عيد الميلاد في لبنان... بارقة أمل بإرساء السلام بعد زيارة البابا

بيروت

سارة مطر

سارة مطر
سارة مطر
صحافية لبنانية، متخصّصة في قضايا المجتمع وحقوق الإنسان والبيئة والصحافة العلمية، خبيرة إعلام وتواصل وعلاقات عامة منذ أكثر من 18 عاماً. من أسرة العربي الجديد.
25 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 27 ديسمبر 2025 - 01:02 (توقيت القدس)
3463456
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- زيارة البابا لاوون الرابع عشر للبنان خلال عيد الميلاد جلبت الأمل والرجاء للبنانيين وسط الأزمات المعيشية والخروقات الإسرائيلية، مما أضفى دفعة معنوية وأحيا فرحة العيد رغم الظروف الصعبة.

- في بلدة رميش الحدودية، يحاول السكان الحفاظ على أجواء العيد رغم الحرب الإسرائيلية المستمرة، حيث يتمسكون بالأمل ويسعون لدعم العائلات المحتاجة، رغم القلق من المستقبل المجهول وانعدام الأمن.

- اللبنانيون في مختلف المناطق يضفون الفرح والأمل رغم التحديات، مع التركيز على جوهر العيد من صلاة وتضامن، وزيارة البابا جددت الأمل في السلام والوحدة.

تختلف مظاهر عيد الميلاد في لبنان بين المناطق الآمنة نوعاً ما وتلك التي تقاسي الاستهدافات الإسرائيلية، غير أن معظم اللبنانيين يُجمعون على أن زيارة البابا أحيت الأمل بقيامة جديدة عنوانها السلام والاستقرار.

يتّسم عيد الميلاد في لبنان هذا العام برمزية خاصة، كونه يأتي عقب زيارة البابا لاوون الرابع عشر قبل أقل من شهر، وما حملته من نفحة أمل ورجاء في نفوس اللبنانيين على اختلاف أطيافهم وانتماءاتهم، ولا سيما مع استمرار الأزمة المعيشية والخروقات الإسرائيلية. واكتست أغلب القرى والمدن اللبنانية والأسواق والمحال التجارية بزينة العيد، وأُضيئت أشجار الميلاد ومعظم الشوارع والساحات العامة، كما انطلقت الصلوات والتراتيل، فضلاً عن الاحتفالات والأنشطة الترفيهية، في محاولة لإحياء فرحة العيد في قلوب الصغار والكبار.

وبينما تزدحم الشوارع والأسواق والساحات العامة في أكثر من منطقة، تختلف نكهة العيد بين اللبنانيين، باختلاف أوضاعهم. في بلدة رميش الحدودية مع فلسطين المحتلة، تحاول البلدية والمجموعات الشبابية والمجتمعية والحزبية خلق أجواء العيد من خلال تزيين الشوارع والساحات، وإقامة سوق ميلادي واحتفالات وعروض موسيقية، على الرغم من الظروف الصعبة الناجمة عن الحرب الإسرائيلية المستمرة في جنوب لبنان.

ويقول الناشط الاجتماعي داني كلاكش، إن رميش هي البلدة الوحيدة على طول الخط الأزرق التي لم يُهجّر سكانها خلال الحرب، من منطلق أن صمودهم يحمي بلدتهم من الدمار. ويتابع لـ"العربي الجديد": "رغم الأوضاع الاقتصادية المزرية، يحاول الأهالي إحياء طقوس الميلاد وتقاليده، لكنها تبقى رمزية في أدنى حدودها. وإذ يتمسكون بالأمل وبأهمية خلق أجواء الفرح وتوزيع الهدايا وتنظيم الاحتفالات، يسعون إلى التكيف مع الواقع الصعب والتعايش مع القلق اليومي. ونشهد مبادرات مجتمعية تجسد تعاضد المواطنين ومساندتهم للعائلات المحتاجة، كي لا يتفاقم شعور القهر لدى الأطفال وذويهم".

ولا يخفي كلاكش خشية أبناء البلدة من المستقبل المجهول، ومن امتداد الحرب والأزمة لسنوات طويلة، خصوصاً في ظل انعدام الأمن والاستقرار والاستثمارات. ويقول: "انكفأ الأهالي عن إعادة الإعمار أو حتى ترميم منازلهم أو عن إطلاق أي مشروع، تجدهم يعيشون بالحد الأدنى، يتنفسون، ويأكلون ويشربون، ويعلّمون أولادهم لا أكثر ولا أقل. فالأشغال معدومة، وجزء كبير من أراضي رميش يعجز المزارعون عن الوصول إليها بسبب التهديدات الإسرائيلية. زيارة البابا للبنان في هذه الفترة الصعبة، خصوصاً قبيل عيد الميلاد، بعثت الأمل والرجاء في نفوس اللبنانيين بأنهم مقبلون على أمنٍ وازدهار، وحملت رمزية روحية وسياسية، كونه شخصية عالمية مؤثرة قد تلعب دوراً في الحد من توسع الحرب أو تكرارها، أو حتى في إرساء الاستقرار السياسي".

من البلدة نفسها، يبدي المزارع وسام طانيوس أسفه لانعدام مقوّمات الحياة والفرحة الحقيقية للأعياد عند أهالي قرى الشريط الحدودي. ويقول لـ"العربي الجديد": "نعاني قسوة الحرب منذ العام 2023، فضلاً عن الأزمة المالية الخانقة، وما من جهة أو حزب يسأل عن مسيحيّي الأطراف، كونهم لا يستفيدون منا في الانتخابات. لم يقدموا لنا حتى ربطة خبز، علماً بأننا لا نطلب المال، إنما فقط نريد العيش بأمان. والمؤسف أنهم يطالبوننا بفواتير الكهرباء، ونحن تحت وطأة القصف والمسيّرات وانعدام فرص العمل، وحتى مَن يعمل منّا لا يكاد يجني قوته اليومي، وأحياناً لا نملك ثمن الدواء. فالواقع مزرٍ، والأعياد صارت فقط للميسورين".

الصورة
إضاءة شجرة الميلاد في بيروت، 7 ديسمبر 2025 (حسام شبارو/ الأناضول)
إضاءة شجرة الميلاد في وسط بيروت، 7 ديسمبر 2025 (حسام شبارو/الأناضول)

انتقلت عبير رزق من بلدة صربا (جنوب) إلى بلدة دير الزهراني المجاورة قبل عامين، نظراً لوجود مركز طبي متخصص بالحالة الصحية لطفلتها. وتقول لـ"العربي الجديد": "نقلنا معنا أجواء العيد، وأضأنا  شجرة الميلاد، ونستعد لشراء هدايا الميلاد ومتطلبات العشاء مع العائلة. نحاول إحياء أجواء العيد والفرح قدر المستطاع من أجل خلق ذكريات جميلة، على الرغم من الأوضاع الأمنية المقلقة. وقد تفاءلنا بزيارة البابا، على أمل أن تكون هذه التحديات بمثابة مخاض ما قبل ولادة لبنان السلام والازدهار". وتشير إلى أنهم سيشاركون في احتفالات صربا التي ارتدت حلّة العيد، وفي معرض الميلاد، حيث ستُوزّع الهدايا على الأطفال، لافتةً إلى أن البلدة لم تتضرر خلال الحرب، غير أن بعض أهاليها نزحوا منها، لأن الوديان المحيطة قُصفت بعنف.

بدوره، يستعدّ المعلّم جورج سلامة من مدينة بعلبك (شرق) للصلوات والاحتفاء بولادة السيد المسيح، آملاً أن يحمل معه العيد مظاهر السلام والخلاص. ويقول لـ"العربي الجديد": "أضأنا أشجار الميلاد في المنازل والكنائس وأقمنا المغارة، لكن تبقى كل أمنياتنا أن يعمّ السلام، إذ ما زلنا حتى اليوم نشهد خروقات إسرائيلية. بغض النظر عن الواقع الأليم والظروف الاقتصادية الصعبة، ازدانت المحال التجارية بأجواء العيد، وارتفعت شجرة الميلاد وسط ساحة بعلبك، بمشاركة مختلف الطوائف، في دلالة على المحبة والتعايش".

أما مهندسة التصميم الداخلي سارة حداد، فتشدد على أن عيد الميلاد يبقى مناسبة للفرح والمحبة والعطاء والرجاء، مهما مرّت حروب وأحداث مريرة. وتقول السيدة المقيمة في مدينة زحلة (شرق) لـ"العربي الجديد": "رغم شعور القهر والأسى لدى عموم اللبنانيين، يشكّل الميلاد بارقة أمل بمستقبل أفضل ويجدد فينا روح الألفة والمحبة. وقد منحتنا زيارة البابا أملاً جديداً. الاستعدادات للعيد تقتصر على هدايا الصغار، حتى لو اضطررنا إلى الاستدانة لشرائها، ونسعى قدر الإمكان إلى مساعدة المحتاجين، وإن بمبلغ بسيط".

كانت صولانج عيد تعمل في مجال التمريض قبل أن تنتقل إلى تنظيم الرحلات واحتفالات الأطفال، وتخبر "العربي الجديد" أنه رغم الظروف الصعبة التي يعيشها اللبنانيون، يبقى عيد الميلاد مساحة رجاء وإيمان. وتؤكد المواطنة المتحدرة من بلدة المطلة في قضاء الشوف (وسط)، والمقيمة في برج حمود (شرق بيروت): "الاستعدادات بسيطة ومتواضعة، فقد صرنا نركّز على جوهر العيد، بما يحمله من صلاة وتضامن ولمّ شمل العائلة، وخلقت زيارة البابا زخماً روحياً، إذ جدّدت أملنا في أن لبنان لا يزال حاضراً في قلب الكنيسة والعالم، كما أن وجوده كان بمثابة رسالة سلام وتحفيز على التمسك بالوحدة والإيمان. نحرص على تنظيم أنشطة ميلادية بسيطة تراعي أوضاع الأهالي، وتركّز على الفرح الحقيقي والمعنى الأسمى للميلاد".

الصورة
شجرة العيد في البترون، شمال لبنان، 10 ديسمبر 2025 (محمد عزاقير/ رويترز)
شجرة العيد في البترون، شمال لبنان، 10 ديسمبر 2025 (محمد عزاقير/ رويترز)

ويتحدث سايد مارون عن حالة ترقب وقلق تنتاب اللبنانيين من احتمال توسّع الحرب الإسرائيلية مجدداً، يقول لـ"العربي الجديد": "نحاول في مدينة البترون (شمال) كما سائر القرى والمدن اللبنانية أن نضفي بعض الفرح والأمل، علّنا نُنسي العائلات وِزر الهموم المعيشية اليومية، ونُحيي البسمة على وجوه الأطفال. إنّها أعياد مباركة ومجيدة تمنحنا الشعور بالخلاص، وعلى أمل أن نشهد الفرج القريب في لبنان وسورية وفلسطين".

ويضيف مارون: "طالما شُبّه اللبنانيون بطائر الفينيق من منطلق تشبّثهم بأن الحياة أقوى من الموت، إذ على الرغم من الضائقة الاقتصادية، يتمسكون بإحياء الأعياد وخلق السعادة بقدر المستطاع لأسرهم، مع العلم أن بعضاً منهم نُهبت أمواله في المصارف اللبنانية، وتزامن ذلك مع تدهور العملة المحلية وارتفاع الأسعار عقب الأزمة المالية في العام 2019".

ذات صلة

الصورة
تعاني طرابلس إهمالاً مزمناً، شمال لبنان، 27 يناير 2026 (محمد قليط)

مجتمع

يُجمع أهالي مدينة طرابلس اللبنانية على أن التقصير والحرمان المزمن وغياب الدولة عوامل تقف خلف مأساة انهيار المباني، وتنذر بعواقب وخيمة وسط انعدام الحلول.
الصورة
أحمد فخر الدين - شاب لبناني في طرابلس - شمال لبنان - 27 يناير 2026 (محمد قليط)

مجتمع

بحرقة، يروي الشاب اللبناني أحمد فخر الدين لـ"العربي الجديد" ما عاشه لحظة انهيار مسكنه في منطقة القبّة بمدينة طرابلس شمالي البلاد، فجر أوّل من أمس الأحد.
المساهمون