عرين الزعانين.. قصة مقدسي يلاحقه الاحتلال بسبب الحاخام يهودا غليك
لم يكن المقدسي عرين الزعانين يتوقع أن تلاحقه قضية تعود وقائعها إلى ست سنوات مضت، من خلال حكم طالبه بدفع مئات آلاف الشواكل، وفوجئ في الأول من أغسطس/ آب الجاري، بإصدار محكمة الاحتلال الإسرائيلي في القدس المحتلة حكماً ألزمه بدفع نحو 630 ألف شيكل (نحو 210 آلاف دولار) للحاخام يهودا غليك في قضية يقول إنه لم يعلم أصلاً أن إجراءاتها القضائية استمرت خلال السنوات الماضية. ويقول لـ"العربي الجديد": "تلقيت حكماً قضائياً أصدرته محكمة الصلح الإسرائيلية يقضي بإلزامي بدفع تعويضات للحاخام المتطرف يهودا غليك، زعيم منظمة هاليبا الصهيونية رئيس مؤسسة تراث جبل الهيكل، بذريعة أنني ألحقت ضرراً به. وأنا لم أعلم بوجود الدعوى بصيغتها الحالية، ولم أحضر إجراءات المحاكمة التي انتهت بإصدار حكم ضدي".
وتعود القضية إلى عام 2020، بعد أيام من استشهاد الفلسطيني إياد الحلاق، وهو من ذوي الإعاقة والتوحد، برصاص عناصر من أجهزة الأمن الإسرائيلية قرب باب الأسباط في البلدة القديمة بالقدس المحتلة في 30 مايو/ أيار من العام نفسه. وكان الحلاق أُطلق عليه النار بحجة عدم توقفه عند أحد الحواجز، رغم أن الجنود عرفوا بإصابته في حادثة أثارت آنذاك غضباً واسعاً في القدس المحتلة وخارجها.
وبعد أيام، في الخامس من يونيو/ حزيران، حاول الحاخام غليك الوصول إلى بيت عزاء الحلاق في حي وادي الجوز، لكن شباناً مقدسيين طردوه من المكان، ثم تعرّض للضرب والطرد قرب حاوية نفايات. واتهمت سلطات الاحتلال الزعانين بالمشاركة في الاعتداء، وهو ما ينفيه، مؤكداً أن لا شيء يثبت أنه تواجد في الموقع.
ولم تتوقف القضية عند الاتهام، إذ اعتقل الزعانين في منزله واقتيد إلى التحقيق بعد نحو أسبوعين من الواقعة، وفي ذروة تفشي جائحة كورونا. وكان حينها في الحجر الصحي بعد إصابته بالفيروس. ويقول: "تعرضت للاعتداء حينها، ثم سُجنت ستة أشهر، ودفعت غرامات مالية. وبعد الإفراج عني أُعيد اعتقالي لمدة شهرين".
وبعد نحو ست سنوات، عادت القضية إلى الواجهة بطريقة مختلفة تماماً حين تلقى عرين الزعانين إخطاراً من محكمة الاحتلال طالبه بدفع تعويضات شخصية ومالية لغليك ولمكتبه الحقوقي، واكتشف أن القضية التي تعود إلى عام 2020 انتهت بإصدار حكم مالي يضع على عاتقه مبلغاً يصعب أن يوفره. وأوضح أن "المبلغ الذي ظهر في البداية كان نحو 380 ألف شيكل، ثم تضمن الحكم 550 ألف شيكل تعويضاً لغليك و80 ألف شيكل أتعاب محامين لمصلحته. ووصل إجمالي المبلغ إلى نحو 630 ألف شيكل".
وأكد الزعانين أن الحكم صدر غيابياً من دون علمه أو حضوره إجراءات المحاكمة، رغم أنه اعتقل مرات خلال السنوات الماضية. وقد أمهلته المحكمة حتى 20 أغسطس/ آب الجاري لدفع مبلغ أولي 80 ألف شيكل، وإلا سيعتبر متخلفاً عن التسديد، ويُدرج اسمه ضمن قائمة المتخلفين وتُتخذ إجراءات في حقه.
وبالنسبة إلى عرين الزعانين ليس الرقم مجرد مبلغ مالي كبير، بل التزام يفوق قدرته على الاحتمال "في ظل وضع اقتصادي لا يسمح للمقدسي بتأمين احتياجاته الأساسية بسهولة". وهو رفض اعتبار نفسه ملزماً بدفع المبلغ، وقال: "بصفتي مقدسياً لا قدرة لي على دفع خمسة آلاف شيكل اليوم في ظل الضائقة المالية القائمة وانعدام فرص العمل، فكيف سأدفع مبلغ 80 ألف شيكل؟".
ورأى الزعانين أن الحكم المالي جاء في سياق أوسع من الاستهداف الذي يتعرّض له بسبب نشاطه في القدس المحتلة، و"أنا ناشط مقدسي واجتماعي أعمل مع عدد من المؤسسات في المدينة، من بينها جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني ومؤسسات أخرى. والحكم المالي الأخير غير منفصل عن سلسلة طويلة من القرارات والإجراءات التي تعرضت لها طوال سنوات، وأخضع حالياً لقرار إبعاد عن المسجد الأقصى والبلدة القديمة للمرة الثانية على التوالي، لمدة ستة أشهر، بعدما صدر في حقي قرار مماثل نهاية يناير/ كانون الثاني الماضي، وجُدد قبل نحو شهرين".
وتكتسب قرارات الإبعاد بالنسبة إلى عرين الزعانين بعداً أكثر قسوة، إذ إن منزله في حي وادي الجوز لا يبعد سوى عشرات الأمتار عن المسجد الأقصى، ما يعني أن المكان الذي يقع على مرمى النظر منه يصبح، بموجب القرار، ممنوعاً عليه. كما صدر بحقه قرار إبعاد عن الضفة الغربية، واصفاً إياه بأنه "نمط متواصل" من تقييد حركته وإبعاده عن الأماكن التي تشكل جزءاً أساسياً من حياته اليومية ونشاطه في القدس المحتلة، هو الذي اعتقلته سلطات الاحتلال واستدعته إلى التحقيق أكثر من 60 مرة، وقضى أكثر من خمس سنوات في السجون على فترات متقطعة، منذ أن اعتقل للمرة الأولى عندما كان في سن الحادية عشرة.