عايدة الشرباصي... أمّ لأربعة من شهداء غزة تعيش في "منشر غسيل"
استمع إلى الملخص
- فقدت عايدة أبناءها الأربعة أثناء محاولتهم إنقاذ قريب مصاب، مما تركها في حالة حزن وفراغ كبيرين بعد استشهادهم جراء القصف الإسرائيلي.
- دُمر المبنى السكني لعائلة عايدة بالكامل، مما أدى إلى تشردهم واعتمادها على مساعدات إنسانية قليلة، بينما تعاني من آلام جسدية ونفسية بسبب الحصار المستمر.
لم توفّر الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة الفلسطينية عايدة الشرباصي، من حيّ الشجاعية في مدينة غزة شمالي القطاع، وقد دمّرت منزلها الآمن وشرّدتها. واليوم، تسكن المرأة المعروفة باسم أمّ طلعت، التي استشهد أربعة من أبنائها، في بقعة كانت تُخصَّص لنشر الغسيل، لا تتجاوز مساحتها مترَين بمترَين، وذلك في زاوية خيمة متواضعة يملكها أقارب لها.
وتحوّل هذا الركن الضيّق الذي كان يُستخدَم "منشر غسيل" إلى غرفة نوم عايدة الشرباصي ومطبخها وملاذها الوحيد، بعدما دمّرت آلة الحرب الإسرائيلية مسكن العائلة المؤلّف من سبع طبقات وكلّ ما كانت تملكه، إلى جانب فقدانها أربعة من أبنائها بفعل القصف الإسرائيلي. وتجمع الأم الثكلى في البقعة الصغيرة أوجاعاً كبيرة؛ ألم فقدان الأبناء وتبدّل الأحوال والأزمات اليومية. فهي بلا علاج دائم ولا طعام ولا حتى دفء، فالبطانية الرقيقة لا تقي برد هذا الموسم، وعندما تهبّ الرياح يهتزّ شادر النايلون فوق رأسها فتشعر بأنّه على وشك السقوط عليها.
ولا تجد والدة الشهداء الأربعة في هذه البقعة، التي لا تتجاوز مساحتها حجم خزانة كبيرة، مجالاً للبكاء على أبنائها الذين سقطوا خلال محاولتهم إنقاذ أحد أقاربهم. هنا، لا جدران تحميها ولا باب يحفظ خصوصيتها ولا نافذة تستطيع التطلّع منها إلى الحياة، أمّا كلّ ما تملكه اليوم، ففراش رقيق ووعاء مياه وذكريات موجعة يستحيل الفرار منها.
أربعة قبور وحفرة في قلب الأم الثكلى
قبل النزوح، كانت عايدة الشرباصي تعتمد على أبنائها الأربعة في كثير من شؤون حياتها؛ هم كانوا سندها وقوة قلبها، لكنّ الحرب لم تترك لها شيئاً. وتؤكد بصوت خافت: "بيتي وقع. وأنا وقعت معه عندما ودّعت آخر واحد من أبنائي".
وتخبر عايدة الشرباصي، البالغة من العمر 53 عاماً، "العربي الجديد"، بما أصابها خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة، مبيّنةً أنّ أسرتها نزحت في مدينة غزة مرّات عدّة، في حين نزحت زوجات أبنائها مع أحفادها إلى المحافظات الجنوبية، بعدما هجّرهم القصف العنيف. تضيف: "لم أتمكّن من ترك زوجي وأولادي؛ بقيت معهم. وفي يوم، ذهبوا لتفقّد بيتنا شرقي حيّ الشجاعية، حينها سمعوا استغاثة ابن عمّهم المصاب. نزلوا مسرعين لإنقاذه ونقله إلى أقرب نقطة طبية في مدارس الإيواء، إذ لا تتوفّر في المنطقة مستشفيات قريبة". وتتابع الأم الثكلى وهي تبكي بعدما استعادت تفاصيل المشهد أنّ "قوات الاحتلال لم تمهل أبنائي، وقصفتهم بعد وصولهم إلى الجريح وحمله. فقتلت ابني البكر طلعت (29 عاماً) ومحمد (27 عاماً) وماهر (26 عاماً) و هاني (23 عاماً)، وكذلك ابن عمّهم المصاب".
ولم ينتهِ الأمر عند هذا الحدّ. ففي اليوم التالي لاستشهاد أبنائها الأربعة، قصفت الطائرات الحربية الإسرائيلية المبنى السكني الخاص بعائلة عايدة الشرباصي، المؤلّف من سبع طبقات، وسوّته أرضاً. هو كان يضمّ بيوت أسرتها وأسر أشقاء زوجها وأولادهم، وهكذا صاروا جميعاً بلا مأوى. وتبيّن أنّ أفراد العائلة تفرّقوا في مراكز الإيواء المختلفة، وقد حاولت هي استئجار شقة سكنية للاجتماع بأحفادها وزوجات أبنائها الشهداء، لكنّ ارتفاع بدلات الإيجار لم يمكّنها من ذلك. وهم اليوم يتوزّعون في مخيمات، ولا تستطيع الاجتماع بهم إلا صدفة؛ هي لا تستطيع إسكانهم معها في "منشر الغسيل".
وبعد تقطّع السبل بعايدة الشرباصي، عرض عليها ابن شقيقتها السكن في موقع قريب من خيمته في أحد المخيمات وسط مدينة غزة المنكوبة كان يخصّصه لنشر الغسيل. وتقول: "كان حمام بيتي أكبر من هذه المساحة، لكنّني قبلت مرغمةً لعدم توفّر أيّ خيار آخر". ولا تملك أمّ الشهداء الأربعة أيّ مصدر دخل يعينها على توفير أبسط مقوّمات الحياة، أو حتى ملابس تقيها برد الشتاء، في حين تعتمد على بعض المساعدات الإنسانية القليلة والمتقطّعة، من بينها تلك الغذائية.
إلى جانب ذلك، لا يتوفّر العلاج لها، على الرغم من آلام شديدة في مفاصل رجلَيها تصعّب قدرتها على المشي. فالإغلاق الذي يفرضه الاحتلال في إطار حصاره المتواصل لقطاع غزة من كلّ نواحيه حرم الفلسطينيين من الأدوية والمستلزمات الطبية، حتى تلك المنقذة للحياة. ولا تخفي أنّها كثيراً ما تغفو وهي تتألّم، لكنّها تشير إلى أنّ الوجع ليس أقسى ما تعيشه، إنّما الذكريات؛ هي أثقل من كلّ شيء آخر.