غموض موقف المحاكم الشرعية الإسلامية في قانون روسيا العلماني

03 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:00 (توقيت القدس)
المحاكم الإسلامية منتشرة في جمهورية إنغوشيا، 9 أكتوبر 2018 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- منذ القرن العشرين، كانت المحاكم الشرعية موجودة في شمال القوقاز الروسي، وأعيد إحياؤها بعد تفكك الاتحاد السوفييتي لتعمل ضمن القوانين الفيدرالية، وحققت انتشاراً في الشيشان وإنغوشيا.
- تسعى الشيشان لتعزيز مكانتها في العالمين العربي والإسلامي بافتتاح فرع للمحكمة العربية للتحكيم، ومع تزايد عدد المسلمين في روسيا، يُتوقع دمج ممارسات المحاكم الشرعية ضمن النظام القضائي المدني.
- تعمل المحاكم الشرعية في "منطقة رمادية" قانونياً لتسوية الخلافات بين المسلمين، ومع تزايد عدد المسلمين والانفتاح الاقتصادي، يُتوقع أن تلعب دوراً أكبر مستقبلاً.

تحتضن منطقة شمال القوقاز الروسي ذات الأغلبية المسلمة محاكم شرعية منذ بداية القرن العشرين، واستمر وجودها حتى الأعوام الأولى من قيام الاتحاد السوفييتي في أعقاب الثورة البلشفية في عام 1917، لكن السلطات السوفييتية التي أشهرت الإلحاد في الأيديولوجيا الرسمية للدولة باشرت منذ عشرينيات القرن الماضي إغلاق هذه المحاكم تدريجياً.

وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي، ثابر المسلمون في جمهوريات شمال القوقاز على إعادة إحياء المحاكم التي تستند إلى مبادئ الشريعة الإسلامية، وأنشئت عشرات منها للبت في قضايا المسلمين في حدود لا تتعارض مع القوانين الفيدرالية للدولة الروسية وطابعها العلماني.

حققت المحاكم الشرعية انتشاراً واسعاً كاد أن يصل إلى إضفاء طابع رسمي عليها في جمهورية الشيشان التي عاشت نزعة انفصالية في تسعينيات القرن الماضي، وأطلق قادتها حينها على إقليمهم تسمية "جمهورية إشكيريا الإسلامية"، وجزئياً في جمهورية إنغوشيا المجاورة. 

اليوم، أصبحت الشيشان التي تدين بالولاء للكرملين وحزب "روسيا الموحدة" الحاكم، وجهاً مهماً لروسيا أمام العالمين العربي والإسلامي، وهي تعتزم افتتاح فرع للمحكمة العربية للتحكيم، كما زار وفد شيشاني رفيع ضم آدم قديروف، وهو نجل حاكم الشيشان، رمضان قديروف، مقر المحكمة في القاهرة في فبراير/شباط الماضي. 

ومع تزايد عدد المسلمين في روسيا عاماً بعد عام، واعتماد الصيرفة الإسلامية في نظام تجريبي، والانفتاح المتزايد على العالم العربي، يُتوقع اعتماد بعض ممارسات المحاكم الشرعية ضمن المنظومة القضائية المدنية. ومن العوامل التي تعزز هذا الاحتمال أن القانون الروسي يسمح بإنشاء محاكم تحكيم لتسوية النزاعات، شرط لجوء الأطراف المعنية إليها بإرادتها، وألا تكون جزءاً من المنظومة القضائية للدولة. 

تتحدث الباحثة بقسم الدراسات الاقتصادية بمعهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية، إلميرا إيمانكولييفا، لـ"العربي الجديد"، عن كون المحاكم الشرعية تقع ضمن المنطقة الغامضة من القانون الروسي، وتقول: "المحاكم الإسلامية موجودة في روسيا منذ فترة طويلة، وتقع ضمن المنطقة الرمادية من وجهة نظر القانون. في المرحلة الراهنة، تشكل هذه المحاكم وسيلة لتسوية الخلافات الاجتماعية والدينية التي لا تقع ضمن اختصاص المحاكم المدنية في ظل الطابع العلماني للدولة".

قد تُعتمد قرارات للمحاكم الشرعية ضمن منظومة القضاء المدني الروسي، 9 أكتوبر 2018 (فرانس برس)
قد تُعتمد قرارات المحاكم الشرعية ضمن منظومة القضاء الروسي، 9 أكتوبر 2018 (فرانس برس)

وفي شأن رؤيتها لآفاق المحاكم الشرعية والتحكيم الإسلامي في روسيا على ضوء الانفتاح على العالم الإسلامي، تقول إلميرا: "هناك آفاق رحبة للتحكيم الإسلامي في روسيا في ظل تجربة الصيرفة الإسلامية التي اعتمدها عدد من الأقاليم الروسية ذات الغالبية المسلمة، وما يترتب عليها حتماً من خلافات بين المتعاملين قد تتدخل هذه المحاكم لتسويتها، أو تُعتمد ممارسات ضمن المنظومة القضائية القائمة حالياً لتجنّب الازدواج القانوني".

وفي وقت سابق من العام الجاري، قررت السلطات المالية الروسية تمديد تجربة الصيرفة الإسلامية القائمة على الشراكة في التمويل ثلاث سنوات أخرى حتى سبتمبر/أيلول 2028، ما يعكس الرهان على الآفاق طويلة الأجل للقطاع في ظل تنامي عدد المسلمين في البلاد والذي يقدر بنحو 20 مليوناً، إضافة إلى انفتاح موسكو على الشراكة الاقتصادية مع بلدان العالم الإسلامي، وعلى رأسها دول الخليج.

وفي ما يتعلق بدور المحاكم الشرعية في الحياة اليومية لمسلمي روسيا، يرى الخبير في المجلس الروسي للشؤون الدولية، المستشرق كيريل سيميونوف، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "وجود مثل هذه المحاكم في حد ذاته لا يتعارض مع الطابع العلماني للدولة، وهي غير رسمية تبت القضايا بين المسلمين حصراً وبموافقتهم هم في المسائل، مثل عقود النكاح وإنهائها، في حدود لا تتعارض مع أحكام القوانين العلمانية الروسية، من هنا لا ازدواجية قانونية".

يتابع: "يكتفي مثلاً مسلمون بإبرام عقود النكاح من دون تسجيل الزواج في إدارة الأحوال المدنية، لذا يكون الطلاق عبر إنهاء عقد النكاح أيضاً من دون اللجوء إلى المحاكم المدنية ما لم تنشب خلافات جسيمة. وفي حال نشبت يمكن للأطراف أن تلجأ إلى المحاكم المدنية التي ستعلو أحكامها فوق قرارات المحاكم الشرعية".

ويعتبر الإسلام ثاني أكثر ديانة انتشاراً في روسيا بعد المسيحية الأرثوذكسية، في حين تتركز غالبية المسلمين في جمهوريات شمال القوقاز وجمهوريتي تتارستان وبشكيريا، فضلاً عن موسكو التي يقطنها ما لا يقل عن مليوني مسلم، من بينهم مغتربون أجانب وعمال وافدون من الجمهوريات السوفييتية السابقة في آسيا الوسطى.

المساهمون