عيد التحرير الأول في دمشق... سيدات مسنات يصنعن حلوى فرح بسيطة
استمع إلى الملخص
- أضفت المبادرات العفوية من النساء طابعًا دافئًا على الاحتفالات، حيث رأى الشباب فيها رمزًا للأمل في عودة الحياة الطبيعية واستعادة الأمان الاجتماعي.
- رغم الفرح، لم ينسَ الكثيرون الألم والخسارة، معبرين عن أملهم في أن يكون العيد بداية لعودة تدريجية للحياة الطبيعية، مما يعكس تراجع الخوف واستعادة الدور الاجتماعي.
لم يكن صباح عيد التحرير الأول في دمشق مجرد مناسبة سياسية تصدّرت نشرات الأخبار، بل عودة إلى الحياة بتفاصيلها الصغيرة بعد غياب طويل. في ساحة الأمويين التي ازدحمت للمرة الأولى منذ سنوات بعائلات جاءت للاحتفال، حملت سيدات مسنات صحوناً وأكياس حلوى وأقراص بسكويت صنعت في المنازل، ووزعنها على الناس كأنهن يستعدن حضوراً غاب عن المشهد العام طوال عقدين من الخوف والعزلة.
جلست منيرة مارديني (أم عبد الله)، وهي سيدة في السبعين من حي الشاغور، قرب النافورة ووضعت كرسياً بلاستيكياً، وبدأت توزيع قطع حلوى على المارة بخجل يشبه خجل الجدّات حين يقدّمن ما صنعته أيديهن. قالت وهي تمسح العرق عن جبينها لـ"العربي الجديد": "هذا الشغل ليس للكاميرات، بل لأنفسنا. لم نعرف الفرح طوال سنوات، واليوم قلت لأولادي سأنزل إلى الساحة كي أشارك ولو بصحن بسكويت".
وتتكرر قصة أم عبد الله مع نساء كثيرات قدمن إلى الساحة، فبعد سنوات طويلة عاشتها دمشق في ظل انغلاق اجتماعي وخشية من التجمعات العامة، سمح هذا العيد بعودة عادة سورية قديمة حين كانت النساء يصنعن حلويات موسمية في المناسبات الوطنية والدينية ويوزعنها على الجيران والأطفال. وفي المناطق الشعبية، حيث لا تزال هذه العادات حاضرة رغم تراجعها، خرجت سيدات إلى الشوارع وكأنهن يرممن ذاكرة جماعية تآكلت تحت ضغط الحرب والفقدان.
وجنوب الساحة، فتحت أم ناصر، وهي أرملة في الثالثة والستين من ريف دمشق، كيساً كبيراً مليئاً بأقراص بسكويت ملونة فتجمّع حولها أطفال لوّحوا بأعلام صغيرة، وبدت الدهشة على وجوههم من بساطة المشهد ودفئه. وقالت أم ناصر لـ"العربي الجديد": "صنعت الحلوى في البيت. في السابق كنا نوزّع البسكويت في مناسبات تفرح القلب، واليوم شعرت أنه يجب أن أستعيد شيئاً من أيامي. شيء بيشبهني. يريد الناس أن يتذكّروا الفرح".
وتحوّلت هذه المبادرات الصغيرة إلى أحد أكثر ملامح الاحتفال لفتاً للانتباه، فمعظم الفعاليات الرسمية بدت متوقعة ورتيبة، بينما حملت مبادرات النساء طابعاً عفوياً أعاد شيئاً من دفء العلاقات الاجتماعية إلى الشارع. وفي حديث مع شابات وصلن إلى الساحة للمشاركة في الاحتفالات، أشارت لما زهرة، وهي طالبة جامعية، إلى أن مشهد السيدات الكبيرات وهن يوزعن الحلوى كان بالنسبة لها أهم من المنصات والخطابات، وقالت لـ"العربي الجديد": "يكثر الكلام، والناس يريدون أن يشعروا بأن البلد سيحيا من جديد. النساء المحتفلات فعلن أشياء لم يطلبها أحد، فكانت المشاهد أكثر تاثيراً".
ومع تقدّم النهار، ازدحمت الساحة بموسيقى شعبية ورقصات بسيطة وهتافات شبابية، لكن حضور النساء والحلوى التي وزعنها بقي الأكثر تداولًا بين الزوار. وقال أشخاص إن هذا المشهد أعاد إليها شعور الأمان الاجتماعي الذي افتقدوه طويلاً، فيما تحدّث آخرون عن أمل خجول بأن تكون هذه المناسبة بداية لعودة تدريجية للحياة الطبيعية.
ورغم أجواء الفرح لم يغب عن كثير من النساء أن الاحتفال لا يمحو سنوات طويلة من الألم والخسارة. وحين سألت "العربي الجديد" أم ناصر إذا كانت تشعر بأن هذا العيد يمثل بداية جديدة، هزّت رأسها ببطء وقالت: "البداية الحقيقية حين يعود أولادنا، وتبنى البيوت، ويصبح البلد آمناً. اليوم نفرح قليلاً، وهذا ليس خطأ".
وقال الباحث الاجتماعي كميل درويش لـ"العربي الجديد": "يعكس انتشار ظاهرة توزيع الحلوى رغبة الناس في ممارسة طقوس غير رسمية تبحث عن معنى شخصي للاحتفال في مقابل المعاني السياسية الجاهزة. عودة النساء الكبيرات إلى الساحات العامة مبادرة مهمة تشير إلى تراجع الخوف، والرغبة في استعادة دور اجتماعي طمسته الحرب".
وفي حي الشاغور، قالت أم حاتم، وهي في منتصف الستينات، تقف أمام باب منزلها وتوزّع أقراص بسكويت على المارة: "في السابق كنا نزيّن الصحون بورق ملوّن ونرسلها إلى جيران، ولم يكن أحد يستغرب ذلك. اليوم نفعل ذلك مجدداً كي نشعر بأننا هنا وهناك جيران حولنا". وصنعت سيدات كثيرات وصفات قديمة، وقدمت أم عبد الله بسكويت بوصفة تعود إلى خمسينيات القرن الماضي تعلمتها من أمها الراحلة، وتضمنت نكهة السمنة العربية التي اختفت من معظم البيوت. وقالت لـ"العربي الجديد": "وضعت سمنة عربية، حتى لو غالية، كي يكون الطعم متل السابق. هذا العيد هو الأول منذ سنوات، ويجب أن يكون مميزاً".
بين بساطة الحلوى ودفء أيدي السيدات الكبيرات وروائح السمنة العربية التي اختلطت بنسيم الصباح، بدا عيد التحرير الأول في دمشق محاولة جماعية لالتقاط الأنفاس بعد زمن طويل من الإنهاك. كان مشهد النساء المسنات، وهن يوزعن حلوى منزلية على غرباء، بمثابة إعلان هادئ وعميق في الوقت ذاته: يبدأ الاحتفال الحقيقي حين يستعيد الناس قدرتهم على صناعة فرحهم بأنفسهم، ولو بصحن حلوى وبسكويت.