عودة العائلات من مخيم الهول: صمود وأمل في شمال غرب سورية

22 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 21:03 (توقيت القدس)
مخيم الهول في سورية، الحسكة، 18 إبريل 2025 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- مع وصول قافلة الأمل 3 إلى حلب، بدأت العائلات رحلة جديدة بعيداً عن مخيم الهول، الذي يعاني من ظروف إنسانية صعبة وانتشار الأفكار المتطرفة.
- خلال عام 2025، استمرت العائلات السورية والعراقية في مغادرة المخيم بالتنسيق مع الحكومات والمنظمات الدولية، مما يعكس وتيرة مستمرة لعودة العائلات رغم بقاء العديد بانتظار فرص الخروج.
- لعبت المبادرات الحكومية والمنظمات غير الحكومية دورًا محوريًا في تسهيل العودة والاندماج من خلال برامج تشمل التعليم والدعم النفسي، مما يعكس صمود الإنسان وقدرته على التكيف.

مع وصول قافلة الأمل 3 إلى محافظة حلب نهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بدأت عشرات العائلات رحلة جديدة بعيداً عن مخيم الهول، في محاولة لإعادة بناء حياتها ضمن مجتمعاتها الأصلية في شمال غرب سورية. المخيم، الذي طالما شكل رمزاً لمعاناة اللاجئين والنازحين، أصبح الآن نقطة انطلاق لقصص صمود وعزيمة، وسط جهود حكومية ودولية لدعم العائدين وتمكينهم من الاندماج في المجتمع بعد سنوات من المعاناة.

الصورة
عراقيون في مخيم الهول في الحسكة - شمال شرق سورية - أغسطس 2025 (دليل سليمان/ فرانس برس)
عراقيون في مخيم الهول في سورية، أغسطس 2025 (دليل سليمان/ فرانس برس)

يقع مخيم الهول في محافظة الحسكة في شمال شرق سورية، وقد تحول خلال السنوات الماضية إلى واحد من أكبر المخيمات التي تحتضن النازحين واللاجئين من مناطق مختلفة، لا سيما من العراق وسورية. تأسس المخيم في البداية لاستقبال عائلات نازحة من القتال بين الجماعات المسلحة والقوات الحكومية، لكنه سرعان ما أصبح ملاذًا لعائلات عناصر تنظيم "داعش" الإرهابي السابقين، وأطفالهم ونسائهم، الذين تم نقلهم من مناطق سيطرة التنظيم. ويضم المخيم اليوم خليطًا معقدًا من الجنسيات والخلفيات، بينهم السوريون والعراقيون وأفراد من دول أخرى، بالإضافة إلى الأطفال الذين ولدوا في المخيم ولم يحصلوا على أي وثائق رسمية. يعيش هؤلاء تحت ظروف إنسانية صعبة، مع شح الخدمات الأساسية، ونقص الرعاية الصحية والتعليم، وانتشار الأفكار المتطرفة بين بعض المقيمين الذين ما زالوا متمسكين بعقائد التنظيم، ما يجعل المخيم بيئة محفوفة بالمخاطر ويزيد من تعقيد جهود إعادة الإدماج العائلي والمجتمعي.

النجاة من مخيم الهول 

خلال الشهرين الماضيين، خرج عشرات الآلاف من المخيم هرباً من شبح الموت الذي يسيطر عليهم، متجهين إلى مناطق سيطرة الحكومة السورية حيث فتحت دمشق باب العودة للراغبين. وقد تضمن هذا المسار تنظيم العائدين ونقلهم إلى مراكز الإيواء، مع توقيع المقاتلين السابقين على اتفاقات تسوية يُفترض أنها تحميهم من أي ملاحقة أمنية، لكن الخوف كان حاضرًا خصوصًا لدى الشباب والأطفال الذين يولدون في المخيم من دون أي وثائق مدنية أو شهادات ميلاد.

تقول الدكتورة باسمة الشطي، الباحثة في حقوق اللاجئين والمهاجرين، لـ"العربي الجديد": "منطقة المخيم تزداد سوءاً، وتدهور الوضع يجبر البعض على محاولة مغادرة المنطقة، لذا يخاطرون بأرواحهم في صحراء منعزلة بحثاً عن الأمان والاستقرار". وتضيف الشطي: "بسبب عدم توفر الرعاية الصحية أو التعليم والشح في الغذاء والمياه النظيفة، بالإضافة إلى انتشار الأوبئة، وفي ظل إغلاق جميع الأبواب أمامهم، هم اليوم لا يستطيعون اتخاذ قرار غير قرار العودة مقابل الاستمرار في الحياة بالرغم من الخوف المسيطر على الشباب من عمليات الاعتقال أو التجنيد الإجباري في صفوف القوات الحكومية". وتشير إلى أن "هناك مشكلةً أخرى ويجب إيجاد حل سريع لها من قبل الحكومة السورية، وهي أن الأطفال المولودين في المخيم ليست لديهم أي وثائق مدنية ولا شهادات ميلاد ولا حتى إشعار بالولادة، فضلاً عن أن عدد الوفيات يرتفع كل يوم في المخيم بسبب تردي الأوضاع الصحية، مما يجعل الكثير من الأسر تجرؤ على المخاطرة ومغادرة المخيم".

الصورة
تتواصل سياسة تفريغ مخيم الهول والتصدي لـ"داعش"، سورية، 26 أغسطس 2022 (دليل سليمان/ فرانس برس)
تتواصل سياسة تفريغ مخيم الهول والتصدي لـ"داعش"، سورية، 26 أغسطس 2022

وسط هذه الظروف القاسية، تبرز قصص العائدين كبوصلة توضح حجم التحديات التي واجهوها وخطواتهم نحو إعادة الانخراط في الحياة الطبيعية. سناء، امرأة في منتصف الثلاثينيات، تحدثت لـ"العربي الجديد" عن شعور الأطفال بالغربة بعد سنوات من العيش في المخيم، وكيف أن لحظة دخولهم الصفوف الدراسية لأول مرة بعد العودة جلبت لهم شعورًا بالانتماء والأمان، وأعاد البسمة إلى وجوههم. أما الأم سامية، فقد واجهت تجربة مختلفة مع وزارة التربية، إذ طُلب منها كتابة تعهد لمتابعة التحاق أطفالها بالمدرسة لمدة شهرين، وقالت لـ"العربي الجديد" إنها في البداية شعرت بأن هذا الإجراء غريب، لكنها أدركت لاحقًا أنه يمنح الأطفال فرصة حقيقية لإعادة التأقلم والاندماج في الحياة المدرسية بعد سنوات من الانقطاع. محمد، رجل أربعيني، تحدث لـ"العربي الجديد" عن بداية حياته الجديدة في بلدته الأصلية في ريف حلب، وكيف كان البحث عن عمل تحديًا كبيرًا بعد سنوات من العيش في المخيم، لكنه يرى في البرامج الحكومية لدعم الأسر العائدة خطوة مهمة نحو الاستقرار، رغم الحاجة لمزيد من الدعم والتوسع. أما خديجة، أم لطفلين، فتشير بحديث لـ"العربي الجديد" إلى أن المدرسة ليست كافية للتغلب على صدمات الأطفال النفسية، موضحة أن الدعم النفسي والاجتماعي المستمر يعد عنصراً حاسماً في دمجهم ضمن المجتمع.

في هذه المرحلة، لعبت المبادرات الحكومية دورًا محورياً في تسهيل العودة والاندماج. فقد ركزت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل على برامج متعددة الأبعاد شملت التعليم والتدريب المهني، مع برامج تمكين اقتصادي للعائلات لضمان قدرتها على الاعتماد على نفسها وتحقيق دخل مستدام، وهو ما ساهم في تخفيف الضغط على المجتمعات المضيفة وتعزيز التعايش بين العائدين والسكان المحليين. كما تم تنظيم جلسات استشارية ونشاطات جماعية للأطفال والنساء والرجال، لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي اللازم بالتوازي مع وضع معايير حماية موحدة لضمان سلامة الأطفال والنساء في هذه المرحلة الحساسة.

خلال عام 2025، واصلت العائلات السورية والعراقية مغادرة مخيم الهول في دفعات متفرقة، هرباً من الظروف القاسية.

على الصعيد التنسيقي، لعبت وحدة دعم الاستقرار، وهي منظمة غير حكومية يقودها منذر سلال، دورًا مهماً في وضع خريطة طريق لإعادة إدماج مستدامة للعائلات العائدة، بمشاركة ممثلين عن عدة وزارات وهيئات دولية ومنظمات محلية، بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وأوضح سلال لـ"العربي الجديد" أن الاجتماعات ناقشت التحديات والفرص التي تواجه العائدين، واستعرضت عمليات النقل السابقة والدروس المستفادة، إضافة إلى تحديد أدوار ومسؤوليات الجهات الشريكة، مع التركيز على تسريع إطلاق سراح العائلات المتبقية وتعزيز التنسيق بين جميع الجهات المعنية بما في ذلك الجهات الحكومية والمنظمات الدولية وممثل عن التحالف الدولي لهزيمة داعش.

خلال عام 2025، واصلت العائلات السورية والعراقية مغادرة مخيم الهول في دفعات متفرقة، هربًا من الظروف القاسية. فقد غادرت في يناير/كانون الثاني نحو 192 عائلة عراقية تضم حوالي 715 شخصًا، تبعها دفعات أخرى تشمل 148 عائلة عراقية في أواخر الشهر نفسه و155 عائلة في شباط، بالإضافة إلى أكثر من 800 شخص عراقي في أغسطس/آب، كلهم عادوا إلى مناطقهم الأصلية بالتنسيق مع حكومتهم والإدارة الذاتية والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
 أما على الجانب السوري، فغادرت 36 عائلة تضم 127 شخصًا إلى مناطقها في شمال غرب سورية خلال يوليو/تموز، فيما غادر 42 عائلة أخرى، أي 178 شخصًا، المخيم طوعًا في يونيو/حزيران، ضمن جهود إعادة الدمج التي تنفذها الحكومة مع الشركاء الدوليين. هذه الأرقام تعكس وتيرة مستمرة لعودة العائلات، لكنها تشير أيضًا إلى أن جزءًا كبيرًا من سكان المخيم، الذين يقدّر عددهم بأكثر من 14 ألف شخص معظمهم من النساء والأطفال، لا يزال ينتظر فرصًا مشابهة للخروج والاندماج في المجتمع.

لجوء واغتراب
التحديثات الحية

تجسدت جهود إعادة الإدماج عمليًا في وصول قافلة الأمل 3 إلى محافظة حلب، وهي تحمل نساءً وأطفالًا تم نقلهم من المخيم، ضمن خطة الحكومة لإعادة دمج العائلات وضمان وصولها إلى مناطقها بأمان. ويشير المسؤولون إلى أن هذا النوع من القوافل يمثل خطوة ملموسة نحو إعادة بناء حياة العائلات العائدة بعد سنوات من الصدمات والفقد.

في النهاية، تبقى التحديات قائمة، إذ يحتاج الأطفال إلى متابعة تعليمية ونفسية مستمرة، وتتطلب الأسر برامج دعم اقتصادي واجتماعي متكاملة، بينما يتطلب نجاح عملية الدمج استمرار التنسيق بين جميع الأطراف المعنية لضمان دمج العائدين بشكل سلس ومستدام. ورغم كل الصعاب، تظل قصص العائلات العائدة شاهدة على صمود الإنسان وقدرته على التكيف مع الظروف الصعبة، لتصبح العودة خطوة حقيقية نحو إعادة بناء مستقبل أفضل، بعيدًا عن مخاطر المخيم ومعاناته اليومية، مع الحفاظ على كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية.

المساهمون