عبد الناصر أبو بكر لـ"العربي الجديد": لبنان يواجه وضعاً صحياً معقداً وهشاً
- يواجه لبنان تحديات صحية وإنسانية معقدة بسبب الحرب، مما أدى إلى ضغط على المنظومة الصحية والنزوح القسري والدمار، مما يتطلب دعمًا مستمرًا للحفاظ على الخدمات الصحية الأساسية.
- تحدث عبد الناصر أبو بكر عن تجربته الشخصية كنازح في الصومال وتأثيرها على اختياره لمجال الصحة العامة، مشيدًا بصمود الشعب اللبناني وتفاؤله بالمستقبل.
في آخر حديث صحافي له من بيروت، قبل انتهاء ولايته ممثلاً لمنظمة الصحة العالمية في لبنان قبل أيام، استعرض عبد الناصر أبو بكر استجابة وكالته الأممية لأزمات الحرب الأخيرة.
أمام أكثر من شاشة جهاز كومبيوتر، بمحاذاة واجهة زجاجية تلفّ مكتبه في الطبقة الرابعة من المبنى الواقع بمنطقة المتحف في بيروت، وقف الدكتور عبد الناصر أبو بكر وراح يشير إلى مبانٍ أقرب من الأفق. "هنا كنتُ في الثامن من إبريل/ نيسان الماضي"، في تلك اللحظة التي أمطرت فيها المقاتلات الإسرائيلية حمولاتها القاتلة على بيروت وغيرها من المناطق بلمحة بصر مخلّفةً دماراً ودماء". "من هناك، راح الدخان يتصاعد"، قال وهو يرسم خطاً يحدّد فيه النقاط المستهدفة التي شكّلت خطاً أقرب من الأفق. "هنا كنتُ أقف، ولم آتِ بأيّ حركة. ظللتُ مسمّراً في مكاني، وإن كان خطر تطاير الزجاج داهماً". وأكد: "لم آتِ بأيّ حركة"، قبل أن يقرّ بلجوئه منذ ذلك الحين إلى متابعة نفسية.
قبل أكثر من أربعة أعوام، في مايو/ أيار 2022، تسلّم أبو بكر مهامه على رأس مكتب منظمة الصحة العالمية في لبنان، لينهي ولايته قبل أيام، في يوليو/ تموز الجاري. وفي آخر مقابلة له من بيروت، في خلال ولايته الأخيرة، تحدّث لـ"العربي الجديد" عن استجابة وكالته الأممية للأزمة الإنسانية المعقّدة التي نجمت عن الحرب الإسرائيلية الأخيرة، منذ الثاني من مارس/ آذار 2026، مشيراً إلى أنّ الأمر مرتبط بما قبل ذلك، إذ يعود إلى أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
وكانت تلك الأعوام الأربعة في لبنان حافلة بالنسبة إلى الطبيب الذي تعود أصوله إلى الصومال، والذي يتسلّم مهامه الجديدة قريباً في السودان المنكوب، ممثلاً لمنظمة الصحة العالمية فيه، وقد أشار إلى أنّه سوف يحمل معه "كلّ الخبرة التي اكتسبتها هنا، للاستفادة منها في السودان". كذلك لم يخفِ أبو بكر أنّه استعاد، وسط الأزمة الأخيرة في لبنان والنزوح القسري الذي وصفته أكثر من منظمة إنسانية وحقوقية بأنّه يرقى إلى جريمة حرب، إحدى مراحل حياته، يوم كان نازحاً في مخيّمات الصومال. هو رأى في واقع هؤلاء الذين هجّرتهم آلة الحرب الإسرائيلية معاناة عاشها بنفسه، قبل زمن.
وسط تصاعد الحرب الإسرائيلية على لبنان، خصوصاً في جنوبه ومناطق من الشرق وضواحي بيروت الجنوبية، لتصل حتى إلى قلب بيروت، ظهرت أزمات إنسانية عديدة، منذ الثاني من مارس الماضي. لعلّ إحداها أزمة صحية ناجمة عن الضغط على المنظومة الصحية، وإصابات الحرب، واستهداف جيش الاحتلال الإسرائيلي قطاع الصحة ككلّ والعاملين فيه، إلى جانب أعباء التهجير القسري الجماعي.
وعند سؤال "العربي الجديد" أبو بكر عن كيفية تقييمه للوضع، هو الذي تابعه عن كثب على الأرض، قال إنّ "لبنان، من وجهة نظر منظمة الصحة العالمية، ما زال يواجه وضعاً معقّداً وهشّاً في المجال الإنساني ومجال الصحة العامة، فيما يترافق انخفاض حدّة الأعمال العدائية في عدد من المناطق مع عواقب (للاعتداءات الأخيرة) صحية كبيرة ومتواصلة"، مضيفاً أنّ منظمته "ترحّب بالجهود المستمرّة نحو السلام والاستقرار، وتدعو كلّ الأطراف إلى مواصلة الحوار، وكذلك إلى احترام كلي للقانون الدولي الإنساني، وحماية الرعاية الصحية والعاملين الصحيين والمرضى والخدمات الأساسية في كلّ الأوقات".
وبيّن أبو بكر أنّ "المنظومة الصحية ما زالت تحت ضغط شديد"، ولا سيّما أنّ 4.324 شخصاً (من بينهم 392 امرأة و253 طفلاً) قُتلوا منذ الثاني من مارس الماضي، فيما جُرح 12 ألفاً و224 آخرون (من بينهم 1.450 امرأة و1.036 طفلاً)، وفقاً للبيانات الصادرة عن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع لوزارة الصحة العامة اللبنانية الذي تدعمه منظمة الصحة العالمية حتى 16 يوليو/ تموز الجاري، "الأمر الذي يجعل خدمات الطوارئ، وكذلك تلك الخاصة بإصابات الحرب وعمليات إعادة التأهيل واستمرارية الخدمات الصحية الأساسية، تحت ضغط دائم".
أضاف ممثّل منظمة الصحة العالمية في لبنان، الذي انتهت ولايته أخيراً، أنّ "الوضع الإنساني مهمّ كذلك"، في إشارة إلى ما يتعلّق بالنازحين؛ هؤلاء الذين ما زالوا في مراكز الإيواء، وكذلك الذين توزّعوا في مناطق مختلفة من البلاد عند أقارب أو معارف أو حتى على الطرقات وفي مخيمات عشوائية، إلى جانب مَن قرّر العودة أخيراً إلى الديار التي هُجّر منها على خلفية القصف العنيف أو تهديدات. ولم يخفِ أبو بكر مخاوفه إزاء تلك العودة، قائلاً "على الرغم من وقف إطلاق النار اليوم، فإنّ هذا النزوح سوف يستمرّ، لمدّة عام أو عامَين أو ثلاثة أعوام"، رابطاً ذلك بإعادة الإعمار. وتساءل: "كم من الوقت سوف تستغرق عملية إعادة الإعمار؟ وكم من المال سوف تتطلّب؟". أضاف: "لهذا السبب، نتحدّث عن نزوح طويل الأمد. لم ينتهِ الأمر بعد، هذه مجرّد بداية".
وقال أبو بكر إنّ "منظمة الصحة العالمية تشعر بالقلق، خصوصاً بشأن التأثيرات الصحية غير المباشرة للأزمة"، شارحاً أنّ الأضرار في البنية التحتية وانقطاع المياه والكهرباء والاتصالات والذخائر غير المنفجرة ما زالت (كلّها) تؤدّي إلى الحدّ من الوصول إلى الرعاية الصحية، وزيادة مخاطر تفشّي الأمراض، وانقطاعات في إدارة الأمراض المزمنة، والتقليل من الوصول إلى خدمات الصحة الخاصة بالأم والطفل، وتزايد الاحتياجات النفسية والنفسية - الاجتماعية". وشدّد على أنّ "أولوية منظمة الصحة العالمية تبقى دعم وزارة الصحة العامة اللبنانية والشركاء للحفاظ على الخدمات الصحية الأساسية، وتعزيز مراقبة الأمراض والاستعداد للطوارئ، وضمان استمرارية الرعاية للفئات الضعيفة، ودعم التعافي المبكّر، مع الاستمرار في الدفاع عن حماية الرعاية الصحية والاستثمار المستدام في صمود المنظومة الصحية في لبنان".
استجابة لم تبدأ أخيراً
وإذ أشاد أبو بكر بفريق عمل منظمته في لبنان، الذي كان متأهباً وفاعلاً وسط الظروف الاستثنائية التي مسّت أحياناً الأفراد أنفسهم، أفاد بأنّ استجابة منظمته للأزمة الأخيرة التي قامت في الثاني من مارس 2026 "لم تبدأ بهذه الأزمة"، إنّما تأتي "نتيجة أعوام من الشراكة ما بين وزارة الصحة العامة ومنظمة الصحة العالمية والمانحين ووكالات الأمم المتحدة الأخرى، وكذلك عدد من الشركاء الوطنيين لتعزيز المنظومة الصحية في لبنان وتحسين تأهّبها للاستجابة للطوارئ". وأوضح أنّ "النهج الذي تتّبعه المنظمة لطالما قام على بناء التأهّب قبل حدوث أزمة ما. وكلّ حالة طوارئ توفّر دروساً من شأنها أن تساعدنا في تحديد الثغرات، وتقوية القدرات، وتحسين تأهّبنا للحدث (الأزمة) المقبل. وهذه الدورة المستمرة من التأهّب والاستجابة والتعافي والتعلّم والتحسين مكّنت المنظومة الصحية من الاستجابة بطريقة أكثر فعالية، على الرغم من مواجهة أزمات متعدّدة في الأعوام الأخيرة". وأكد المسؤول الأممي أنّ "الاستثمار الشامل" الذي قامت به منظمته على مدى أعوام عديدة، "مكّن المنظومة الصحية في لبنان من الاستمرار في العمل على الرغم من التحديات غير المسبوقة. وفي وقت ما زالت المنظومة فيه ترزح تحت ضغط هائل، عزّزت جهود الاستعداد الخاصة بالقدرات الوطنية، وحسّنت التنسيق (بين الجهات المعنيّة)، وسمحت للبنان بالاستجابة بطريقة أسرع وأكثر فعالية لحالات طوارئ متتالية. وفي الوقت نفسه، تذكّرنا كلّ أزمة بأنّ التأهّب ليس إنجازاً لمرّة واحدة، بل استثمار متواصل لا بدّ من أن يستمرّ في حال أرادت البلدان أن تبقى صامدة في مواجهة صدمات مستقبلية".
وكانت منظمة الصحة العالمية قد عمدت إلى "تفعيل فريق دعم إدارة الحوادث (آي إم إس تي) بوصفه جزءاً من هيكل استجابتها الطارئة، من أجل ضمان استجابة صحية منسّقة وسريعة في لبنان"، بحسب ما أفاد أبو بكر، شارحاً أنّ "الفريق يُعَدّ آلية إدارة الطوارئ الموحّدة التابعة للمنظمة التي تُستخدَم لتنظيم الاستجابة وتعزيزها في حالات الطوارئ الصحية"، وأنّه أتى في لبنان "مركزياً، بهدف توحيد جهود المنظمة حول أولويات التأهّب والاستجابة والتعافي المبكّر".
ومن ضمن هذا الإطار، ركّزت المنظمة جهودها، بحسب ما شرح أبو بكر، على "الدعم الفني، وتنسيق الاستجابة في القطاع الصحي، ودعمها تشغيلياً، وذلك من خلال العمل عن كثب مع وزارة الصحة العامة اللبنانية بوصفها السلطة الوطنية المسؤولة عن الاستجابة الصحية. ويشمل ذلك تنسيق استمرارية تقديم الخدمات، ودعم نظم المراقبة والمعلومات، وتسهيل الاستجابة الطبية الطارئة، وضمان التنسيق بين الشركاء العاملين في المستشفيات، والرعاية الصحية الأولية، وخدمات الطوارئ الطبية، ووظائف الصحة العامة".
وأشار أبو بكر إلى تنسيق أوسع للاستجابة الإنسانية "يقوده منسّق الأمم المتحدة المقيم في لبنان (عمران ريزا في خلال الأزمة الأخيرة)، الأمر الذي يضمن نهجاً شاملاً للأمم المتحدة يوفّر الدعم للأولويات الوطنية". وفي هذا الإطار، "تعمل منظمة الصحة العالمية، من ضمن هذا النظام، جنباً إلى جنب مع وكالات أخرى تابعة للأمم المتحدة من أجل ضمان التكامل وتجنّب التكرار، خصوصاً في التدخّلات الصحية والاستجابة الإنسانية العابرة للقطاعات". كذلك، ساهمت منظمة الصحة العالمية في "النداء العاجل للبنان 2026"، وفقاً لأبو بكر، وذلك "بالتعاون مع الحكومة اللبنانية وشركاء الأمم المتحدة، لضمان تلبية الاحتياجات الصحية العاجلة؛ ويشمل ذلك الرعاية الخاصة بإصابات الحرب، واستمرارية الخدمات الأساسية، ومراقبة الأمراض، والدعم النفسي وكذلك النفسي - الاجتماعي، وحماية المرافق الصحية والعاملين في المجال الصحي". وأكمل أنّ "استجابة منظمة الصحة العالمية دُمجت بالكامل من ضمن هيكل التنسيق الوطني الذي تقوده وزارة الصحة العامة ونظام التنسيق الإنساني الأوسع التابع للأمم المتحدة، الأمر الذي من شأنه ضمان التناسق والكفاءة والتوافق مع الأولويات الوطنية في خلال الأزمة".
العمود الفقري للمنظومة الصحية في لبنان
وعند سؤال أبو بكر عن احتمال إدخال أيّ تعديل على استجابة منظمته في حال تكرّر أيّ تصعيد عسكري مشابه لما جرى ابتداءً من الثاني من مارس الماضي، أجاب أنّ منظمة الصحة العالمية سوف تستجيب من خلال إطار العمل المنسّق نفسه الخاص بحالات الطوارئ، مؤكداً أنّ "تركيزنا سوف يبقى على أولويات إنقاذ الحياة، بما في ذلك توفير رعاية إصابات الحرب، وخدمات الطوارئ، والأدوية الأساسية، والمراقبة، واستمرارية الخدمات الصحية الأساسية".
لكنّ المسؤول الأممي لفت إلى أنّ "التركيز سوف يكون، بصورة رئيسية إضافية، على حماية القوى العاملة الصحية ودعمها"، مشدّداً على أنّها "لطالما مثّلت العمود الفقري للمنظومة الصحية في لبنان، لجهة صمودها". ويشرح أنّ "على مدى الأعوام الستّة الماضية، واصل العاملون الصحيون في لبنان تقديم الرعاية في خلال أزمات متداخلة متعدّدة، بما في ذلك الانهيار الاقتصادي والمالي، وأزمة كوفيد-19، وانفجار مرفأ بيروت، وكذلك الصراعات (الأعمال العدائية) المتكرّرة وانعدام الأمن، وحالات الطوارئ الناجمة عن التهجير واسع النطاق"، مشدّداً على أنّ "التزام هؤلاء المستمرّ كان محورياً للحفاظ على وظائف المنظومة على الرغم من الضغوط القصوى. من هنا، سوف تحرص منظمة الصحة العالمية، في أيّ تصعيد متجدّد، على أولوية تعزيز سلامة القوى العاملة، ورفاهيتها، وزيادة قدراتها والاحتفاظ بها، مع الاستمرار في دعم المنظومة الصحية للاستجابة بفعالية وضمان استمرارية الرعاية لجميع السكان".
عودة مؤقتة إلى الديار وسط التحديات
ووسط الأزمة الأخيرة في لبنان والنزوح القسري الذي وصفته أكثر من منظمة إنسانية وحقوقية بأنّه من جرائم الحرب، استعاد أبو بكر شيئاً ممّا عاشه في مخيّمات النزوح بالصومال، في واحدة من مراحل حياته. هو رأى في واقع هؤلاء الذين هجّرتهم آلة الحرب الإسرائيلية معاناة شبيهة بما عاشه بنفسه قبل مدّة من الزمن، على بعد أكثر من خمسة آلاف كيلومتر برّاً. ولعلّ تركيز أبو بكر، في أكثر من منشور وتصريح، على الوضع الصحي الصعب في مراكز الإيواء التي استضافت آلاف الأشخاص الذين هُجّروا مؤشّر واضح إلى ذلك.
وكانت الأمم المتحدة قد دانت، من خلال مسؤولين فيها وكذلك وكالات تابعة لها، التهجير الجماعي ولا سيّما من خلال التهديدات الإسرائيلية وأوامر الإخلاء التي أطلقها جيش الاحتلال. وحذّر خبراء مستقلون لدى الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان من أنّ ذلك، إلى جانب التدمير المتعمّد للمنازل وإنشاء مناطق عازلة لأجل غير مسمّى، يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية.
وبعدما كان ممثّل منظمة الصحة العالمية في لبنان قد حذّر، في أكثر من تصريح ومنشور منذ الثاني من مارس الماضي، من الأوضاع الصحية الصعبة في مراكز الإيواء، قال لـ"العربي الجديد" إنّ الوضع القائم "يعكس أزمة نزوح واسعة النطاق ومتسارعة، مع آثار صحية عامة كبيرة؛ فقد هُجّر أكثر من مليون شخص (نحو 20% من سكان لبنان) في فترة قصيرة جداً، الأمر الذي تسبّب في ضغط شديد على الملاجئ والمجتمعات المضيفة وكذلك على الخدمات الصحية". وفي حين أنّ عشرات آلاف المهجّرين ما زالوا في مراكز الإيواء ومئات الآلاف في حالة نزوح بمناطق مختلفة من البلاد، عاد مئات آلاف آخرين إلى مناطقهم. لكنّ أبو بكر رأى أنّ "عدداً كبيراً من عمليات العودة تلك هو مؤقّت أو مجرّد اذهب وشاهد، وذلك بسبب انعدام الأمن والدمار الذي حلّ بالبيوت والوصول المحدود إلى الخدمات الأساسية، بحسب تقارير أخيرة لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)".
أمّا من المنظور الصحي، فقد أدّى هذا الوضع بحسب أبو بكر إلى "طلب مرتفع وغير متوازن على الخدمات الأساسية في مراكز الإيواء وكذلك في مناطق العودة راهناً، بما في ذلك الرعاية الصحية الأولية، وإدارة الأمراض المزمنة، وخدمات صحة الأمّ والطفل، والدعم النفسي والنفسي - الاجتماعي، والوقاية من تفشّي الأمراض". وحذّر من أنّ "تأهّب المنظومة (الصحية) ما زال جزئياً ومقيّداً، ولا سيّما في المناطق المتأثّرة من جرّاء تضرّر البنية التحتية وتعطّل الخدمات".
وشرح أبو بكر أنّ "الصحة العامة معقّدة وهشّة (...) في مناطق العودة، إذ إنّ العائلات العائدة معرّضة مؤقتاً لمخاطر متداخلة، ويشمل ذلك زيادة مخاطر تفشّي الأمراض المعدية المرتبطة بنقص المياه، وارتفاع الحرارة الموسمية، وحركة السكان، وضعف المراقبة، وسوء الصرف الصحي". أضاف أنّ "الإصابات الناجمة عن الذخائر غير المنفجرة ما زالت تمثّل، بدورها، تهديداً للسلامة فيما تحدّ من الوصول إلى المنازل والخدمات"، ويأتي ذلك إلى جانب "الوصول المنقطع إلى الرعاية بسبب تضرّر البنية التحتية، وسوء حالة الطرقات، وانقطاعات في الكهرباء والاتصالات التي تؤثّر على الإحالات (الصحية) والاستجابة للطوارئ".
وأقرّ أبو بكر بأنّ "ثمّة قلقاً متزايداً، في الوقت نفسه، إزاء تفاقم الأمراض المزمنة، إذ يواجه المصابون بأمراض من قبيل داء السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان وارتفاع ضغط الدم انقطاعات في علاجاتهم. كذلك تتعرّض خدمات صحة الأم والطفل والصحة الإنجابية لتعطيل، ما يحدّ من الوصول إلى الرعاية الوقائية والرعاية الأساسية الدائمة". ولم ينسَ أن يشير إلى "تزايد احتياجات الصحة النفسية وكذلك احتياجات الدعم النفسي - الاجتماعي، الناجمة عن التهجير وانعدام الأمان والخسارات وعدم اليقين، وذلك مع عواقب فورية وأخرى طويلة الأمد على المجتمعات المتضرّرة".
وأكد أبو بكر أنّ "الخدمات الصحية في مناطق العودة ما زالت متقطّعة ومقيّدة"، معيداً ذلك إلى "ضعف أنظمة المراقبة بسبب قيود الوصول والأمن، والضغط الذي تعاني منه خدمات الرعاية الصحية الأولية وخدمات الطوارئ، في حين يقلّل إنهاك القوى العاملة من تعزيز القدرات". وبينما لفت إلى أنّ التنسيق ما زال مستمرّاً بين منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة العامة اللبنانية والشركاء، شدّد على أنّ "المنظومة جاهزة جزئياً فقط، ولا سيّما في ظلّ حجم الاحتياجات وتعقيدها، خصوصاً في حال تواصل عمليات العودة من دون إعادة تأهيل كافية للبنية التحتية ومن دون إزالة الذخائر غير المنفجرة".
الأشهر الأكثر دموية في لبنان
وعند سؤال أبو بكر عمّا قصده في تصريحات سابقة له بخصوص "نمط قاتل" و"مسألة حياة أو موت"، مشيراً إلى أنّ الأشهر الأخيرة "كانت من الأكثر دموية في لبنان منذ بداية الصراع في أكتوبر 2023"، أجاب أنّ ذلك أتى بعد ملاحظة "حجم الوقائع المتكرّرة التي خلّفت إصابات جماعية وشدّة تلك الوقائع وتأثيرها على المنظومة الصحية عبر الزمن، خصوصاً في خلال فترات التصعيد الحاد التي وضعت ضغطاً استثنائياً على المستشفيات والعاملين في المجال الصحي". وأكد أنّ أعداد الضحايا "تسلّط الضوء على التأثير المدني الأوسع نطاقاً والطلب المستمرّ على خدمات الطوارئ وتلك الخاصة بإصابات الحرب وإعادة التأهيل".
وبيّن أبو بكر أنّ "الثامن من إبريل 2026 كان مثالاً بارزاً على شدّة فترات الذروة، إذ هو أحد أكثر أيام التصعيد شدّة؛ فالتقارير المنشورة تشير إلى مقتل ما لا يقلّ عن 357 شخصاً وإصابة أكثر من 1.165 آخرين. وقد شهدت المستشفيات في بيروت و(محافظة) جبل لبنان والمناطق المتأثّرة الأخرى ارتفاعاً مفاجئاً في عدد الإصابات، وعملت أقسام الطوارئ بطريقة تجاوزت القدرة الاعتيادية".
وأوضح أنّ "ما يثير القلق بصورة خاصة، من منظور الصحة العامة، هو أنّ ذلك الارتفاع حدث بالتزامن مع الطلب المستمرّ على خدمات المنظومة الصحية من قبل أعداد كبيرة من النازحين؛ فنحو 70% من هؤلاء المستضافين في بيروت وجبل لبنان في حاجة إلى رعاية، بما في ذلك عدد متزايد من المرضى الذين يحتاجون إلى علاج للسرطان وخدمات غسل الكلى". أضاف أنّ ذلك أدّى إلى "ضغط دائم على المستشفيات التي تقدّم الرعاية الثالثية (المرافق الصحية المركزية التي توفّر رعاية تخصصية متطوّرة)، التي كانت تتعامل في الوقت نفسه مع تدفّقات الضحايا الجماعية، وتواصل تقديم الرعاية الخاصة بعلاجات الحالات المزمنة التي تضمن إدامة الحياة".
وشرح أبو بكر أنّ إشارة منظمة الصحة العالمية إلى الوضع في الأشهر الأخيرة، لجهة حدّته، تظهّر "هذا النمط المتكرّر من الصدمات مرتفعة الشدّة المترافقة مع ضغط مزمن على المنظومة (الصحية)، إذ توجّب على المستشفيات مراراً الاستجابة للزيادة المفاجئة في أعداد إصابات الحرب مع الحفاظ على خدماتها الأساسية المخصّصة للمرضى المعرّضين للخطر بشدّة". ويكمل أنّ "من منظور المنظومة الصحية، فإنّ من شأن ذلك أن يؤدّي إلى تكرار الضغط على أقسام الطوارئ، وعلى قدرات القوى العاملة، وسلاسل التوريد، ومسارات الإحالة، الأمر الذي يُبرز أهمية حماية الخدمات الصحية، وتعزيز القدرات، وضمان استمرارية تقديم الرعاية في ظلّ تحديات كبيرة".
قلق عميق إزاء استهداف الصحة والإغاثة
وفي خلال الأعمال العدائية الأخيرة، استهدف جيش الاحتلال الإسرائيلي قطاعَي الصحة والإغاثة بطريقة صارخة، الأمر الذي دفع منظمة الصحة العالمية، ولا سيّما مديرها العام تيدروس أدهانوم غيبريسوس، إلى التنديد بالتصويب على المستجيبين الأوائل، بما في ذلك المسعفين وغيرهم من العاملين في الرعاية الصحية، بالإضافة إلى مركبات الإسعاف والمستشفيات والمراكز الصحية. عند سؤال أبو بكر عن تلك الانتهاكات المرتكبة، أكد أنّ "ثمّة قلقاً عميقاً"، من وجهة نظر منظمته، "بشأن الآثار المستمرّة للهجمات على الرعاية الصحية والمستجيبين الأوائل في لبنان، التي أضعفت بصورة كبيرة المنظومة الصحية المنهكة في الأساس وأثّرت على قدرتها في ما يخصّ تقديم الخدمات المنقذة للأرواح".
وبيّن أنّ "منذ الثاني من مارس 2026، شُنّ 211 هجوماً على الرعاية الصحية، أسفرت عن مقتل 135 عاملاً صحياً وإصابة 406 آخرين، بما في ذلك مسعفون وأفراد فرق طوارئ طبية، هم في الغالب خطّ الاستجابة الأوّل في حالات الإصابات الجماعية. وقد طاولت هذه الوقائع كذلك مركبات الإسعاف والمستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية، الأمر الذي قلّل من قدرة الاستجابة للطوارئ وأخّر الوصول إلى الرعاية في المناطق المتضرّرة".
وتحدّث أبو بكر عن "القرار الذي اعتمدته جمعية الصحة العامة (في دورتها التاسعة والسبعين بجنيف)، في 21 مايو 2026، بشأن حماية الرعاية الصحية في لبنان، والذي طالب باحترام كامل للقانون الدولي الإنساني، وحماية العاملين الصحيين والمرضى ومركبات الإسعاف والمرافق الصحية، وضمان الوصول المستمرّ إلى الخدمات الصحية الأساسية. كذلك شدّد القرار على المساءلة والحاجة إلى تعزيز آليات حماية الرعاية الصحية في النزاعات".
لكنّه لفت إلى أنّ "على الرغم من هذا الالتزام الدولي الكبير، تواصل منظمة الصحة العالمية توثيق مزيد من الوقائع التي تطاول الرعاية الصحية منذ اعتماد القرار، بما في ذلك هجمات إضافية أدّت إلى مزيد من الوفيات والإصابات بين العاملين الصحيين، بالإضافة إلى أضرار متزايدة في البنية التحتية الصحية وخدمات الاستجابة الطارئة". ومنذ ذلك الحين، "وثّقت المنظمة 41 هجوماً تسبّبت في 22 وفاة و143 إصابة"، وفقاً لأبو بكر، الذي أقرّ بأنّ قلق منظمته العميق إزاء هذه الهجمات يعود كذلك إلى أنّها لا تؤدّي فقط إلى خسائر مأساوية في الأرواح بين العاملين الصحيين والمستجيبين الأوائل، بل تؤثّر كذلك على المنظومة (الصحية) بأكملها؛ فتقلّص القدرة على الاستجابة للطوارئ، وتعطّل مسارات الإحالة، وتضعف الوصول إلى الرعاية المنقذة للحياة للسكان المتضرّرين".
ورداً على سؤال بشأن تصنيف أعمال العنف هذه جرائم حرب، بموجب القانون الدولي الإنساني، قال أبو بكر إنّ "منظمة الصحة العالمية تكرّر تأكيدها أنّ المرافق الصحية محمية، وكذلك مركبات الإسعاف والعاملين الصحيين والمرضى، بموجب القانون الدولي الإنساني، وذلك في كلّ الأوقات. بالتالي، لا يجوز استهدافها أبداً ولا عرقلتها. واحترام هذه الحمايات ضروري لضمان استمرارية خدمات الصحة المنقذة للحياة، خصوصاً في السياقات التي تكون فيها الاحتياجات مرتفعة جداً".
وحذّر أبو بكر هنا من التأثير الخطر واسع النطاق على المنظومة الصحية، شارحاً أنّ "استمرار الهجمات على الرعاية الصحية يقوّض صمود المنظومة ويزيد من الاحتياجات الإنسانية، في وقت يُسجَّل فيه طلب كبير جداً على الرعاية الخاصة بإصابات الحرب وخدمات الطوارئ والخدمات الصحية الأساسية". وتحدّث عن "انخفاض القدرة على الاستجابة للطوارئ، وتعطيل مسارات الإحالة، وتضرّر البنية التحتية الصحية، وزيادة المخاطر المحدقة بالمرضى والمستجيبين في الخطوط الأمامية"، مؤكداً أنّ "كلّ هذه الضغوط تضعف المنظومة الصحية المنهكة بالفعل، وتحدّ من وصول الفئات المتضرّرة إلى الرعاية الأساسية". وأشار إلى أنّ "دور منظمة الصحة العالمية يقضي بتوثيق ما تخلّفه الهجمات التي تستهدف الرعاية الصحية على الصحة العامة، بالإضافة إلى دعم استمرارية الخدمات الصحية الأساسية، والدفاع عن حماية المنظومات الصحية والعاملين في المجال الصحي والمرضى".
يُذكر في هذا الإطار أنّ المدير العام لمنظمة الصحة العالمية اتّخذ، منذ الثاني من مارس الماضي، مواقف جريئة في أكثر من مناسبة، في ما يتعلّق بالاستهداف الممنهج لقطاع الصحة. فقد ذكر غيبريسوس صراحة إسرائيل بوصفها مرتكبة الهجمات، علماً أنّ منظمته تمتنع في العادة عن تسمية الأطراف المعتدية، إذ لا تعدّ نفسها جهة مخوّلة بتحديد المسؤوليات. وهنا، قال أبو بكر إنّ "نهج منظمة الصحة العالمية يقوم على الحياد والاستقلالية والتجرّد. فتوثّق آثار استهداف الرعاية الصحية على الصحة العامة، بما في ذلك الأضرار التي تلحق بالعاملين الصحيين ومركبات الإسعاف والمرافق، وتطالب بحمايتهم بموجب القانون الدولي الإنساني، من دون تحديد المسؤوليات، فذلك يقع على عاتق الهيئات الاستقصائية والقانونية الملائمة".
لكنّ أبو بكر لفت إلى أنّ "قيادة منظمة الصحة العالمية قد ترفع الصوت، في الوقت نفسه، من أجل تسليط الضوء على تأثير حدّة الخسائر البشرية على الخدمات الصحية، ولا سيّما عندما تؤدّي الوقائع المتكرّرة إلى خسارات في الأرواح بين العاملين الصحيين والمتطوّعين".
وزارة الصحة العامة في دور محوري
في سياق متصل، أشاد أبو بكر بـ"الدور المحوري" الذي أدّته "وزارة الصحة العامة اللبنانية ومركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع لها، في ما يخصّ توجيه عملية الاستجابة الصحية الوطنية في خلال الأزمة، وذلك وسط ظروف تنطوي على تحديات كبيرة وتصاعد سريع (في المستجدات)". وشرح أنّ "الوزارة، من خلال القيادة والتنسيق المستمرَّين الخاصَين بالقطاع الصحي، نجحت في الإبقاء على تشغيل الخدمات الأساسية وتأمين توافق أولويات الاستجابة عبر المستشفيات والرعاية الصحية الأولية وخدمات الطوارئ الطبية والشركاء".
وبيّن أبو بكر، في هذا الإطار، أنّ "مركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع للوزارة مثّل مركزاً للتنسيق ودعم اتخاذ القرارات، الأمر الذي يتيح مراقبة الوضع في الوقت الفعلي (على مدار الساعة)، وتبادل المعلومات، وتنسيق الاستجابة التشغيلية في كلّ أنحاء البلاد. وعلى الرغم من القيود التشغيلية الكبيرة، ساعدت كلّ من وزارة الصحة العامة ومركز عمليات الطوارئ الصحية العامة في الحفاظ على تماسك عملية الاستجابة الصحية واستمراريتها، الأمر الذي دعم وظائف المنظومة في خلال الصدمات المتكرّرة والطلب الكبير على الخدمات".
وفي ما يشبه التنويه، أفاد أبو بكر بأنّ "على الرغم من الضغط الشديد على المنظومة (الصحية) وحجم النزوح، لم نتلقَّ تقارير عن أيّ تفشّ صحي عام كبير في مراكز الإيواء الجماعية بكلّ أنحاء البلاد، ولا تقارير عن أيّ حرمان منهجي للمرضى من الوصول إلى الرعاية الاستشفائية المنقذة للحياة طوال هذه المدّة". وأكد أنّ "المنظومة الصحية في لبنان بيّنت نقاط قوة بارزة في ما يخصّ الصمود والتكيّف عبر مراحل مختلفة، لكنّها ما زالت تحت ضغط مستمرّ وهي في حاجة إلى دعم واستثمار مستمرَّين".
تعزيز المنظومة الصحية... وصمود
وعن دور منظمة الصحة العالمية في لبنان، قال أبو بكر إنّه يقوم على أساس "نهج إنساني - تنموي يجمع ما بين الاستجابة الطارئة وتعزيز المنظومة الصحية طويل الأمد. وفي المجال الإنساني، تعمل المنظمة مع وزارة الصحة العامة وشركائها لدعم عمليات الاستجابة المنقذة للحياة، بما في ذلك رعاية إصابات الحرب، والخدمات الطبية الطارئة، ومراقبة الأمراض، والاستعداد لتفشّي أوبئة، وضمان استمرارية الخدمات الصحية الأساسية في أثناء الأزمات". أضاف أنّ "تفويض منظمة الصحة العالمية الإنمائي يركّز، في الوقت نفسه، على تعزيز المنظومة الصحية بهدف تمكينها من تحمّل الصدمات بطريقة أفضل وتقديم رعاية عادلة مع مرور الوقت. ويشمل ذلك دعم الحوكمة والتنسيق الصحيَّين، وتطوير القوى العاملة الصحية وأنظمة المعلومات الصحية والمراقبة، بالإضافة إلى الوصول إلى الأدوية والتقنيات الأساسية، وتعزيز تقديم الخدمات على المستويات الثلاثة؛ الأولية والثانوية والثالثية".
وتابع أنّ "في الأعوام الأخيرة، ركّزت المنظمة في لبنان عملها بصورة متزايدة على أجندة السكان الأكثر صحة، التي تصوّب على الوقاية وتعزيز الصحة، ودعم المجتمعات للتقليل من عوامل الخطر الخاصة بالأمراض، وتحسين مخرجات الصحة النفسية كما الجسدية، وتعزيز قدرة تحمّل السكان وصمودهم. وبشكل عام، يقضي دور منظمة الصحة العالمية بضمان قدرة المنظومة الصحية، ليس فقط على صعيد الاستجابة للطوارئ، بل كذلك على مستوى التعافي والتكيّف وتحسين مخرجات الصحة للجميع بطريقة مستدامة".
"مخيمات النزوح دفعتني إلى اختيار الصحة العامة"
يُذكر أنّ أبو بكر لم يهدأ طوال الفترة الماضية، إذ راح يتنقّل بين مراكز الإيواء لمتابعة أوضاع من هجّرتهم آلة الحرب الإسرائيلية، وبين المستشفيات حيث جرحى الحرب والمرضى القلقين وسط تصاعد الأزمات، وبين مراكز الصحة الأولية للوقوف عند الاحتياجات، وبين مستودعات الأدوية. كذلك راح يستقبل مساعدات وإمدادات حيوية في مطار رفيق الحريري الدولي بالعاصمة بيروت، ويجول مع مسؤولين أممين زاروا لبنان وسط الأزمة، ويطّلع على سير عمل مركز عمليات طوارئ الصحة العامة. ولم يفته كذلك الانتقال إلى جنوبي لبنان، لتقديم الدعم وسط استهداف القطاع الصحي. أتى كلّ ذلك انطلاقاً من قناعته بأهمية الصحة العامة، في النزاعات كما في كلّ يوم.
وأخبر أبو بكر "العربي الجديد" أنّ "بعد تخرّجي (طبيباً) في عام 1989، قرّرتُ التمتّع بالحياة. لكنّ استمتاعي انقطع فجأة؛ فقد اندلعت الحرب الأهلية بالصومال في عام 1990. وبعدما كنتُ قد عملتُ لمدّة عام، صرتُ لاجئاً... نازحاً في ذلك الوقت. لكنّني لم أستسلم". أضاف: "وكنتُ من بين القلائل المحظوظين الذين هاجروا إلى الخارج، إلى كندا. بعد ذلك، توجّهت إلى الولايات المتحدة الأميركية حيث أكملت دراساتي العليا في الصحة العامة". وأتى اختيار الاختصاص "لأنّني أدركتُ، عندما كنتُ في مخيمات النزوح، مدى أهمية الصحة العامة"، بحسب قوله. وشرح: "عندما يكون لدينا آلاف وملايين النازحين، لا يكفي أن نهتمّ بالمرضى فحسب، بل يجب علينا الاهتمام بما يتعلّق بالجميع؛ اللقاحات والمياه النظيفة والصرف الصحي وكلّ ما من شأنه أن يساعد في الوقاية من الأمراض". وأكد أبو بكر: "لقد صار هذا شغفي، بحقّ، لذلك التحقتُ بكلية جونز هوبكنز بلومبرغ للصحة العامة في بالتيمور (ولاية ماريلاند الأميركية). وبعدما أنهيتُ دراستي هذه، عدتُ إلى أفريقيا، وقلتُ لنفسي إنّني في حاجة إلى ردّ الجميل لبلادي، وكذلك إفادة بلدان أخرى". ومنذ ذلك الحين، "نفّذت مهمات في الصومال وكينيا وإثيوبيا وجنوب السودان ومصر، وزرتُ اليمن وأفغانستان وبلداناً أخرى".
وتعامل المتخصّص في الأمراض المعدية الناشئة مع "تفشّيات عديدة، من بينها التهاب السحايا والكوليرا في جنوب السودان، كذلك اضطلعتُ بدور محوري في مكافحة كوفيد-19 وذلك في 22 بلداً بمنطقة شرق المتوسط، متولياً كلّ جوانب الاستجابة (لأزمة كورونا الوبائية)"، بحسب ما أفاد. وتابع: "بعد الانتهاء من مكافحة كوفيد-19، ظننتُ أنّني سوف أحظى بالراحة في لبنان"، حيث كانت محطّته ابتداءً من مايو/ أيار 2022 وحتى يوليو/ تموز 2026، "لكنّ الكوليرا استقبلتني"، في تفشٍّ كان الأوّل من نوعه منذ ثلاثة عقود، في أكتوبر/ تشرين الأوّل 2022. وأكمل: "لكنّنا تمكنّا من السيطرة على تلك الأزمة في خلال ستّة أشهر".
وفي وصفه الأعوام الأربعة التي تولّى في خلالها مهامه في لبنان، قال أبو بكر إنّها "رائعة ومليئة بذكريات جميلة، غير أنّها شهدت كذلك تحديات عديدة. عموماً، مرّت البلاد بأوقات عصيبة جداً، غير أنّنا نبذل قصارى جهدنا للوفاء بمسؤوليتنا في حالات الطوارئ والتنمية وإنقاذ مزيد من الأرواح وغير ذلك. لكنّ ثمّة مزيداً ممّا يتوجّب علينا فعله". أضاف: "أغادر (لبنان) وفي قلبي مشاعر إيجابية. أغادر متفائلاً وآملاً. تعلّمتُ من لبنان الصمود؛ الشعب اللبناني ما زال يعبّر عن فرح رغم هذه الأزمة". ففي لبنان، "ثمّة حياة" على الرغم من كلّ الوقائع المأساوية، بحسب ما أكد. وأكمل: "قد نتساءل هل هذا هو الشعب نفسه، الذي يحيا وسط الموت؟ قبل أن نجيب: هذا لبنان".