"عيادات الخير" تسدّ فراغ الرعاية الصحية في حمص

23 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 14:42 (توقيت القدس)
القطاع الصحي في سورية أمام تحديات متراكمة، 28 يناير 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- مبادرة "عيادات الخير" في حمص: أطلقت بالتعاون بين مؤسسة "سماعة حكيم" ونقابة أطباء حمص لتقديم معاينات طبية مجانية للفئات الأكثر هشاشة، معتمدة على جهود الأطباء المتطوعين، وتشمل خدمات العلاج الفيزيائي والتغذية.

- تأثير المبادرة على المجتمع: توفر متابعة صحية وقائية للأطفال وتخفف العبء المالي عن المرضى، مما يعزز الثقة بالنظام الصحي في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف العلاج.

- التحديات المستمرة للقطاع الصحي: يعاني من نقص الكوادر وارتفاع كلفة المعدات وصعوبة تأمين الأدوية، مع هجرة الأطباء، مما يتطلب دعمًا أوسع واستثمارات أكبر.

في ظل الضغوط المتفاقمة على القطاع الصحي في حمص وتراجع قدرة شريحة واسعة من السكان على تحمّل تكاليف المعاينات والعلاج، تبرز مبادرة "عيادات الخير" باعتبارها واحدة من المحاولات الأهلية القليلة لمعالجة الفجوة الكبيرة بين المرضى ومقدّمي الخدمات الطبية. وانطلقت المبادرة مطلع نوفمبر/ تشرين الأول الجاري، بالتعاون بين مؤسسة "سماعة حكيم" ونقابة أطباء حمص، وتعتمد على جهود يبذلها عشرات الأطباء المتطوعين لتوفير معاينات مجانية تمنح رعاية أولية للفئات الأكثر هشاشة.

داخل قاعة انتظار، تجلس منى الشعار (أم مجد)، وهي أم لثلاثة أطفال، بعدما أنهى طبيب الأطفال فحص ابنها الأصغر. وتقول لـ"العربي الجديد": "جاءت المبادرة في مرحلة باتت فيها زيارة الطبيب رفاهية لا قدرة لنا عليها. أشعر أن جهات عادت لتتذكّر مرضى لا يستطيعون دفع مبالغ المعاينة والعلاج. بالنسبة إلى هؤلاء ليست المعاينة المجانية مجرد خدمة، بل وسيلة إنقاذ في ظل ارتفاع الأسعار".

بدوره، يقول منذر المحمود (أبو خالد)، الموظف المتقاعد الذي يعاني من السكري والضغط، لـ"العربي الجديد": "خفف حصولي على معاينة مجانية ثم تأمين جزء من أدويتي عبئاً مالياً عني بات يتجاوز قدرتي. جعلتني المبادرة أتنفس، وهي بالنسبة إليّ ليست مجرد علاج، بل إحساس بأن أشخاصاً لا يزالون يفعلون الخير".

من جهتها، رأت عبير عودة، مسؤولة فريق "سماعة حكيم" في حمص، أن الدافع الأساس وراء إطلاق المبادرة كان اتساع شريحة المرضى الذين يؤخّرون العلاج بسبب التكاليف. وأوضحت لـ"العربي الجديد" أن الفريق يتلقى طلبات المراجعة عبر أرقام مخصصة نُشرت على الصفحات الرسمية، وترتب الحالات بحسب أولوية المرضى. وشملت المبادرة نحو مئة مريض خلال أسابيع قليلة، مع خطط لتمديدها بين ثلاثة وستة أشهر، وربما تحويلها إلى مشروع دائم. تضيف: "يستقبل نحو خمسين طبيباً من اختصاصات مختلفة المرضى يومياً بين العاشرة صباحاً والثالثة عصراً، ويتناوبون على تقديم الاستشارات والمعاينات، وخدمات تشمل العلاج الفيزيائي والتغذية، لمحاولة الاقتراب بقدر الإمكانات المتاحة من الرعاية المتكاملة".

وفي إحدى العيادات المشاركة، تفحص دانا غليون، اختصاصية الأطفال والخدج وحديثي الولادة، طفلاً، ثم تقول لـ"العربي الجديد" إن المبادرة تسمح للأهالي بمتابعة أطفالهم "وقائياً وروتينياً"، ما ينعكس مباشرة على فعّالية العلاج عند ظهور أي مشكلات صحية. وتأمل غليون أن تتوسّع المبادرة مستقبلاً لتشمل تدخلات أكبر، من بينها إجراء عمليات بسيطة أو دعم علاجي متقدم، ما يتيح الوصول إلى عدد أوسع من العائلات المحتاجة.

ورغم الجهود المحدودة التي تبذلها المبادرات الأهلية، يبقى القطاع الصحي في حمص أمام تحديات متراكمة تتعلق بنقص الكوادر وارتفاع كلفة المعدات الطبية وصعوبة تأمين الأدوية، إلى جانب الضغط المتزايد على المستشفيات الحكومية والعيادات الخاصة. وفي ظل تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، يتجه كثيرون إلى تأخير العلاج أو التخلي عنه كلياً، ما يفاقم حالات كان يمكن تجنبها بالتدخل المبكر. وبين واقع يزداد تعقيداً وحلول رسمية تبدو بعيدة المنال، تظهر مبادرات مثل "عيادات الخير" كمساحة صغيرة لكنها مؤثرة تحاول إعادة شيء من الثقة بين المواطن والنظام الصحي، ومنح المرضى هامشاً إضافياً للنجاة في بيئة تحتاج إلى دعم أوسع واستثمارات أكبر للخروج من أزمتها.

تكبّد القطاع الصحي في حمص خلال السنوات الماضية خسائر واسعة طاولت البنى التحتية والكوادر على حدّ سواء، إذ خرجت مراكز طبية كاملة عن الخدمة بسبب الدمار أو نقص التجهيزات، فيما تراجعت قدرة المستشفيات المتبقية على تلبية الطلب المتزايد نتيجة نقص الأجهزة الحديثة وارتفاع كلفة الصيانة. كذلك أوجدت الهجرة الواسعة للأطباء والاختصاصيين فجوات عميقة في الخدمات، وخصوصاً في مجالات الجراحة والعناية المشددة وطب الأطفال، ما جعل المحافظة تعتمد جزئياً على كوادر من خارجها أو مبادرات تطوعية لسد الثغرات.

ومع ارتفاع أسعار المستلزمات الدوائية وندرة بعضها، باتت منظومة الصحة في حمص تعمل بأقل من طاقتها، وتواجه صعوبة حقيقية في مواكبة الاحتياجات المتزايدة للسكان، ما ضاعف الضغط على الأسر ذات الدخل المحدود وجعل الوصول إلى الرعاية المناسبة تحدياً يومياً.

المساهمون