابلس المركزي" إلى أنّه سجّل بدوره ثماني إصابات بالمرض، غير أنّ لا علاجات متوفّرة له في ليبيا.
وأثار مرض "فابري" انتباه الرأي العام في ليبيا أخيراً، بعد أن تحدّث مواطن في العاصمة طرابلس عن تدهور حالة أخيه الذي يعاني من المراحل الأخيرة من الفشل الكلوي، بعدما عجزوا عن توفير الدواء اللازم له عقب تأكيد الأطباء إصابته بهذا المرض النادر الذي يتسبّب في فشل كلوي إلى جانب حالات أخرى. وطرح ذلك موجة من التساؤلات حول حجم انتشار مرض "فابري" في البلاد، ومدى قدرة منظومة ليبيا الصحية على التعامل معه.
تفيد الطبيبة المتخصّصة في أمراض الكلى هاجر الشكري "العربي الجديد" بأنّ "ليبيا لا تمتلك أيّ قاعدة بيانات خاصة بمرض فابري أو غيره من الأمراض النادرة، وأنّ الوضع ما زال غامضاً في غياب الإحصاءات الوطنية الدقيقة"، مشيرةً الى أنّ "الحالات التي أُعلن عنها هي فقط تلك التي اكتُشفت في أقسام أمراض الكلى بالمستشفيات العامة، نتيجة جهود ذاتية من أطباء لاحظوا مؤشّرات غير طبيعية لدى مرضى، فأخضعوهم إلى فحوص إضافية أثبتت إصابتهم".
وتقدّر الشكري أنّ "العدد المعلن عنه لا يعكس الواقع كلياً، ولا سيّما أنّ مرض فابري يُكتشَف في الغالب صدفةً في أثناء متابعة مرضى الكلى الذين يعانون فشلاً كلوياً غير مفسّر". لكنّها توضح أنّ "هذا المرض لا يطاول الكلى فحسب، غير أنّ الكلى تظهر أكثر الأعراض وضوحاً"، مبيّنةً أنّه "يصيب كذلك أجهزة أخرى مثل القلب والجهاز العصبي والجلد، ما يعني أن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى من تلبك المُعلَن عنها رسمياً".


وتشرح الشكري أنّ "مرض فابري اضطراب وراثي نادر ينجم عن طفرة في الجين المسؤول عن إنتاج إنزيم محدّد وظيفته الأساسية تكسير الدهون المتراكمة، الأمر الذي يؤدّي بالتالي إلى تراكم مواد دهنية في داخل خلايا الجسم. وبمرور الوقت، يسبّب ذلك أضراراً تدريجية في الكلى والقلب والدماغ". تضيف أنّ "الأعراض قد تبدأ منذ الطفولة، على شكل آلام حارقة في الأطراف وطفح جلدي ومشكلات هضمية، لتصل أخيراً إلى فشل كلوي أو سكتة دماغية أو تضخّم في عضلة القلب". وترجّح أن "يكون المرض موجوداً لدى عدد من العائلات، خصوصاً تلك التي يظهر تسلسل في تاريخها المرضي متّصل بأمراض قلبية أو كلوية مزمنة من دون تفسير طبي واضح".

في مستشفى في مصراتة - شمال غرب ليبيا - 13 نوفمبر 2022 (إسلام الأطرش/ Getty)
في أحد مستشفيات مصراتة شمال غربي ليبيا، 13 نوفمبر 2022 (إسلام الأطرش/ Getty)

وحول سبل مواجهة هذا المرض، تقول الطبيبة المتخصّصة في أمراض الكلى أنّ "ليبيا لا تملك حتى الآن مختبرات ولا إمكانات محلية تتيح لها إجراء التحاليل الجينية اللازمة لتشخيص المرض. وبالتالي تُرسَل كلّ العيّنات المطلوب فحصها إلى الخارج، خصوصاً إلى مختبرات في أوروبا أو تركيا أو تونس، وذلك إطار في عملية طويلة ومكلفة يصعب على معظم المرضى تحمّلها". وتتابع الشكري أنّ "الاكتشاف المسجّل هو نتاج جهود في داخل مؤسسات الدولة بمبادرات فردية من قبل أطباء في أقسام الكلى، يسعون بطرقهم الخاصة إلى التواصل مع مراكز خارجية لتسهيل إرسال العينات ثمّ استلام نتائجها في خلال أسبوعَين تقريباً".
وترى الشكري أنّ "الحل يكمن في إطلاق برنامج وطني للكشف المبكر عن مرض فابري"، مؤكدةً أنّ "من الممكن تشخيصه في مراحله الأولى". وتشير إلى أنّ "أيّ حملة لم تُطلَق بعد في هذا المجال، ولا حتى حملات توعية تدعو المواطنين إلى إجراء فحوص لذلك، على الرغم من إعلان السلطات عن تشكيل لجنة مختصّة بالأمراض النادرة".
تجدر الإشارة إلى أنّ السلطات الصحية في ليبيا كانت قد أعلنت قبل نحو عامَين، تحديداً في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، عن تشكيل لجنة دائمة للكشف الجيني المبكر وعلاج الأمراض النادرة تضمّ ممثّلين عن مختلف المناطق، بهدف وضع آلية وطنية لتحديد الحالات وبالإضافة إلى خطط علاجية مناسبة. وفي مارس/ آذار 2024، أطلق المركز الوطني لمكافحة الأمراض منظومة إلكترونية لحصر الأمراض الوراثية النادرة وأمراض الدم في فروعه بالعاصمة طرابلس وكذلك بمصراتة وبنغازي وسبها والكفرة. لكنّ الشكري تلفت إلى أنّ "هذه الخطوات ظلّت إدارية أكثر من كونها عملية، إذ لم تُطلَق بعد برامج الفحص الميداني، كذلك فإنّ الأدوية الخاصة بالمصابين بمرض فابري (على سبيل المثال) لم تتوفّر حتى الآن".

في سياق متصل، يعبّر المواطن الليبي علاء بن عبد النبي عن مخاوفه إزاء احتمال إصابة ابنه بمرض "فابري"، وذلك في خلال وجوده بقسم أمراض الكلى في "مستشفى تاجوراء" الواقع إلى الشرق من العاصمة طرابلس. ويخبر عبد النبي "العربي الجديد" أنّ ابنه يعاني منذ طفولته من مشكلات في الكلى، ولمّا سأل الأطباء في المستشفى عن إمكانية فحصه للتأكّد من عدم إصابته بمرض "فابري"، أفادوه بأنّ التحاليل اللازمة لذلك غير متوفّرة في ليبيا وبالتالي لا بدّ من إرسال عيّنات الفحص إلى الخارج. يضيف أنّ الأطباء أكدوا له عدم قدرة قسم الكلى على إرسال العيّنات، لذا أُدرج اسم ابنه في قائمة انتظار طويلة، إلى حين توفير السلطات دعماً مالياً يتيح إرسال العيّنات لفحصها في الخارج مستقبلاً.

المساهمون