استمع إلى الملخص
- أثار ارتفاع الأسعار جدلاً في البرلمان المغربي، حيث يُعتبر عبئاً على المرضى مع غياب التعويضات للأدوية الأساسية. يُنفق المواطن المغربي حوالي 500 درهم سنوياً على الأدوية، وهو مبلغ ضئيل مقارنة بالدول الأوروبية.
- يُطالب المرصد المغربي بفتح تحقيق حول أسباب الزيادات في الأسعار، وتشجيع الدواء الجنيس، وضمان دعم خاص للأدوية الموجهة للأمراض المزمنة، مؤكداً على حق المواطن في الدواء كالتزام قانوني وأخلاقي.
تُبدي عائلات مرضى وجمعيات مدنية وحقوقية في المغرب قلقها من ارتفاع أسعار الأدوية الذي يزيد الضغط على القدرة الشرائية للمرضى، بخاصّة أولئك المصابين بأمراض مزمنة، والذين اضطرّ عددٌ منهم إلى إيقاف علاجات مصيرية للحفاظ على حياتهم.
يقول المغربي مصطفى الخلفاوي، وهو شقيق مريض بالسرطان، لـ"العربي الجديد": "أنا قلق على مصير شقيقي منير بعدما أصبحت فرصه في الشفاء رهن الوضع المادي، وليس التشخيص الطبي فحسب، والأسرة تواجه وضعاً صعباً بسبب غياب دواء أساسي عن قائمة التعويضات التي يغطيها التأمين الصحي، ما اضطر الأسرة إلى الاستدانة خلال الأشهر الماضية لشراء دواء كيترودا، أحد العلاجات المناعية الرائدة عالمياً في مكافحة السرطان، والذي لا يزال خارج قائمة الأدوية التي تعوضها مؤسسات التأمين الصحي في المغرب، رغم اعتماده في العديد من الدول المتقدمة".
يضيف: "بعدما أثقلت الديون كاهلها اضطرت أسرتي إلى وقف علاج شقيقي بسبب العجز عن توفير ثمن الجرعة الواحدة من كيترودا، وثمنها نحو 50 ألف درهم (5 آلاف دولار)، علماً أن المرضى يحتاجون غالباً إلى جرعات منتظمة شهرية أو شبه شهرية. وحياته الآن مهدّدة".
وكان ملف الأدوية أثار الجدل مجدداً ضمن مناقشة البرلمان مشروع مالية 2026، خاصة في ما يتعلق بمسألة ارتفاع في السوق المحلية بعد خفض الرسوم الجمركية عند الاستيراد. وتظهر خطورة الوضع خصوصاً في حالة الأمراض المزمنة، إذ يمكن أن تصل فاتورة العلاج السنوية إلى مئات الآلاف، ما يشكل عبئاً ثقيلاً على المرضى، خاصة عندما تكون الأدوية غير قابلة للتعويض.
ويعكس حجم إنفاق المغاربة الضئيل على شراء الأدوية الصعوبات التي يواجهونها في الحصول الدواء، إذ لا يتعدى معدل ما ينفقه المواطن المغربي على الأدوية 500 درهم (50 دولاراً)، بينما يتجاوز المعدل ثلاثة آلاف درهم (300 دولار) في بلدان أوروبية.
وكان لافتاً إبداء المرصد المغربي لحماية المستهلك (غير حكومي) قلقه العميق من الزيادات المتتالية التي مسّت عدداً من الأدوية الأساسية المتداولة، محذراً من انعكاسات هذه الزيادات على القدرة الشرائية للمرضى، خصوصاً المصابين بأمراض مزمنة مثل السكري وضغط الدم وأمراض القلب والربو. واعتبر المرصد، أن "موجة الغلاء أفرزت وضعاً يمسّ الحق الدستوري في الوصول إلى العلاج، مع اضطراب واضح داخل سوق الأدوية يتمثل في تفاوت غير مبرّر في الأسعار بين الصيدليات، وتأخر إصدار لوائح رسمية معتمدة، ما يضع المستهلك أمام أوضاع غير واضحة، ويعرقل التأكد من الأسعار القانونية".
وطالب المرصد بفتح تحقيق شفاف يكشف أسباب الزيادات، سواءً كانت مرتبطة بكلفة الإنتاج أو الاستيراد أو منظومة التوزيع، وشدد على أن "الدواء مادة استراتيجية لا ينبغي أن تخضع لمضاربات أو حسابات ضيقة للربح، وأي ارتفاع غير مبرر في أسعارها يهدّد مباشرة الأمن الصحي وحياة المواطنين".
يقول رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان (تنظيم حقوقي مستقل) عادل تشيكيطو، لـ"العربي الجديد": "تواصل الزيادات المتتالية في أسعار الأدوية ضرب القدرة الشرائية للمواطنين في العمق، وتحوّلت إلى عائق مباشر أمام ولوج فئات واسعة إلى حقهم الدستوري في العلاج".
ويوضح أنه "حين يصبح اقتناء دواء أساسي، خاصة لعلاج مرض مزمن، مهمة شبه مستحيلة، يعني ذلك عملياً أن السياسات الدوائية لا تراعي العدالة الاجتماعية، ولا تضع صحة الإنسان في صلب أولوياتها، وارتفاع الأسعار يمسّ حياة مواطنين يحتاجون إلى علاجات يومية كي يضمنوا استمرار عيشهم بكرامة". يتابع: "يظهر الوضع الأكثر خطورة لدى المصابين بأمراض مزمنة، مثل السرطان وارتفاع الضغط والقلب والربو، إذ تتحوّل كلفة العلاج إلى عبء خانق يدفع كثيرين إلى الاقتراض، أو التخلي عن جزء من العلاج أو اللجوء إلى بدائل أقل فعالية. وهذه الممارسات تنسف مبدأ المساواة في الوصول إلى الدواء، وتخلق واقعاً طبقياً صحياً لا يليق بدولة التزمت دستورياً ودولياً بحق كل فرد في حماية صحته من دون تمييز أو تميز".
ويضيف تشيكيطو: "من زاوية حقوقية يعتبر ترك الأسعار ترتفع من دون تطبيق آليات صارمة للضبط والمراقبة تجاهلاً مباشراً لمسؤولية الدولة في ضمان الأمن الدوائي، ويفتح الباب أمام اختلالات خطيرة في سوق الأدوية، كما أنّ غياب الشفافية في تحديد الأسعار، وضعف مراقبة سلسلة الإنتاج والتوزيع، يخلقان بيئة تسمح بالاحتكار ورفع الأسعار على نحوٍ لا يستند إلى منطق اقتصادي عادل، ولا إلى اعتبارات اجتماعية وإنسانية".
ويوضح أن "حقّ المواطن في الدواء ليس امتيازاً ولا منّة، بل التزام قانوني وأخلاقي للسلطات التي يفترض أن تتدخل عاجلاً للحدّ من موجة الغلاء، ومراجعة سياسة التسعير، وتشجيع الدواء الجنيس، وضمان توفير دعم خاص للأدوية الموجهة للأمراض المزمنة والخطيرة. الصحة ليست مجالاً للمضاربة، ووضع الربح فوق حياة الإنسان غير عادل، ويتناقض مع جوهر دولة الحقوق والواجبات".