عيد الأضحى في لبنان... ريحانٌ وصلاةٌ على مدافن الشهداء
استمع إلى الملخص
- تتنوع ردود فعل اللبنانيين بين التمسك بالتقاليد ومحاولة إدخال الفرح للأطفال، وبين الشعور بالعجز عن الاحتفال بسبب الظروف المعيشية الصعبة، حيث يكتفي البعض بزيارة المدافن.
- تعكس قصص الأفراد واقعاً مريراً يتداخل فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية مع آثار الحرب، ورغم ذلك يبقى الأمل في مستقبل أفضل هو ما يدفعهم للاستمرار.
يحتفل اللبنانيّون بعيد الأضحى على وقع الركام والدمار الذي خلّفته الحرب الإسرائيلية الأخيرة، وسط استمرار الأزمة الخانقة والخوف من مستقبلٍ مجهول
يحلّ عيد الأضحى على لبنان، والقصف الإسرائيلي لا يزال قائماً رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024. ويحتفل به اللبنانيّون على وقع آثار الركام والدمار، وسط استمرار تداعيات الأزمة الاقتصادية الخانقة التي حلّت بالبلاد منذ عام 2019. وإذ يُعبّر البعض عن تمسكهم بإرادة الحياة والفرح رغم مرارة الفقدان والخسائر الجسيمة، باعتبار أن الأطفال لا ذنب لهم في رحلة القهر والعذاب، يُبدي آخرون تشاؤمهم وامتعاضهم من واقعٍ أليمٍ، لم يُبقِ من العيد سوى نبتة الريحان وزيارة المدافن وأضرحة الشهداء، والصلاة والأمل بمستقبل أفضل.
"لا عيد على الإطلاق، ولم يبقَ منه سوى الصلاة"، يردّد علي، المواطن الذي أجبرته الحرب الإسرائيلية الأخيرة على النزوح رفقة زوجته من بلدة مركبا الحدودية باتجاه العاصمة بيروت. لا يزال علي ضمن عداد المهجّرين، حيث يقيم حاليّاً في مدينة النبطية (جنوباً) بانتظار انتهاء أعمال ترميم منزله التي استنزفت كل مدّخراته. ويقول لـ"العربي الجديد": "ستون عائلة فقط عادت إلى البلدة، لكن لا وجود للعيد في الجنوب ولا فرحة تُذكر، كل عائلة على الأقل خسرت شهيداً إما من أفرادها أو من أقاربها. لا حلويات ولا ألبسة ولا زينة ولا كل ما يدعو إلى البهجة، لم يبقَ من طقوس العيد إلا زيارة الأضرحة والتضرّع لله أن ننعم بالأمان والسلام".
لا تتخلى سعاد نون المقيمة في الضاحية الجنوبية لبيروت عن أجواء العيد والفرح، حيث ترى أنها "مستمرة رغم كل شيء"، وتتابع لـ"العربي الجديد": "تعوّد الشعب اللبناني على الحروب والأزمات والأوضاع الصعبة، لكنه لا ينكسر مهما حصل. ورغم الفقدان والألم الذي يقاسيه عدد كبير من الأهالي بعد خسارتهم الأبناء والأحبّة، ورغم استمرار القصف المعادي وسقوط الشهداء، غير أن ذلك لا يمنعنا من الاحتفال بالعيد وبأننا لا زلنا على قيد الحياة". تختزل سعاد العيد بـ"دماء الشهداء الذين سنزور أضرحتهم؛ إذ لولاهم لما واصلنا الحياة، ولم يكن ليبقى لنا وطن أو أرض أو عيد". وتؤكد أنه "لا يجوز أن نشعر الأطفال بالأسى والحزن، بل أن نُفرح قلوبهم من خلال الألبسة الجديدة والهدايا وزيارة الملاهي والألعاب، وكذلك ترتيب التجهيزات لاستقبال الحجّاج بالقدر المستطاع".
مديحة الفاكهاني، الأم لطفلين، تقول: "رغم كل التحديات، لا يمكن أن يمرّ العيد دون أن نُفرح أولادنا ونشتري لهم أي شيء جديد يُشعرهم بفرحة العيد. مررنا بأوقات عصيبة، لا سيّما بعد الحرب الأخيرة، حيث كان القصف قريباً جدّاً من منزلنا في بيروت، الأمر الذي ترك آثاره الكبيرة على طفليَّ. لذلك، نحاول أن نخلق لهم لحظات فرحٍ ولو من أبسط الأشياء، وأن نُنسيهم بعضاً من تلك الأيام الصعبة".
وتضيف لـ"العربي الجديد": "لا يكتمل شعورنا ببهجة العيد إلا بشراء حلوى المعمول وزيارة العائلة، إنّها طقوس نتمسك بها رغم الظروف، لتمنحنا بعض الحنان والأمان. مع العلم، أن والدتي كانت تتمنى أداء فريضة الحج، لكن للأسف لم تسمح إمكاناتنا المادية بذلك. وندعو أن يتحقق حلمها في السنة المقبلة". وتتحدث مديحة عن الظروف الصعبة التي أثقلت كاهل اللبنانيين، وتقول: "المصروف أكبر بكثير من المدخول. ومع ذلك، نحاول أن نواصل الحياة بما نستطيع، وأن نصنع لأطفالنا حاضراً أفضل من ماضينا. نتمنى أن تتحسن أحوال البلاد، وأن تُفرَج هموم اللبنانيين، فنحن شعب لم يذق طعم الراحة منذ زمنٍ بعيد. ومن جهتي، لم أعش يوماً جميلاً حقيقيّاً في هذا الوطن، لكنّني أردّد دوماً: يا رب، لعلّ الغد يكون أفضل، كل ما أتمناه ألا يعيش أطفالنا ما عشناه، وأن ينعموا بمستقبل أكثر أمناً وطمأنينة".
تستذكر عبله الشمالي من مدينة بعلبك (شرقي لبنان)، كيف كانوا ينهمكون في تحضير حلويات العيد وشراء الألبسة والهدايا والزينة، وفي التخطيط لزيارة الأقارب واصطحاب الأطفال إلى الملاهي والمطاعم، وتقول بحسرة: "خرجنا للتو من حربٍ ضروس، والأهالي لا يزالون بحالةٍ نفسية مزرية. الظروف المعيشية صعبة وأوضاعهم لا تسمح بالاحتفال بعيد الأضحى. لا قدرة على شراء المعمول والكعك والشوكولاته وشتى أنواع الحلويات أو إعدادها، ولا حتى ثياب العيد أو الزينة والمفرقعات أو الخروج في "كزدورة" (مشوار). كل ما بقي من عاداتنا أن نزور المدافن والأموات والشهداء، لم يعد باستطاعتنا أن نقدّم أو نوزّع الأضاحي. للأسف، لم نعد نشعر بالعيد وسط هذه الظروف الحالكة، فالوضع الأمني غير مستقر، والقصف الإسرائيلي متواصل، والعائلات بمعظمها تعاني من الغصّة والحزن والقلق". رغم أنها اعتادت التأقلم مع الأيام العصيبة، تأمل عبله الفرج القريب. وتختم الأم لشابّة وشابّين بالقول: "صمدنا على مدى شهرَي الحرب، لم ننزح رغم القصف، كون أوضاعنا المادية لا تسمح بدفع إيجار منزل في منطقة آمنة، بل على العكس استقبلنا نحو 30 نازحاً من أهلي وأقربائي، ونجونا من موتٍ وشيك".
بحرقةٍ ودمعةٍ، يروي محمود صوّان كيف اضطر ابنه الوحيد لترك الجامعة قبل إتمام تخصّصه في هندسة الميكانيك، بسبب عدم القدرة على تأمين القسط، ويقول المهندس وأستاذ التعليم الفني المتقاعد لـ"العربي الجديد": "منذ بداية الأزمة في البلاد، تدهورت قيمة راتبي التقاعدي إلى نحو 32 دولاراً أميركيّاً، بعد سنوات من العطاء. لم أستطع مساندة ابني، فهاجر إلى البرازيل حيث يعمل مع خاله في التجارة". محمود، ابن بلدة سعدنايل (البقاع الأوسط)، والذي سبق أن خضع لثلاث عمليات قسطرة قلب، يحلّ عيد الأضحى عليه، وهو يعاني من الإفلاس والديون. ويتابع: "سيارتي معطّلة، ويترتب عليّ دفع تكاليف صيانتها، ناهيك عن القسط الجامعي لابنتي التي لن أتمكن من معايدتها بأي هدية. أما حلويات العيد فسنكتفي بالكعك، كون سعر الكيلوغرام الواحد من البقلاوة أو المعمول يقارب 25 دولاراً أميركيّاً، وبالكاد سنشتري كمية قليلة من اللحوم، على أن نمضي ليلة العيد في الصلاة والرجاء. وفي أول أيام العيد سنزور المدافن ونقرأ الفاتحة، أما العيد الحقيقي فلن تشعر به سوى الفئات الميسورة".
ويتحسّر صوّان على أيامٍ كانت تسمح لهم بتقديم الأضاحي، "لكن اليوم لم يعد بالإمكان شراء أي خروف، إذ يقارب سعر الواحد 250 دولاراً أميركيّاً"، وفق قوله، ويردف: "الوضع مشابه في كل القرى والبلدات اللبنانية. الحرب ما زالت حولنا والتهديدات الخارجية والداخلية ما زالت قائمة، ونرى انعكاس ذلك على وجوه المواطنين وحديثهم، حيث لا يبالون بأجواء العيد، إنما بالطيران الإسرائيلي المستعد للقصف بأي لحظة".
وفي مدينة طرابلس (شمالي البلاد)، يعبّر أسامة حوّا، عن الواقع ذاته، ويقول لـ"العربي الجديد": "فقدنا بهجة العيد وبقيت فقط التكبيرات. الوضع الاقتصادي سيئ جدّاً لدى الغالبيّة العظمى، ولن يكون بالإمكان التزيين وشراء حلويات العيد والثياب، سيمرّ العيد كيومٍ عادي". الأب لأربعة أولاد، أصغرهم طفلة بعمر تسعة أشهر، يأسف لعدم قدرته على تلبية حاجات العيد لعائلته، ويكشف أنه بصفته ناشطا اجتماعيا، بصدد "زيارة العائلات الأشد فقراً في المدينة لرصد أوضاعهم المزرية ورفعها إلى وزارة الشؤون الاجتماعية". ويختم بالقول: "لم يعد بمقدورنا أن نشتري أي شيء للعيد، فقط نبتة الريحان نضعها صباح عيد الأضحى على مدافن أمواتنا".