غزة بلا أماكن ترفيهية للأطفال وللأسر.. الخراب في كل مكان
استمع إلى الملخص
- يعاني السكان من ضغوط نفسية واجتماعية كبيرة، خاصة الأطفال الذين يفتقدون أماكن لتفريغ طاقاتهم، مما يزيد من القلق والتوتر ويضعف الروابط الاجتماعية.
- البحث عن متنفس في ظل الظروف القاسية يصبح ضرورة ملحة، حيث يضاعف غياب المساحات الترفيهية التحديات اليومية ويجعل الأمل في تحسين الوضع ضرورة للحفاظ على الروح المعنوية.
تعد فكرة الترفيه في قطاع غزة ترفاً بعيد المنال، حيث السماء تضيق بالدخان المتصاعد من نار الخشب والحطب وغبار الركام، بينما تكتظ الشوارع بالأنقاض، بلا أماكن ترفيهية أو متنزهات أو حدائق ومساحات خضراء واسعة تحتضن ضحكات الأطفال وشقاوتهم.
ويجد أهالي غزة أنفسهم محاصرين بمشاهد الخراب الممتد والدمار وأكوام الأنقاض والعمارات التي تحولت إلى ركام والمباني المدمرة التي صارت جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي، فيما تحولت الساحات العامة إلى بقايا أحلام مهجورة.
ووسط كل مشاهد الدمار والخراب لا يجد الغزيين أماكن ترفيهية أو مريحة يمكن أن يهربوا إليها بحثاً عن قسط من الهدوء الذي من شأنه تخفيف حدة التراكمات الكارثية للعدوان الإسرائيلي على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والصحي والنفسي والبيئي والإنساني ومن قساوة النزوح القسري.
وقبل أن يسطو الدمار على تفاصيل المدينة، كانت هناك أماكن قليلة يحاول الناس التمسك بها باعتبارها متنفساً أخيراً، مثل الكورنيش والاستراحات البحرية أو المطاعم وردهات المولات والكافيهات والمتنزهات المجانية والمدفوعة وصالات الألعاب، والتي تم قصفها وتجريفها أو حرقها وتحويلها إلى أثر قبيح.
الحياة في غزة دوامة من الضغط
ولم يعد في مدينة غزة مما يمكن وصفه بـ "المكان العام"، بعد تدمير المراكز الثقافية مثل مركز رشاد الشوا ومكتبة البلدية ومركز إسعاد الطفولة، وتحويل مركز طفولة آخر كان يكتظ بالألوان إلى مقر للدفاع المدني، كذلك حديقة الجندي المجهول التي تبدلت من مساحة خضراء إلى كومة من الرمل والردم. وتنحصر مهام الناس اليومية في محاولات ترميم بيوتهم، أو ترقيع خيامهم المهترئة درءاً للبرد والمطر، أو توفير الماء والطعام ووسائل التدفئة والطهي، أما الأطفال فقد أصبحوا يلهون فوق الركام، ويختلقون ألعاباً من لا شيء.
ويقول العشريني أدهم الأشقر إن الحياة في قطاع غزة أصبحت أشبه بدوامة من الضغط، في ظل انعدام أي متنفس حقيقي يمكن الهروب إليه من الواقع الصعب، "كنا في السابق نجتمع داخل كافيه أو استراحة ونلعب أوراق الشدة ونتصفح الإنترنت، لكن الحرب دمرت حتى روتين حياتنا المعتاد". ويضيف "كنت أتمنى أن أرى الحدائق العامة أو الأندية الرياضية سليمة، لكن للأسف، حتى الشوارع أصبحت ممتلئة بالركام، والمشي في المدينة نفسها صار مؤلماً نفسياً، ما يضطرني إلى قضاء أغلب الوقت في البيت ومحاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه".
وعن تأثير تلك المشاهد على حالته النفسية يوضح الأشقر لـ "العربي الجديد" أنه يشعر وكأنه محاصر بدون أسوار، حيث يسبّب اختفاء الأماكن الترفيهية والأماكن التي يمكن أن يجتمع فيها مع أصدقائه شعوراً دائماً بالضيق.
أما الفلسطيني عبد الرزاق الدهشان (35 عاماً)، وهو أب لثلاثة أطفال فيجد صعوبة كبيرة في التعامل مع أطفاله في ظل عدم وجود أماكن ترفيهية وتدمير الحدائق العامة والصغيرة، خاصة في ظل حاجتهم إلى اللعب والركض والانطلاق والشعور بالحرية.
ويبين الدهشان لـ "العربي الجديد" أنه يمنع أطفاله حتى من الخروج للشارع، المليء بالأنقاض والزجاج المحطم وأسياخ الحديد والحجارة المتناثرة، بينما يقتصر لعبهم داخل البيت، وهو أمر يشعره بالخوف الدائم من إصابتهم أو تأثرهم نفسياً بمحيطهم المدمر، خصوصاً مع إغلاق المدارس ورياض الأطفال.
ويعتقد الدهشان أن محاصرة الأطفال بالركام ومشاهد الدمار بدأ بالتأثير على حالتهم النفسية والسلوكية، حيث أصبح ابنه البكر محمد (9 أعوام) أكثر عصبية وانطوائية، ولم يعد يمازح إخوته الصغار كما كان من قبل، ويضيف "أشعر أن طفولتهم تسرق منهم أمام عيني".
ويقول الطالب في المرحلة الإعدادية هيثم كالي إنه يقضي وقته داخل الخيمة المجاورة لمنزلهم المدمر، أو في تفقد المنطقة التي تغيرت معالمها نتيجة القصف الإسرائيلي الذي دمر كل شيء، حتى المقهى الصغير على ناصية شارعهم.
ويوضح كالي لـ "العربي الجديد" أن القصف الإسرائيلي دمر كل شيء جميل، حتى إن مدرسته تعرضت لأضرار كبيرة بفعل القصف، إلى جانب خراب مرافقها واتساخها نتيجة تكدس النازحين فيها، ويقول "أشعر أنني أكبر قبل أواني، لا يوجد شيء يجعلنا نشعر بأننا أطفال أو حتى مراهقين".
في الإطار، يبين المرشد النفسي والاجتماعي خليل الراعي أن مشاهد الدمار الممتد على طول البصر تزيد من التأثيرات النفسية، وترسخ في الأذهان مشاعر الفقدان واليأس، مما يزيد من معدلات الاكتئاب والاضطرابات النفسية.
ويلفت الراعي لـ "العربي الجديد" أن غياب الأماكن الترفيهية يحرم السكان، خاصة الأطفال، من تفريغ طاقاتهم السلبية، مما يؤدي إلى تفاقم القلق والتوتر، كما يساهم العيش في بيئة مليئة بالدمار بصعوبة نسيان التجارب الصادمة، مما يؤدي إلى استرجاع دائم للذكريات المؤلمة.
ويوضح أن الأطفال الذين عاشوا وسط الدمار أكثر عرضة لنوبات الهلع والخوف المستمر، بينما يؤدي استمرار التعرض لمشاهد الخراب إلى نوع من التبلد العاطفي، حيث يصبح الألم والدمار أمراً معتاداً، كما تعزز قلة أماكن اللقاء الاجتماعي العزلة الاجتماعية.
ويشير الراعي إلى أن غياب الأماكن العامة يمنع العائلات والأصدقاء من الالتقاء والاستمتاع بوقت جماعي، مما يضعف الروابط الاجتماعية، فيما تزيد حالات العنف مع قلة وسائل الترفيه وفرص التنفيس عن الضغوط خاصة بين فئة الشباب، كما ترتفع مستويات التوتر بسبب البيئة المحبطة ومشاهد الخراب.
ويحول انتشار الركام في كل مكان، وغياب المساحات الترفيهية غزة إلى بيئة خانقة نفسياً واجتماعياً، مما يضاعف التحديات التي تواجه السكان يومياً، فيما يصبح البحث عن متنفس ضرورة لا تقل أهمية عن الاحتياجات الأساسية الأخرى.
ولا يحتاج الأمر إلى الكثير من البحث في قطاع غزة لتجد أن الركام هو القاسم المشترك، حيث يفرض حضوره القاسي في كل زاوية من زوايا المشهد، كأن المدينة تعيش في ذاكرة الدمار أكثر مما تعيش في حاضرها، فيما تبقى الأرواح معلقة ببصيص من الأمل.