غوتيريس في مؤتمر أممي بالدوحة: الفساد جريمة تفتك بحقوق الإنسان
استمع إلى الملخص
- شدد حمد بن ناصر المسند على أهمية المؤتمر كمنبر لتبادل الخبرات، مشيراً إلى رؤية قطر الوطنية 2030، ودعا لتعزيز الشفافية واستقلالية الأجهزة الرقابية.
- يناقش المؤتمر تقارير الدول حول تنفيذ الاتفاقية، مع التركيز على الذكاء الاصطناعي، وشفافية تمويل الأحزاب، ودور الفساد في جرائم أخرى.
تحت شعار "تشكيل نزاهة الغد"، انطلقت في الدوحة، اليوم الاثنين، أعمال الدورة الحادية عشرة لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، بمشاركة ممثلي 192 دولة طرفاً وحضور نحو 2500 شخصية من مسؤولي الحكومات والمنظمات الإقليمية والدولية وخبراء مكافحة الفساد وممثلي القطاع الخاص والمجتمع المدني والشباب، في أكبر تجمع عالمي مخصص لهذا الملف.
وقال رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في منشور على حسابه بمنصة "إكس": "تأتي استضافتنا للدورة الـ11 لمؤتمر الدول الأطراف في الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد انطلاقاً من التزامنا العميق بتعزيز العمل متعدد الأطراف مع الشركاء الدوليين، وترسيخ منظومة الحوكمة الرشيدة، بما يعزّز النزاهة والشفافية، ويساهم في تطوير سياسات فعّالة لمكافحة الفساد".
وخلال كلمة متلفزة في الجلسة الافتتاحية، وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس الفساد بأنه "جريمة تفتك بحقوق الإنسان وتقوّض الثقة بالمؤسسات"، مؤكداً أنه "يغذي الصراعات، ويرسخ عدم المساواة، ويستنزف الموارد اللازمة لحماية الناس والكوكب". وأضاف: "كل دولار يُفقد بسبب الجرائم الاقتصادية هو دولار يُسرق من أولئك الذين يعملون جاهدين من أجل مستقبل أفضل"، وحذر من المخاطر المترتبة على إساءة استخدام التكنولوجيات الناشئة، موضحاً أن "التكنولوجيات الناشئة، كالذكاء الاصطناعي، يمكن أن تسـرّع وتيرة الفساد، ولكنها قادرة أيضاً على مساعدتنا في كشف الفساد ومنعه. إلا أن ذلك يتطلب تنظيماً ومساءلة"، ودعا إلى تضافر جهود الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني، مشيراً إلى أن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد توفر إطاراً متكاملاً لهذا التعاون.
من جانبه، أكد رئيس هيئة الرقابة الإدارية والشفافية في قطر ورئيس الدورة الحادية عشرة للمؤتمر حمد بن ناصر المسند أن استضافة قطر لهذه الدورة "تجدد الالتزام الجماعي بمكافحة الفساد، وبحث السبلِ الكفيلة بتعزيز النزاهة وترسيخ الشفافية، وتوسيع آفاق التعاونِ الدولي في هذا المجالِ الحيوي"، وقال في كلمته خلال الجلسة الافتتاحية إن المؤتمر "يمثل منبراً أساسياً للتواصل وتبادل الخبرات ومواصلة حشد الجهود لمكافحة الفساد على المستوى العالمي".
وأوضح أن استضافة بلاده للمؤتمر تنطلق من قناعة راسخة بأن مكافحة الفساد "ركيزة أساسية لتحقيق رؤية قطر الوطنية 2030 القائمة على التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية المتوازنة"، لافتاً إلى أن الدولة عملت خلال السنوات الماضية على تحديث تشريعاتها، وتعزيز استقلالية الأجهزة الرقابية، وتطوير آليات الشفافية في المشتريات العامة، "بما يحد من فرص إساءة استخدام المال العام ويعزز ثقة المستثمرين".
وثمّن المسند انضمام دولتي "سانت كيتس ونيفيس" و"سان مارينو" إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في عامي 2024 و2025، ليصل عدد الدول الأطراف في الاتفاقية إلى 192 دولة، داعياً باقي الدول إلى الانضمام إليها، وأشار إلى أن الدورات السابقة للمؤتمر ساهمت في تحقيق إنجازات ملموسة رسخت ثقافة الشفافية وأتاحت تبادل أفضل الممارسات، موضحاً أن أبرز التوصيات التي أسفرت عنها تلك الدورات تعلقت بالوقاية، وتجريم الأفعال المرتبطة بالفساد، واسترداد الأصول، وتيسير المساعدة القانونية المتبادلة.
وشدد المسؤول القطري على أهمية التمسك بالمبادئ التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول، والمساواة في الحقوق، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، موضحاً أن هذه المبادئ تتسق مع ما أكدته المادة الأولى من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، التي تنص بوضوح على "تعزيز التدابير الرامية إلى منع الفساد ومكافحته، وتعزيز التعاون الدولي والمساعدة التقنية، وترسيخ النزاهة والمساءلة، والإدارة السليمة للشؤون العامة"، ولفت إلى أن هذه الأهداف ستحظى بالأولوية على جدول أعمال المؤتمر، "بهدف رسمِ ملامحِ المرحلةِ المقبلةِ من مسيرة الاتفاقية ومستقبلها".
وشهدت الجلسة الافتتاحية تسلّم قطر رسمياً رئاسة الدورة الحادية عشرة لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وانتُخب حمد بن ناصر المسند رئيساً للدورة بالتزكية خلفاً لكريستين كلاين، رئيسة الدورة العاشرة من الولايات المتحدة، كما جرى انتخاب أعضاء المكتب الخاص بالدورة الحالية بالتزكية لتولي مناصب نواب الرئيس، وهم: نيمي عزيز، الممثل الدائم لجمهورية تنزانيا في مكتب الأمم المتحدة في فيينا، وروفشان صادقبيلي، الممثل الدائم لأذربيجان لدى مكتب الأمم المتحدة في فيينا، و سيزار أوغوستو، الممثل المناوب للبرازيل الاتحادية لدى مكتب الأمم المتحدة في فيينا، فيما انتُخب خوسيه ماريا فاستيدا، مستشار البعثة الدائمة لإسبانيا في مكتب الأمم المتحدة في فيينا، مقرراً، كما أُقر جدول الأعمال المقترح وجرت المصادقة عليه.
وتخلل الجلسة عرض فيديو استعرض جهود قطر في مجالات مكافحة الفساد، والتزامها الراسخ بدعم الجهود الدولية في هذا الإطار، من خلال تعزيز العمل متعدد الأطراف وتهيئة بيئة عالمية قائمة على قيم العدالة والنزاهة والمساواة. كما شهدت الجلسة الإعلان عن تدشين الاستراتيجية الوطنية لتعزيز النزاهة والشفافية والوقاية من الفساد للأعوام 2025 – 2030، تكريساً لنهج الدولة في مكافحة الفساد وانسجاماً مع رؤية قطر الوطنية 2030.
من جانبها، شددت رئيسة الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة أنالينا بيربوك، في كلمة مسجلة عبر تقنية الفيديو، على "الواجب المشترك" للمجتمع الدولي في منع الفساد والقضاء عليه ومحاربة "الجريمة التي تخلف ضحايا في كل مكان"، وقالت إن "الفساد ليس جريمة مجردة أو بلا ضحايا، بل له عواقب حقيقية وملموسة على الناس"، وأكدت أن "منع الفساد والقضاء عليه في نهاية المطاف يعتبر واجباً مشتركاً، والجميع مدينون لأولئك الذين تخدمهم المنظمات والمؤسسات المعنية".
ويبحث المؤتمر، الذي يستمر خمسة أيام في الدوحة، تقارير الدول الأطراف حول تنفيذ أحكام الاتفاقية في مجالات التجريم وإنفاذ القانون والتعاون الدولي واسترداد الأصول والوقاية والمساعدة الفنية. كما يعرض مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة سلسلة من الوثائق التحليلية حول التقدم المحرز في تنفيذ القرارات السابقة الصادرة عن دورات المؤتمر الماضية، إلى جانب حزمة من المبادرات والأدوات الداعمة لجهود الدول في بناء مؤسسات خاضعة للمساءلة والحد من فرص تفشي الفساد.
وتتركز مشاريع القرارات المطروحة على المؤتمر حول دور الذكاء الاصطناعي في منع الفساد ومكافحته، وتعزيز سلامة الأطفال والشباب، وتحسين الشفافية في تمويل الأحزاب السياسية والحملات الانتخابية، ودور الفساد في تسهيل جرائم أخرى مثل تهريب المهاجرين والجرائم التي تؤثر على البيئة، وغيرها من الموضوعات ذات الصلة.
وتُعد اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد الصك العالمي الوحيد الملزم قانوناً في مجال مكافحة الفساد، وقد دخلت حيز النفاذ في ديسمبر/كانون الأول 2005، وانضمت إليها حتى الآن 192 دولة طرفاً، تلتزم بموجبها بمنع الفساد وتجريمه، وتعزيز التعاون الدولي، واسترداد الأصول المسروقة وإعادتها، وتحسين المساعدة التقنية وتبادل المعلومات في القطاعين العام والخاص. ومن خلال آلية استعراض تنفيذ الاتفاقية، وافقت الدول الأطراف على تقييم دوري لمدى وفائها بالتزاماتها، حيث ساعدت آلية المراجعة المستقلة منذ عام 2010 نحو 146 دولة على تحديث أو استحداث قوانين وسياسات جديدة لمكافحة الفساد.
ويُعتبر مؤتمر الدول الأطراف الهيئة الرئيسية لصنع القرار في إطار الاتفاقية، ويُعقد كل عامين لدعم الدول في تنفيذ التزاماتها واعتماد سياسات تُشكّل ملامح الجهود العالمية لمكافحة الفساد، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى مقاربات شاملة تربط بين النزاهة والتنمية المستدامة والأمن والسلم الدوليين.