غزة: الشفاء من كورونا لا يمنع التمييز

27 أكتوبر 2020
الصورة
خوف من الفيروس في غزة (محمد الحجار)
+ الخط -

تنتشر معتقدات خاطئة حول فيروس كورونا الجديد في غزة، وهو ما يجعل معاناة الناجين من المرض مضاعفة، إذ يقعون بعد رحلة علاجهم القاسية ضحايا التمييز

منذ 24 أغسطس/ آب الماضي، يعيش الغزيون قلقاً عاماً، بعد انتشار عدوى فيروس كورونا الجديد بين السكان. ولا يكتفي المصاب بالفيروس في غزة بالأعراض المرضية فقط، بل ترافقها ضغوط نفسية ومجتمعية كبيرة لا سيما وقوعه ضحية التمييز، حتى بعد أن يتعافى.

أحمد رفعت (30 عاماً)، من مخيم جباليا، كان من المصابين منذ رابع يوم لانتشار الفيروس. التقط العدوى من رجل مسن في العائلة ربما انتقلت إليه العدوى هو بالذات عن طريق أحد المرضى العائدين من معبر إيرز، شمالي قطاع غزة. أصيب رفعت مع أربعة من أشقائه ووالدته. وحجر عليهم في ظروف قاسية، كما يوضح، لأنّ الطواقم الطبية لم تتعامل مع فئة المصابين من داخل المجتمع من قبل وكانوا من أوائل المصابين. في البداية انزعج من أسلوب تعامل طواقم الأمن والطواقم الطبية معهم، ودخل في ضائقة نفسية، وزاد الضيق أنّ والدته التي تبلغ ستين عاماً، مريضة سكري، وقد سمع كثيراً من الأخبار حول نسبة الخطورة المرتفعة جداً على كبار السنّ، كما أنّه يعلم أنّ القطاع الطبي في غزة ضعيف في الأساس، قبل انتشار الفيروس. 

الصورة
كمامات غزة4- محمد الحجار

يقول رفعت لـ"العربي الجديد": "شعرت بالأعراض قبل أن يعلن أنّ هناك إصابات بين السكان في قطاع غزة. كنت أعتقد أنّها أعراض أنفلونزا عادية. كانت أياماً صعبة جداً بعد معرفتي بالإصابة، إذ كانت غزة تتعرض للقصف حينها مع انقطاع في التيار الكهربائي يصل إلى 16 ساعة مقابل 4 ساعات تشغيل، وكلّ المقومات معدومة. شعرت للحظة أنّني أصارع الموت". لكن، بدأ رفعت يشعر بتحسن بعد 5 أيام من الحجر الصحي، وخرج بعد 16 يوماً من الحجر، فاطمأن على والدته التي تعافت هي الأخرى بعدما تلقت رعاية صحية خاصة، إذ وضعت تحت المراقبة وعلى جهاز تنفس اصطناعي. لكنّه انزعج من الناس الذين استمروا بتناقل الأخبار والإشاعات حول أضرار الإصابة بالمرض، إلى جانب كلّ الضغوط النفسية التي يتعرض لها أهالي غزة عموماً.
تعتبر التجمعات السكانية بؤر انتشار محتملة للفيروس، كما تشير الخرائط الوبائية التي أعلنت عنها وزارة الصحة في غزة، إذ لم يلتزم كثيرون بتقليص التزاور، خصوصاً في الأحياء التي يقيم فيها الأقارب من عائلة واحدة، في مدينة غزة.

الصورة
كمامات غزة3- محمد الحجار

لكن يحيى مصطفى (43 عاماً)، يعيش ظروفاً نفسية صعبة، إذ أصيب في منتصف سبتمبر/ أيلول الماضي بالفيروس في حيّ الشيخ رضوان، غربي مدينة غزة، ومكث 14 يوماً في الحجر الصحي الذي يصفه بالصعب جداً، وعانى من أعراض وآلام شديدة لأنّ مناعته ضعيفة، لكنه عندما خرج، لاحظ أنّ الناس يتجنبون الاقتراب منه والحديث معه، وشعر بأنّه يتعرض للتمييز بمعتقدات خاطئة عن الإصابة. لاحظ مصطفى أنّ البعض يتعامل معه على أنّه ناقل للعدوى حتى بعد شفائه، ومنهم من تأثر بالأخبار المضللة حول الفيروس المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي من دون مصادر، ومن بينها أنّ المريض السابق يخسر جزءاً من صحته، وتبقى الأعراض بعد شفائه من الفيروس. 
يقول مصطفى لـ"العربي الجديد "، إنّ "المصاب بكورونا في غزة يتعرض لعذاب شديد، إذ لا تتوفر أيّ مقومات للحياة أو الدعم النفسي. نخرج من سجن الحجر الصحي الذي هو داخل مدارس أصلاً، ونعود للحجر المجتمعي والحصار، وسجن الناس الذين ينظرون إليك نظرة سلبية. نحن لم نصل بعد إلى درجة تقبل المرض والتعايش معه، للأسف. نتعايش مع القصف الإسرائيلي لكن لم نتعايش بعد مع كورونا".

الصورة
كمامات غزة2- محمد الحجار

من جهتها، واجهت إيمان علي (28 عاماً)، ظروفاً أصعب، كونها نقلت الفيروس لأسرتها ووالدتها وشقيقها الأكبر، وشعرت في البداية بتأنيب ضمير كبير، ثم صدمت بواقع الحجر الصحي، ولاحظت رداءة الخدمات التي تقدم لهم، فاضطرت لنشر كثير من المنشورات عن الخدمة الطبية هناك، وسرعان ما استجابت الطواقم الطبية لها ولوالدتها التي كانت تشعر بضيق نفسي في كثير من الليالي. تشير إلى أنّ من الطبيعي أن يشعر المصاب بفيروس كورونا في غزة بهذا الضيق النفسي، في ظلّ مجتمع قابل للشائعات بشكل كبير، إلى جانب الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي بين الكبار والصغار، وعدم خصوصية المرضى، وهو ما ساهم في النظرة السلبية تجاه المصابين بالفيروس في غزة. 

وتتابع حديثها لـ"العربي الجديد": "أصبت بالفيروس في الأول من سبتمبر/ أيلول الماضي. كثير من المقومات كانت تنقص الطواقم الطبية، لأنّ الفيروس جاء بشكل مفاجئ كما يقولون. المصاب يعيش ضغطاً نفسياً منذ البداية ويتحول للأسف إلى جسدي، وهو ما لاحظته بنفسي لدى جميع من كانوا معي في الحجر الصحي، الذي أقيم في مدرسة".

المساهمون