عام على حرب لبنان... الاعتداءات الإسرائيلية مستمرة والواقع المعيشي متردٍ

23 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 02:09 (توقيت القدس)
خلّفت الحرب خسائر جسيمة، الضاحية الجنوبية لبيروت، 1 ديسمبر 2024 (فضل عيتاني/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعاني اللبنانيون المتضررون من الحرب الإسرائيلية من نقص في التعويضات والخدمات الأساسية، مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وانعدام الدعم الحكومي، مما يفاقم من معاناتهم اليومية في ظل تضرر البنية التحتية وانقطاع الخدمات الأساسية.

- يواجه النازحون تحديات كبيرة في إعادة الإعمار وتأمين سبل العيش، مع فقدان مصادر الدخل وتدمير الممتلكات، مما يدفعهم للبحث عن وسائل بديلة لتأمين احتياجاتهم الأساسية وسط نقص المساعدات الغذائية والرعاية الصحية.

- تتواصل الغارات الإسرائيلية، مما يزيد من عدم الاستقرار والخوف، ويطالب المتضررون بحلول جذرية تضمن العودة الآمنة وتحسين الأوضاع المعيشية، مع التأكيد على أهمية الدعم الحكومي والدولي.

يستغيث اللبنانيون المتضرّرون من الحرب الإسرائيلية من أجل حلول تنهض بأحوالهم المعيشية المتردّية، وهم الذين يقاسون مرارة الحرمان وانعدام مقوّمات الحياة بعد عام على توسع الحرب خارج القرى الحدودية.

مضى عام على توسع الحرب الإسرائيلية ضد لبنان، وعامان على بدء الحرب المعادية في القرى الحدودية جنوبي البلاد، وأوضاع اللبنانيين المتضررين لا تزال على حالها. المعاناة متواصلة وسط انعدام التعويضات وشتى مقومات الحياة. فمنذ بدء جبهة الإسناد لغزة جنوبي لبنان بعد يوم من طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، يقاسي أهالي القرى الحدودية مع فلسطين المحتلة لوعة التهجير من منازلهم وأرزاقهم وأراضيهم، وحرقة خسارتها بعد أن دمر العدوان الإسرائيلي معظمها بالقصف والتفجير، وجرف وأحرق ما تبقى منها.

أما سكان المناطق الجنوبية الأخرى وأهالي الضاحية الجنوبية لبيروت وسكان محافظتَي البقاع وبعلبك – الهرمل، فما زالوا يذوقون الأمرّين بعد عودة غير مكتملة، وهم الذين نزحوا على عجل مع توسع الحرب الإسرائيلية في 23 سبتمبر/ أيلول 2024، في أكبر موجة نزوح شهدتها البلاد، حيث وصل عدد النازحين بغضون أسبوعين فقط إلى مليون و200 ألف نازح، قبل أن يعودوا مع وقف إطلاق النار، بعد نحو شهرين، إلى الخراب والدمار وانقطاع سبل الحياة والخدمات واعتداءات الاحتلال اليومية.

وفي حين تحل الذكرى السنوية الأولى على حرب الشهرين عام 2024 والذكرى الثانية قياساً بالقرى الحدودية، استبق العدوان الإسرائيلي مؤخراً المناسبة الأليمة بسيلٍ من الإنذارات المعادية لأكثر من منطقة جنوبي البلاد، بذريعة استهدافه مواقع تابعة لحزب الله. وكان قبل ذلك شنّ غارات على بعلبك والنبطية، على وقع غارات متتالية لم ترحم الجنوب طيلة الفترة الماضية، رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024. وقد سجلت الحرب الإسرائيلية على لبنان، منذ اندلاعها في 8 أكتوبر 2023 وحتى 18 سبتمبر/ أيلول 2025، سقوط 4 آلاف و421 شهيداً و17 ألفاً و982 جريحاً، ما مجموعه 22 ألفاً و403 ضحايا، بحسب أرقام وزارة الصحة العامة في لبنان.

أم عبد الله كما تحب مناداتها، أو مريم المليجة، هُجرت من منزلها في بلدة الناقورة الحدودية منذ نحو عامين، وتقيم حالياً في بلدة أنصارية (جنوب). تشكو لـ"العربي الجديد" حجم البؤس الذي تعيشه رفقة زوجها وابنها وعائلته، وتقول: "الوضع على حاله، ما زلنا نعيش التوتر والخوف والقلق اليومي من عودة الحرب، خصوصاً أن الاستهدافات المعادية لا تتوقف، والدولة لا تسأل عن أحوالنا وما من أحد يكترث لأمرنا. الحرب لم تنتهِ بعد، والمأساة لم تفارقنا، قضينا عاماً مريراً وسط انعدام الخدمات. المياه بالقطارة، والكهرباء نادراً ما ننعم بها، لكننا نُفاجأ كل شهر بالجابي يحصّل الفواتير، وكأن شيئاً لم يكن. البنى التحتية والمباني والمنازل تضررت بشكل كبير، وآثار الحرب ما زالت ماثلة، إذ ما من أحد قادر على الترميم وإعادة الإعمار وما من جهة رسمية وغير رسمية عوّضت خسائرنا. مع العلم أننا رممنا ما أمكن من الزجاج والنوافذ والأبواب على نفقتنا الخاصة، وبقيت التشققات في الأسقف والجدران، ما يعني أن الشتاء سيكون قاسياً وسنغرق بمياه الأمطار داخل المنزل. إما تجد مواطنين عاجزين عن دفع أي مبلغ للترميم، أو تجدهم يخشون دفع أي مبلغ، خشية تكرار سيناريو الحرب، فهم لا يريدون مزيداً من الخسائر".

يشكو اللبنانيون المتضررون غياب التعويضات، جنوب لبنان، 19 سبتمبر 2025 (الأناضول)
يشكو اللبنانيون المتضررون غياب التعويضات، جنوب لبنان، 19 سبتمبر 2025 (الأناضول)

تضطر أم عبد الله إلى إعداد خبز الصاج وبيعه بشكل شبه يومي، حيث تخبز كل مرة نحو 30 كيلوغراماً من الطحين من أجل تأمين القوت اليومي، وتضيف: "خسر زوجي عمله، وهو الذي كان يملك الآليات والحفارات، غير أن الاستهداف الإسرائيلي لآلياته أكثر من مرة عبر المسيّرات تركه مكتوف اليدين، فقرر بيع ما تبقى منها. وفقد ابني الوحيد عمله بعد أن كان موظفاً بمطعم تعرّض للقصف في بلدة دير قانون رأس العين (جنوب)، وهو متزوج وأب لطفلتين. المعاناة كبيرة، والأهالي ينتابهم الغضب والاحتقان، حتى المساعدات الغذائية وحصص النظافة توقفت منذ نحو سبعة أشهر، ولا نحظى سوى بزيارة مستوصف نقال مرة كل شهر. أضطر أحياناً إلى البقاء شهراً ونصف شهر من دون دواء، بانتظار تأمين ثمن الدواء الأصلي، ما يهدد بمضاعفات صحية محتملة".

صارت الغارات الإسرائيلية نمط حياة يومياً بنظر سلمان وهبي، وهو المقيم في النبطية (جنوب)، ويقول لـ"العربي الجديد": "بات أهل الجنوب قاطبة حفاة المدن، وكلما طال أمد هذا الواقع الأليم، زاد تشردنا وتشتتنا على مختلف المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. للأسف، نزداد فقراً وبطالة وتتفاقم أوجاعنا، كل ذلك نتيجة عدم جدية المقاربة وانعدام الآليات التطبيقية للاتفاق الذي توصلت إليه الأطراف المعنية. نشعر وكأن الحلول العملية غائبة، والكل يستنزف الوقت ويماطل بانتظار تبدل الأوضاع على الساحة الدولية". ويعبّر وهبي، الذي خسر حفيده خلال الحرب الأخيرة، عن إحباطه وخشيته من المجهول، ويتابع: "لسنا بخير على الإطلاق، إنما نعيش كل يوم بيومه، لكن البعض يخشى الحديث والإفصاح عن حجم المعاناة، وما زال يتوهم ويخاف قطع المساعدات المرتقبة أو التعويضات".

لا تزال نوال سرحان، الأم لولدين، محرومة من العودة برفقة عائلتها إلى بلدتها الحدودية كفركلا، وحتى من الاقتراب نحو حدودها، وتقول لـ"العربي الجديد": "انعدمت الآفاق أمامنا، ونحن الذين نقاسي التهجير منذ قرابة عامين، خسرنا منزلنا ومحلنا التجاري بعد أن فجرهما العدو الإسرائيلي عقب حرب الشهرين، أي بعد وقف إطلاق النار، غير آبهٍ بأي اتفاق. المعاناة لا توصف، فإن حاولنا الوصول إلى البلدة لتفقد الأضرار أو رفع الأنقاض تلاحقنا المسيّرات الإسرائيلية، وإن لازمنا المنزل الذي استأجرناه في بلدة زبدين بقضاء النبطية (جنوب)، تلاحقنا تكاليف الإيجار وحتى فواتير الكهرباء والمياه من دون أن يرأف بنا أحد".

وتشير إلى أن زوجها لا يعمل منذ اندلاع الحرب، فهو كان يعمل في النقليات، لكن الطيران المعادي يمنع أي تحرك، وكاد أن يستهدفه عندما كان يجمع حطب أشجار الزيتون التي اقتلعتها قوات الاحتلال من أرض أهله، وعندما كان يحاول برفقة أبناء بلدته إطفاء الحرائق المندلعة في أرزاقهم. توضح نوال أنها تلقت تعويضات بقيمة 12 ألف دولار أميركي، بدل أثاث وإيواء، لكنها اضطرت إلى دفع المبلغ لتسديد الديون المتراكمة. وتتحسر على معاناة ابنها البالغ من العمر 15 عاماً، بعد أن تأثر سمعه نتيجة غارة محاذية لمنزلهم أدت إلى مشاكل في أذنَيه. وتأسف لغياب المساعدات الغذائية وحتى الرعاية الصحية، وتبدي امتعاضها من "انعدام أي اهتمام بالمتضررين، علماً أنهم دفعوا الثمن غالياً، ضاعت أرزاقهم وحياتهم، ولم يعد بوسعهم سوى مناشدة المعنيين الرأفة بأحوالهم وتبديد الهواجس والصعوبات، وإيجاد الحلول الجذرية"، وتختم بالقول: "كل ما نريده هو العودة إلى أرضنا، حتى لو عشنا في خيمة".

الصورة
تستمر الاعتداءات الإسرائيلية رغم وقف إطلاق النار، جنوب لبنان، 20 سبتمبر 2025 (ربيع ضاهر/ فرانس برس)
تستمر الاعتداءات الإسرائيلية رغم وقف إطلاق النار، جنوب لبنان، 20 سبتمبر 2025 (ربيع ضاهر/ فرانس برس)

عادت نادين زعيتر إلى منزلها في الضاحية الجنوبية لبيروت بعد وقف إطلاق النار، لتجد نفسها أمام حقيقة مرّة، المنزل متضرر والمساعدات معدومة والتعويضات ضبابية المصير. تقول لـ"العربي الجديد": "رممنا زجاج المنزل والسقف والباب الخارجي على نفقتنا الخاصة، رغم فقر الحال والوضع السيئ، خصوصاً أن زوجي يعمل نجار خشب بشكل يومي وبحسب الورش، وتقع عليه مسؤولية إعالة أولادنا الأربعة". نادين، ربة المنزل، تتحسر على أحوالهم بعد عام على الحرب المشؤومة، وتقول: "نتكبد كذلك إيجار المنزل، ناهيك عن المصاريف اليومية وكلفة التعليم".

بدوره، يقيم حسن النازح من بلدة مركبا الحدودية في الضاحية الجنوبية لبيروت، ويتحمل كلفة إيجار شقة بعد أن تدمر منزله كلياً، ويسرد لـ"العربي الجديد" حجم المعاناة وسط تشديد الخناق على أهالي المناطق المتضررة وربط إعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي والواقع المعيشي بقضايا سياسية شائكة. يضيف الأب لثلاثة أولاد: "ما زلنا نعيش آلام تلك الحرب الكاسرة التي هدمت بيوتنا وجرفت طرقاتنا، وقطعت عنا سبل العيش الكريم، فتحولت حياتنا بلمح البصر من جنة إلى جحيم، ومن شبه راحة إلى عذاب شديد. ما زلنا بعيدين عن منازلنا، مهجرين لا يرحمنا أحد، حتى أبناء بلدنا، لناحية الإيجار وتكاليف المعيشة. ومن تبقى له شبه منزل يسكنه، لا يجد الراحة ولا السكينة والاستقرار، حيث تتواصل الغارات وتنعدم الحياة في القرى الحدودية التي تحولت إلى قرى مهجورة". ويأسف حسن، الذي يعمل في أحد فنادق بيروت، لحرمانهم من الإيواء والتعويضات، ويبدي غضبه من حقيقة التخلي عنهم وإهمال أولوياتهم وحاجاتهم.

في مدينة الهرمل الحدودية مع سورية، يستذكر الشاب عباس الغارات الإسرائيلية الكثيفة التي تعرضت لها المحافظة خلال الحرب الأخيرة، والتي أدت إلى سقوط العديد من الشهداء والجرحى وإلى دمار واسع، ويقول: "الخطر لا يزال قائماً، إذ إن الغارات المعادية ضربت المنطقة مؤخراً، مع العلم أن الهرمل منطقة محرومة منذ عقود طويلة من المياه والكهرباء والبنى التحتية وخدمات الدولة والعمل المؤسساتي، غير أن الحرب فاقمت الأوضاع المتدهورة. ومع بداية الحرب، نزح قسم كبير من الأهالي نحو سورية قبل سقوط نظام بشار الأسد، وبعد وقف إطلاق النار، عاد المواطنون أدراجهم، لكن هناك من خسر منزله بالكامل أو أصيب بأضرار جزئية، أضف إلى خسارة الكثيرين أملاكهم وشركاتهم. وبعد سقوط نظام الأسد، تدفقت إلى الهرمل أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين، ما أدى إلى تأزم الوضع أكثر، خصوصاً أننا كنا قد خرجنا للتو من حرب مدمرة، وما زلنا نلملم آثار الدمار ونحاول رفع الركام، فالدولة لم تقم بواجباتها ولم تؤمن حتى مأوى".

وينقل عباس، وهو الذي يعمل في المجال الإغاثي، خشية الأهالي من توسع القصف الإسرائيلي وانعدام الأمن من جهة ومن اندلاع اشتباكات جديدة عند الحدود اللبنانية – السورية من جهة أخرى، ما يثير الرعب والذعر في نفوسهم، خصوصاً أن حدود محافظتهم مغلقة من كل الجهات، ولا مفرّ أمامهم، وسط شلل الحركة الاقتصادية.

أما الشابة حكمت الشمالي المقيمة في مدينة بعلبك شرقي لبنان، فتستذكر المصاعب التي عاشتها برفقة عائلتها خلال الحرب، وتقول لـ"العربي الجديد": "كانت الحرب الإسرائيلية ثقيلة على جميع اللبنانيين، لا سيما أهالي المناطق التي تعرضت للقصف والتفجير والتدمير. لكننا اخترنا البقاء في منزلنا رغم المخاطر، كي لا نكون عبئاً على أحد. وعندما اشتدت الأمور سوءاً اضطررنا إلى التنقل بين الأحياء بحثاً عن الأمن والأمان". وتُخبر أن أفراد عائلتها الكبيرة بمعظمهم لجأوا إلى منزل جدها في المدينة، كونه شبه آمن، حيث كانوا يسارعون لشراء حاجياتهم قبل اشتداد القصف وإقفال سوق المدينة.

وتشير إلى أن معظمهم توقف عمله خلال الحرب الأخيرة، ما فاقم معاناتهم الاقتصادية. وتتحدث عن الغارات الإسرائيلية على بعلبك، التي كانت أغلب الأوقات فجائية عشوائية من دون إنذارات سابقة. وتضيف: "كان حجم العدوان الإسرائيلي يثير الذعر والتوتر في قلوبنا ونفوسنا، ولغاية اليوم ما زال الوضع الأمني متدهوراً، كما ينتفي أي عمل إنمائي أو تحرك بلدي لتحسين أحوال المدينة ومساندة أهلها. تركتنا الدولة لمصيرنا، لا فرص عمل ولا إعادة إعمار ولا شيء. قبل الحرب، كان الوضع سيئاً، ومع الحرب ازداد سوءاً".

المساهمون