عودة الاحتفالات بعيد الميلاد إلى بيت لحم بعد عامين من التوقف بسبب حرب الإبادة
استمع إلى الملخص
- تواجه بيت لحم تحديات بسبب القيود الأوروبية التي تعيق تدفق السياح، لكن يُتوقع انتعاش القطاع السياحي قريبًا، وتُعد الاحتفالات فرصة للفلسطينيين للتأكيد على حقوقهم في العيش بكرامة.
- تلعب الحركة الكشفية والكنائس دورًا مهمًا في الاحتفالات، حيث تشارك مجموعات كشفية وتُرفع الصلوات من أجل السلام، رغم قلة عدد الحجاج هذا العام.
انطلقت اليوم الأربعاء في مدينة بيت لحم، جنوبي الضفة الغربية، احتفالات أعياد الميلاد، بعدما غابت عامين متتاليين بسبب حرب الإبادة التي شنتها آلة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وعادت الأضواء لتزيّن شجرة الميلاد في ساحة المهد، وتصدح التراتيل من جديد بين جدران الكنائس، وسط توافد عشرات آلاف الزوار آملين بعودة هذه المناسبة حاملةً معها رسالة السلام.
وتحمل أجواء الاحتفالات في بيت لحم هذا العام رمزية خاصة؛ فهي لا تُختزل في كونها احتفالا دينيا، بل تُجسد رسالة حياة وصمود، مؤكدة أن المدينة التي وُلد فيها المسيح قادرة على استعادة روحها رغم الجراح. في هذا السياق، يوضح وزير السياحة والآثار الفلسطيني هاني الحايك، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الاستعدادات لهذه المناسبة بدأت منذ سبتمبر/أيلول الماضي، من خلال تنسيق واسع مع قطاع الفنادق والمطاعم، مشيرا إلى أن المدينة استقبلت وفودا من دول مثل الهند ورومانيا وإندونيسيا وأوكرانيا، وهو ما اعتبره مؤشرا إيجابيا إلى عودة الحركة السياحية.
ويلفت الحايك إلى أن التحدي الأكبر ما زال مرتبطا بالقيود المفروضة من بعض الدول الأوروبية الغربية، مثل إيطاليا وإسبانيا، التي أبقت على تصنيف فلسطين مناطق خطرة بسبب الحرب، وهو ما يعيق تدفق المزيد من الزوار حتى الآن، ويشدّد على أن الحجاج الذين يقصدون فلسطين لاستكمال طقوسهم الدينية في بيت لحم والقدس وطبريا وأريحا "يمثلون ركيزة أساسية للموسم السياحي"، متوقعا أن يشهد شهر فبراير/شباط المقبل انتعاشا ملحوظا في هذا القطاع.
ويشير الحايك إلى أن جميع المراسم والاحتفالات ستُقام هذا العام كما كان معتادا قبل الحرب، ويبيّن أن هذه الأيام "تمثل فرصة للفلسطينيين، مسيحيين ومسلمين، للتأكيد على أنهم يستحقون دولة وقيادة وكرامة مثل باقي شعوب العالم"، مشددا على أن "ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من استباحة وانتهاك للمحرمات وقتل للمدنيين يعكس حجم الظلم الواقع عليه، بغض النظر عن معتقداته".
ومن المقرر أن تنشط الفرق الكشفية في احتفالات أعياد الميلاد، حيث تتوافد مجموعات من مختلف المحافظات لإحياء المناسبة. ويوضح القائد الكشفي وعضو المجلس المركزي الأرثوذكسي فادي خير لـ"العربي الجديد"، أن بيت لحم تحتضن 14 مجموعة كشفية مسجلة رسميا، فيما تشارك فرق أخرى من القدس والناصرة والداخل الفلسطيني وحيفا، إضافة إلى مجموعات من أريحا ورام الله، ليصل العدد الإجمالي إلى ما بين 18 و24 مجموعة، تضم كل واحدة منها نحو 50 مشاركا، بينما تتجاوز بعض الفرق، مثل كشافة بيت ساحور، حاجز المئتين وصولا إلى 300 مشارك.
الحركة الكشفية، كما يصفها خير، تعمل بـ"جهد دؤوب في موسم بالغ الأهمية، إذ تتحمل مسؤولية نقل صورة بيت لحم إلى العالم عبر شاشات الإعلام، في وقت يختلط فيه الفرح بالترقب، فحتى داخل المنازل، اقتصرت مظاهر الميلاد في العامين الماضيين على الصلوات والشعائر الدينية دون زينة أو أضواء، وهو ما انعكس على أداء الكشافة الذين تجنبوا إظهار الفرحة في العامين الماضيين، بينما يواجه أهل غزة الموت يوميا"، مؤكدا أن الرسالة التي حملتها بيت لحم هذا العام واضحة: الدعاء بانتهاء الحرب وحلول السلام.
وتبدأ الاحتفالات الكشفية انطلاقا من استحضار نور المسيح الذي انطلق من كنيسة المهد. وفي هذا السياق، نظمت كشافة بيت لحم، وتحديدا كشافة تراسنطة، مسيرا يحاكي الطريق التاريخي الذي سلكته العائلة المقدسة، وصولا إلى الساحة الرئيسية حيث يُستقبل المشاركون من قبل البطريرك والرهبان والكهنة، إلى جانب رئيس البلدية والمحافظ وممثلين عن الرئاسة والسفراء والبعثات الدبلوماسية.
وتُقام الاحتفالات وفق ثلاثة تقاويم كنسية معتمدة، تعكس التعدد الطائفي التاريخي في المدينة؛ إذ تحتفل الكنائس الغربية في 25 ديسمبر/ كانون الأول (مع قداس ليلة العيد في 24 الشهر الجاري)، فيما يُحيي الروم الأرثوذكس العيد في السابع من يناير/كانون الثاني القادم وفق التقويم اليولياني، بينما تحتفل الكنيسة الأرمينية في 19 يناير القادم. في حين يُحيي السريان الأرثوذكس العيد في السادس من يناير بحسب تقاليدهم المحلية، لتتوزع بذلك المراسم والقداسات على امتداد قرابة شهر كامل في مهد المسيح، وفق خير.
وخلال هذه الأيام، تتألق المجموعات الكشفية في بيت لحم بإيقاعاتها الموسيقية وزيها التقليدي، بعد استعدادات امتدت شهرا كاملا لضمان تنظيم المسيرات وتنسيق المشاركين. غير أن الظروف القاسية في غزة حالت دون مشاركة كشافتها هذا العام، بعدما فقدت الحركة هناك نحو 150 من أعضائها بين شهداء ومتطوعين ومسعفين، فيما تعرضت مراكزها للقصف الشديد. ورغم ذلك، يبقى الكشاف حاضرا في المشهد الفلسطيني، وجزءا أصيلا من نسيج المجتمع، يتجاوز الانتماءات الدينية، في مواجهة محاولات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إقصاء هذه الحركات، كما يقول خير.
وإذا كانت المجموعات الكشفية قد حملت رسالة الميلاد عبر الإيقاعات والزي التقليدي في شوارع بيت لحم، فإن صوت الكنيسة جاء ليذكّر بأن الفرح لا يكتمل في ظل معاناة غزة. الأب عيسى ثلجية، راعي طائفة الروم الأرثوذكس في بيت لحم، يصف المشهد قائلاً لـ"العربي الجديد"، إن "الوضع في القطاع مأساوي، حيث يعيش الناس بلا مأوى أو حماية أو غذاء كافٍ، كما أن الكنيسة ترفع صلواتها هذه الأيام، ليخفف الله عنهم، وليعيش الشعب الفلسطيني بأمن وسلام ومحبة".
ويؤكد ثلجية أن مظاهر الزينة مثل شجرة الميلاد تضفي البهجة على قلوب الأطفال والعائلات، لكنها "تبقى ثانوية أمام جوهر المناسبة، وهو ميلاد المسيح الذي يمثل الخلاص والنور". أما الحجاج، فيشير ثلجية إلى أن وصولهم هذا العام بدا ضعيفا رغم عدم وجود قيود واضحة، إذ كان من المفترض أن تكون كنيسة المهد مكتظة بالسياح من مختلف أنحاء العالم، لكن المشهد يبدو خاليا في بعض الأيام إلا من قلة قليلة، ربما بسبب المخاوف المرتبطة بالحرب أو أسباب أخرى غير معلنة.
ويشدد على أن رسالة المسيحيين في فلسطين "هي رسالة محبة، بدأت من بيت لحم وما زالت تُرسل إلى العالم"، داعيا إلى أن تتجه الأنظار نحو بيت لحم وغزة ليس بالكلام فقط، بل بالعمل الفعلي لإيجاد حلول تضمن العيش بسلام، ويؤكد أن "المسيحيين، رغم كونهم أقلية، مطالبون بالصمود والبقاء على الأرض، وعدم الاستسلام لليأس أو الهجرة"، مشيرا إلى أن "نحو خمسين شخصا من الرعية اضطروا خلال العامين الماضيين إلى مغادرة البلاد بعد فقدان عملهم وانعدام الأمن بشتى أشكاله بفعل الاحتلال".
ويخاطب ثلجية أبناء رعيته، قائلاً: "ابقوا على هذه الأرض، فالمستقبل سيكون أفضل. هذه الأرض رغم الألم والنزاع لا مثيل لها في العالم، فهي أرض الكنائس والأنبياء والمقدسات". ويختم الأب ثلجية حديثه بنبرة مؤثرة: "القلب يعتصر ألما، لكن حين نزين الشجرة ونفرح الأطفال، نؤكد أن هذه الأرض تستحق الحياة، والناس تعبت وملّت، وهذه فرصة لنقول: قومي واستنيري يا بيت لحم".