عقد على اتفاقية باريس: الأرض تغلي وخلافات في مؤتمر المناخ

07 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 14:33 (توقيت القدس)
عمل تشكيلي في حقل ذرة بألمانيا بعد 10 أعوام على اتفاقية باريس، 22 يوليو 2025 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يواجه العالم تحديات بيئية متفاقمة بعد عقد من اتفاقية باريس للمناخ، مع ارتفاع درجات الحرارة وتدهور الشعاب المرجانية وزيادة الكوارث الطبيعية، مما يهدد حياة البشر والاقتصاد العالمي.

- تتفاقم الخلافات السياسية مع اقتراب مؤتمر "كوب 30"، حيث تختلف الدول في مسؤوليات الانبعاثات والتمويل، مما يعرقل التوصل إلى اتفاقات ملموسة رغم الجهود الإقليمية لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

- رغم التحديات، هناك تقدم في استثمارات الطاقة المتجددة، مثل الرياح والطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، لكن التحول العالمي للطاقة النظيفة لا يزال بطيئاً.

بعد مرور عقد على توقيع اتفاقية باريس للمناخ في عام 2015، يواجه العالم اختباراً حقيقياً لإرادته في مواجهة الأزمة المناخية المتفاقمة. وكان العقد الماضي قد شهد ارتفاعاً في درجات الحرارة بلغت مستويات قياسية، إلى جانب تدهور شعاب مرجانية، وتقلّص جليد المحيطات القطبية، وتفاقم حدّة الأعاصير والفيضانات، ما أجبر الملايين على النزوح.

في الوقت نفسه، تتفاقم التحديات السياسية، وسط خلافات بين المشاركين في مؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ (كوب 30)، الذي يُعقَد في بيليم ابتداءً من يوم الاثنين المقبل في العاشر من نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، بخصوص الانبعاثات والتمويل واستخدام الوقود الأحفوري.

حالة الكوكب: حرارة قياسية وكوارث مستمرة

وفي العقد الأخير الذي كان الأكثر دفئاً على الإطلاق، مع درجات حرارة في اليابسة والمحيطات بمستويات غير مسبوقة، سُجّل ابيضاض أكثر من 80% من الشعاب المرجانية حول العالم، الأمر الذي يهدّد حياة نحو ربع الكائنات البحرية ويؤثّر على مئات ملايين البشر اقتصادياً. كذلك، تراجع جليد القطب الشمالي إلى أدنى مستوياته، وزادت قوة أعاصير المحيط الأطلسي، في حين اجتاحت حرائق الغابات مساحات شاسعة من اليابسة، لتؤدّي حرائق عام 2024 وحدها إلى انبعاث ثمانية مليارات طنّ من ثاني أكسيد الكربون، علماً أنّه من غازات الدفيئة التي تفاقم الاحتباس الحراري.

ولارتفاع درجات الحرارة آثاره المباشرة على البشر كذلك. وتشير تقارير بشأن الصحة العامة، من قبيل تقرير "ذا لانسيت كاونت داون"، إلى أنّ النوم صار أقلّ جودة بسبب الليالي الحارة، كذلك يزداد انتشار البعوض والقراد ناقلَي الأمراض، بما في ذلك حمّى الضنك وفيروسات أخرى. ووفقاً لتقرير دورية "ذا لانسيت" العلمية لعام 2025، ارتفعت الوفيات المرتبطة بالحرارة بنسبة 23% منذ عام 1990، أي ما يعادل نحو 546 ألف وفاة سنوياً. وفي أوروبا، تسبّب تغيّر المناخ في أكثر من 24 ألف و400 وفاة في صيف 2025 وحده.

الاحترار من 1.5 إلى 2.5 درجة مئوية

ويشير تقرير فجوة الانبعاثات الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، إلى أنّه في حال حافظت الدول على التزاماتها الحالية، من المتوقّع أن يرتفع متوسط درجة الحرارة في القرن الواحد والعشرين ما بين 2.3 و2.5 درجة مئوية، بعيداً عن الهدف المنشود في اتفاقية باريس للمناخ؛ إبقاء الارتفاع أقلّ من درجتَين مئويتَين والعمل على نحو 1.5 درجة مئوية. وعلى الرغم من أنّ هذا التقدّم يُعَدّ أفضل بقليل مقارنة بالعام الماضي (حين كان المتوقع ما بين 2.6 و2.8 درجة)، فإنّ الانبعاثات العالمية ما زالت في ارتفاع والجهود الحالية غير كافية لتجنّب الكوارث على الصعيدَين البيئي والصحي.

الخلافات الدولية ومؤتمر "كوب 30"

وقبيل انعقاد مؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ (كوب 30)، تتجلّى التحديات السياسية أمام المجتمع الدولي. وتختلف الدول في تقدير مسؤولياتها:

  • الدول المتطوّرة تتأخّر في تقديم خطط طموحة للحدّ من الانبعاثات، فيما تواصل خططها لإنتاج الوقود الأحفوري، ما يهدّد هدف 1.5 درجة مئوية.
  • الدول النامية تطالب بتمويل كبير للتكّيف مع الكوارث المناخية، لكنّها تتلقّى أقلّ من عُشر التمويل المطلوب، الذي يُقدَّر بما بين 310 مليارات و365 مليار دولار أميركي سنوياً.
  • التحالفات الإقليمية حول الطاقة المتجدّدة تسعى إلى تقليل الاعتماد على الفحم والنفط، إلا أنّ الخلاف حول المسؤوليات التاريخية والانبعاثات المستقبلية يعرقل الاتفاق على أهداف ملموسة.

ويطرح مؤتمر "كوب 30" تحديات إضافية بسبب التباينات في الأولويات الوطنية، إذ تسعى دول إلى تحقيق الأمن في مجالَي الطاقة والسيادة، في حين تطالب أخرى بالتحوّل السريع إلى الطاقة النظيفة. وتأتي التوتّرات لتجعل مؤتمر المناخ المرتقب اختباراً حقيقياً لإمكانية توحيد الجهود الدولية قبل فوات الأوان.

تأثير انسحاب ترامب من اتفاقية باريس

وكانت الولايات المتحدة الأميركية، التي تُعَدّ ثاني أكبر مصدر للانبعاثات في العالم، قد أدّت دوراً محورياً في ديناميات اتفاقية باريس للمناخ الصادرة قبل عقد. لكنّ قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب من اتفاقية باريس هذه في عام 2017، في خلال ولايته الأولى في البيت الأبيض، عرقل جهود تخفيض الانبعاثات عالمياً. وأضعف الانسحاب الثقة بين الدول، وقلّل الضغط السياسي على الدول الأخرى لزيادة طموحاتها المناخية.

وعلى الرغم من عودة الولايات المتحدة الأميركية لاحقاً، تحت إدارة الرئيس السابق جو بايدن، فإنّ التأخير أثّر على التقدّم الدولي، ولا سيّما انخفاض نسبة الانبعاثات التي تغطيها الخطط الوطنية لتحقيق أهداف اتفاقية باريس. وما زالت واشنطن تواجه تحديات في تنفيذ سياسات فعّالة للحدّ من الانبعاثات.

التقدّم الأخضر والفرص المتاحة

في المقابل، وسط كلّ التحديات، ثمّة بوادر للتقدّم في مجالات عدّة:

  • استثمارات الطاقة المتجدّدة تضاعفت، وتجاوز إنتاج الكهرباء من الرياح والطاقة الشمسية إنتاج محطات الفحم للمرّة الأولى.
  • الهيدروجين الأخضر يشهد نمواً متسارعاً، في حين تحسنت كفاءة السيارات الكهربائية، على الرغم من تباطؤ مبيعاتها نسبياً.
  • ثمّة دول حسّنت سياساتها لتحديث الخطط الوطنية كلّ خمسة أعوام، وفقاً لأحكام اتفاقية باريس للمناخ، الأمر الذي يعكس التزاماً جزئياً على أقلّ تقدير.

مع ذلك، ما زال التحوّل العالمي بطيئاً، إذ تغطّي الطاقة الأحفورية الطلب العالمي على الكهرباء بمعظمه. وما زالت مشاريع استخراج الفحم والنفط والغاز المخطّط لها حتى عام 2030 تتخطّى انبعاثاتها ضعف كمية ثاني أكسيد الكربون المسموح بها لتحقيق هدف 1.5 درجة مئوية.

في الخلاصة، بعد عشرة أعوام على اتفاقية باريس للمناخ، ما زال الكوكب يواجه درجات حرارة قياسية وكوارث بيئية متصاعدة فيما صحة البشر مهدّدة. ويواجه مؤتمر "كوب 30" اختباراً حقيقياً لتوحيد الجهود الدولية وسط الخلافات، فيما أدّى انسحاب ترامب من الاتفاقية إلى تعقيد مسار العمل الدولي في المجال، وأكّد أنّ تأجيل الالتزام يعمّق الأزمة. في الوقت نفسه، يمثّل الاستثمار في الطاقة المتجدّدة والهيدروجين الأخضر بارقة أمل، لكنّه غير كافٍ لتجنّب الكوارث المحتملة المقبلة. وبالتالي، فإنّ العالم اليوم أمام خيارَين، إمّا تسريع جهود التمويل والتحوّل إلى الطاقة النظيفة، وإمّا مواجهة عواقب وخيمة على البيئة والبشر على حدّ سواء.

المساهمون