غزة تحتفل بصمت: أفراح مؤجّلة تعود بلا صخب

07 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 14:42 (توقيت القدس)
زغاريد نساء وفتيات فلسطينيات في حفل زفاف جماعي جنوب غزة، 2 ديسمبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- عادت الأفراح إلى غزة كتعبير عن التحدي والإصرار على الحياة رغم الفقد والدمار، حيث تُنظم بشكل بسيط ومحدود بسبب الظروف الاقتصادية ودمار البنية التحتية.
- تغيرت مراسم الأفراح بشكل كبير بعد تدمير الاحتلال للمنشآت السياحية وصالات الأفراح، حيث تُقام داخل البيوت أو قاعات صغيرة مع إلغاء بعض التقاليد.
- يصر الغزيون على الاحتفال بالزواج كرمز للأمل والاستمرار، مؤكدين أن الحياة تستمر رغم الصعوبات وأن الحرب لم تنجح في سرقة الأمل منهم.

عادت الأفراح إلى غزة، خجولة وحذِرة، كأنها تعتذر من الحزن العام الذي يخيّم على المكان، بصيغة مختلفة تماماً، تليق بمدينة مثقلة بالفقد والركام، بعد حرب إسرائيلية أودت بحياة عشرات الآلاف ودمرت معظم أحياء القطاع.

وجاءت الأفراح بعد أشهر طويلة من التأجيل القسري، فرضته الحرب وحالة الخطر الدائم، والنزوح المتكرر، وانعدام الاستقرار، ما نجم عنه تعليق أحلام كثير من العائلات أحلام أبنائها بالزواج على أمل أن "تمر الأيام الثقيلة أولاً"، وحين مرت، تركت خلفها واقعاً أقسى، جعل الفرح نفسه فعل تحد وإصرار أكثر منه احتفالاً.

وتنظم معظم الأعراس ضمن حدود ضيقة جداً، في وقت لا يزال فيه عشرات الآلاف يعيشون داخل مخيمات النزوح والخيام المهترئة، ويصارعون من أجل الحد الأدنى من الحياة، لذلك، يبدو الفرح محاطاً بأسئلة أخلاقية وإنسانية: "كيف نحتفل وآخرون بلا مأوى؟ كيف نرفع الصوت بالموسيقى فيما الحزن لم يغادر البيوت؟ كيف نفرح وما زالت جثامين الشهداء تحت الأنقاض؟".

يقول الشاب أحمد صبح (27 عاماً) لـ "العربي الجديد"، إنه اضطر إلى تأجيل حفل زفافه أكثر من عامين بسبب الحرب والنزوح: "كنا نحلم بفرح كبير مثل باقي الناس، لكن الحرب أخذت كل شيء". ويتابع صبح، "فقدنا البيت، وخسرنا مصدر الدخل، وتأجل العرس مرة تلو الأخرى، في النهاية قررنا إقامة الفرح في إطار ضيق داخل بيت أحد الأقارب، وقمنا بدعوة أقرب الناس فقط، بدون مظاهر، بدون صخب، كان الفرح بسيطاً، لكنه مهم بالنسبة لنا، لأنه يحمل رسالة أننا ما زلنا متمسكين بالحياة رغم كل المرارة والفقد".

التحول الأكبر طاول شكل الأفراح ومراسمها أيضاً. قبل الحرب كانت الأعراس في غزة مناسبات اجتماعية كبرى، تبدأ بحفلات الخطوبة والإشهار، مروراً بـ "الفدعوس" الشعبي وهو طقس موسيقي تعزف فيه مختلف أنواع الأغاني القديمة والحديثة والشعبية، ثم حفل الشباب في الشارع، وصولاً إلى ليلة الزفاف في الفنادق والصالات الفاخرة، وتسبقها ولائم غداء تضم العائلة والأقارب والجيران والمعارف، في مشهد يعكس الترابط الاجتماعي والقدرة على الفرح الجماعي.

أما اليوم، فقد تغير كل شيء بعد تدمير الاحتلال لنحو 93% من الفنادق والمنشآت السياحية وصالات الأفراح، وصارت الاحتفالات تقام داخل البيوت، أو في قاعات صغيرة متواضعة، إن وجدت، وتقلصت قوائم المدعوين إلى أقرب المقربين، وألغيت في معظم الحالات ولائم الطعام التي كانت تسبق الفرح، بسبب الغلاء الشديد وارتفاع أسعار كل شيء، من أبسط المواد الغذائية إلى مستلزمات الحياة اليومية.

ويؤكد العريس الفلسطيني صبحي يونس (25 عاماً)، أن قرار إقامة الفرح جاء بعد صراع طويل مع الواقع، حيث "فرضت الحرب شعوراً قاسياً، وهو أن الفرح بات مسؤولية ثقيلة، خصوصاً أن الناس حولنا بين شهيد ونازح". ويبين يونس لـ "العربي الجديد" أن الفرح كان سيقام قبل عدة شهور، لكن الإخلاء الأخير لمدينة غزة سبّب تأجيله، وقد سبق ذاك التأجيل عدة تأجيلات بسبب الأحداث وفقدان أشخاص من العائلة. ويضيف يونس "بعد التأجيل لأكثر من مرة، قمنا بتنطيم الفرح في منتصف شهر يناير/ كانون الثاني الماضي، في نطاق ضيق بدون حفل شباب وبلا ولائم، اكتفينا بقراءة الفاتحة وتجمع عائلي بسيط وعقد القران".

واختفت حفلات الشباب التي كانت تنظم في الشوارع ويحييها فنانون شعبيون، ولم يبق منها سوى محاولات محدودة تقام في نطاق ضيق وبصوت خافت، احتراماً للواقع العام، وخوفاً من نظرات العتب التي قد يفرضها الألم الجماعي.

ورغم كل هذا التغيير، يصر الغزيون على الفرح، ولو بالحد الأدنى، ليس لأن الواقع سهل، بل قاس إلى درجة تجعل التمسك بالحياة ضرورة. كثير من العرسان لا يملكون بيوتاً آمنة يبدؤون فيها حياتهم، بعد تدمير منازلهم، فيما خسر آخرون مصادر دخلهم بالكامل، فيما لا تزال الأحزان مفتوحة على فقد الأحباب والشهداء.

من جانبه، يقول الفلسطيني رضا أُعرب وهو والد العريس محمد، إنه يشعر بحزن ممزوج بالأمل: "كنت أتمنى أن أرى ابني في فرح كبير يليق به مثل باقي إخوانه، وكما اعتدنا في السابق، لكن الواقع تغير، وغزة كلها تغيرت". ويشير أُعرب، في حديثه لـ "العربي الجديد"، إلى أن الفرح في غزة بات خجولاً ومحدوداً، كأنه يستأذن الحزن قبل أن يعلن نفسه، مضيفاً: "قررنا إقامة فرح بسيط احتراماً لوجع الناس، ولأن الظروف الاقتصادية لا تسمح بأكثر من ذلك، ومع هذا، فإن مجرد أن يبدأ ابني حياته رغم كل هذا الدمار يعد فرحاً بحد ذاته، ورسالة واضحة بأن الحرب لم تنجح في سرقة الأمل منا".

ولا يمكن اعتبار الفرح في غزة اليوم ترفاً، ولا مناسبة استعراضية، بل محاولة للقول إن الحياة لم تهزم بالكامل، إذ يتم تنظيم الأفراح بلا صخب، بلا إسراف، بلا اكتمال، لكنها تحمل عناد الناس، ورغبتهم في الاستمرار، ولو فوق الركام.