عيد الفطر في ليبيا: الغلاء لا يقيّد الفرحة

20 مارس 2026   |  آخر تحديث: 00:51 (توقيت القدس)
الإقبال كبير والشراء محدود، طرابلس، فبراير 2026 (محمود تركية/ فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تعاني العائلات الليبية من ضغوط اقتصادية في عيد الفطر بسبب ارتفاع الأسعار وتأخر الرواتب، مما أثر على قدرتهم على شراء ملابس العيد، وأدى إلى حركة أقل في الأسواق، حيث لجأت المحال إلى تقديم عروض ترويجية لجذب الزبائن.

- رغم التحديات، تظل التقاليد الاجتماعية حاضرة، حيث يجتمع أفراد العائلة ويؤدون صلاة العيد، مع إعداد الحلويات منزلياً لتقليل التكاليف وتعزيز الروابط الأسرية.

- تغيرت مظاهر الاحتفال بالعيد بفعل التكنولوجيا، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي بديلاً للزيارات، وتراجعت بعض العادات الاجتماعية مثل زيارة المقابر.

يشكو غالبية الليبيين من الغلاء، وتهيمن على أحاديثهم فكرة عدم قدرتهم على شراء ملابس العيد كما اعتادوا في السابق، خصوصاً مع تأخر صرف الرواتب

مع حلول عيد الفطر، عادت الحركة إلى أسواق ليبيا، لكنها تظل أقل مقارنة مع سنوات سابقة، فالمحال تشكو من قلة المشترين رغم كثرة المترددين عليها، وكثير من الناس يسألون عن الأسعار ويتفقدون المعروضات، لكنهم يغادرون من دون شراء، في مشهد يعكس الضغوط التي تعيشها العائلات الليبية، رغم الاستقرار الأمني النسبي الذي تعيشه البلاد منذ سنوات.

يُبدي الأربعيني محمود الدهماني، وهو موظف حكومي وأب لثلاثة أطفال، قلقه من تأخر صرف الرواتب، موضحاً لـ"العربي الجديد"، بينما يتجول بين محال الملابس في شارع الرشيد بوسط العاصمة طرابلس، أنه تعمد عدم اصطحاب أطفاله مخافة رفع توقعاتهم قبل أن يتأكد من قدرته على الشراء، وأنه بسبب الأسعار المرتفعة، يضطر للبحث عن قطع ملابس تتناسب مع ما ادّخره من راتب الشهر الماضي.
الأمر نفسه بالنسبة إلى بسمة العريبي، وهي ربة منزل من حي تاجوراء، والتي أكدت أن الغلاء مبالغ فيه، وتوضح لـ"العربي الجديد"، أنها كانت تحرص خلال السنوات الماضية على شراء ملابس العيد لجميع أطفالها، لكن الوضع هذا العام مختلف، إذ تفكر في أن تكون الأولوية لطفلها الصغير، أما أبناؤها الثلاثة الأكبر سناً فيمكنهم قضاء العيد بما لديهم، وكذلك هي وزوجها.
وفي محاولة لجذب الزبائن، نشرت محال الملابس والأحذية عروضاً ترويجية عبر منصات التواصل الاجتماعي، كما خفضت رسوم التوصيل إلى المنازل، وبعضها قدم خدمة التوصيل بالمجان، ما يعكس محاولة التكيف مع تراجع القوة الشرائية.
من سوق الحرية بوسط طرابلس، يؤكد التاجر الصادق دريرة، أن معظم من يدخل محله يكتفون بالسؤال عن الأسعار من دون الشراء. ويوضح لـ"العربي الجديد"، أن "موسم العيد في السنوات الماضية كان من أهم المواسم بالنسبة للتجار، وكان يحمل نكهة خاصة، فالتسوق مناسبة اجتماعية أكثر من كونها عمليات شراء، وكان سابقاً مناسبة للقاء العائلات والأصدقاء، حتى إن الشرطة كانت تضطر إلى إغلاق بعض الطرق أمام السيارات وتخصيصها للمشاة. كل هذا تغير. ارتفاع الأسعار إلى الإجراءات الضريبية التي فرضتها السلطات على البضائع المستوردة، إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل والشحن".
وبالرغم من كل هذه التحديات، يرى عثمان اعتيمة، وهو إمام مسجد بمدينة زليتن شرق طرابلس، أن "غلاء الأسعار قد يقلص بعض مظاهر فرحة العيد، لكنه لن يغيبها، فهناك الكثير من المظاهر الاجتماعية الخاصة بالعيد، مثل اجتماع أفراد العائلة في منزل الجد، أو أحد كبار الأسرة صباحاً، والتوجه إلى صلاة العيد في مسجد الحي، حيث يلتقي الجيران ويتبادلون التهاني. التزام أفراد المجتمع بهذه التقاليد له أهمية في الحفاظ على التماسك، كما تحرص كثير من الأسر على قضاء العيد مع أقاربها، وتسافر كثير من العائلات المقيمة في المدن إلى مناطقها الأصلية في الأرياف".

طاول الغلاء كل مستلزمات العيد، طرابلس، فبراير 2026 (محمود تركية/فرانس برس)
طاول الغلاء كل مستلزمات العيد، طرابلس، فبراير 2026 (محمود تركية/ فرانس برس)

وامتد ارتفاع الأسعار إلى معظم مستلزمات العيد، ومن بينها الحلويات التي تقدم للضيوف. تقول بسمة العريبي إنها اتفقت مع عدد من جاراتها على إعداد الحلويات في المنزل بدلاً من شرائها من المحال، لتقليل التكاليف، وفي محاولة أيضاً للحفاظ على اتصال الأسر ببعضها.
واعتادت الأسر الليبية على تقديم أصناف من الحلويات للضيوف في العيد، مثل المقروض، والغريبة، والكعك، إضافة إلى أنواع مختلفة من المعجنات، ويختلف الكعك من منطقة الى أخرى، فهناك الكعك الطرابلسي، والهوني، كما أن المأكولات التقليدية تختلف من منطقة إلى أخرى، إذ اعتاد سكان مدن غرب ليبيا الإفطار صباحاً على "العصيدة" قبل الذهاب إلى صلاة العيد، أو تناول قطع "السفنز"، فيما يشتهر أهل الجبل الغربي بأكلة "أغروم"، بينما يفضل بعض سكان الشرق الليبي طبق "المثرودة".
ويرى المعلم المتقاعد علي الأسطى أن مظاهر الاحتفال بالعيد تغيرت خلال العقود الأخيرة. ويقول لـ"العربي الجديد"، إن "العيد في الماضي كان أكثر بساطة، لكنه أكثر تعبيراً عن العلاقات الاجتماعية، بينما الضغوط التي تعيشها الأسر اليوم، مثل تأخر الرواتب أو الحاجة، إلى انتظار التخفيضات في الأيام الأخيرة من رمضان لشراء الملابس، جعلت الكثير من العائلات تؤجل مشاركة أسرها الكبيرة إلى ثاني أيام العيد، بدلاً من صباح يوم العيد كما كان يحدث في السابق".

عفو سابق عن نزلاء في سجون ليبيا، فبراير 2011 (محمود تركية/فرانس برس)
الجريمة والعقاب
التحديثات الحية

ويتحدث الأسطى عن تأثير التكنولوجيا على عادات المعايدة، مشيراً إلى أن "وسائل التواصل الاجتماعي باتت تحل محل الاتصالات الهاتفية والزيارات المباشرة. في الماضي كنا نذهب لزيارة الأقارب والجيران، أما اليوم فالكثير يكتفي بإرسال رسالة. تراجعت أيضاً بعض العادات الاجتماعية، مثل حرص الأسر على زيارة المقابر في ثاني أيام العيد، أو زيارة دور الأيتام والعجزة وتقديم الهدايا لنزلائها. هذه المبادرات التي كان يقوم عليها أئمة المساجد والأعيان باتت اليوم تقوم بها الجمعيات الخيرية التي تتولى إيصال التبرعات، من دون أن يصاحبها حضور شخصي كما كان الأمر في السابق".