عائلات غزة... حرب إسرائيل هشّمت البنية الاجتماعية في القطاع
استمع إلى الملخص
- العائلات العائدة إلى شمال غزة وجدت منازلها مدمرة، مما أدى إلى تشتت أفرادها وانقطاع التواصل بينهم، وزيادة الضغوط النفسية والاقتصادية وظهور مشاحنات داخلية.
- تواجه العائلات تحديات في إعادة بناء حياتها بسبب منع الاحتلال إدخال المعدات، لكن يبقى الأمل في التماسك المجتمعي والدعم النفسي والاجتماعي للتغلب على آثار الكارثة.
في قطاع غزة المنكوب، بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة، تبدو الحياة العائلية معلّقة. فالاحتلال لم يوفّر أيّاً من عناصر الوجود في القطاع، بما في ذلك البنية الاجتماعية التي تهشّمت بدورها.
لم تدمّر الحرب الإسرائيلية التي استهدفت قطاع غزة على مدى أكثر من عامَين المباني السكنية والمدارس ومختلف البنى التحتية والمنظومة الصحية فحسب، إنّما طاولت كذلك العائلات الفلسطينية من خلال تهشيم النسيج الاجتماعي في القطاع، خصوصاً في محافظة غزة ومحافظة شمال غزة اللتَين تمثّلان المنطقة الشمالية. فمنذ الأيام الأولى، لا بل الساعات الأولى، من الحرب على قطاع غزة المحاصر، راح أهل الشمال يُهجَّرون من مناطقهم ومن بيوتهم التي هُدم عدد كبير منها فوق رؤوسهم، الأمر الذي أدّى إلى استشهاد أفراد من عائلاتهم. وتشتّت من تبقّى من العائلات في مناطق الشمال الأقلّ استهدافاً، أو في الوسط والجنوب اللذَين ادّعى الاحتلال أنّهما "أكثر أماناً"، قبل أن يتّضح زيف ذلك، إذ راح يُهجَّر أهلهما كما النازحون قسراً إليهما.
وفي شمال قطاع غزة الذي عُزل لأشهر عن الوسط والجنوب، يكتشف اليوم الفلسطينيون الذين هجّرتهم منه آلة الحرب الإسرائيلية عمق جراحهم وهول خساراتهم وسط الأنقاض. هم يعودون إلى حواريهم، بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، لتعود إليهم ذكرياتهم فيها، تلك التي جمعتهم في يوم مع غالين من عائلاتهم رحلوا مخلّفين فراغاً في المكان كما في النفوس والقلوب، وتلك التي طمرتها الأنقاض.
بدورها، راحت العائلات، التي ظلّت في شمال قطاع غزة لسبب أو لآخر، تلمس اليوم هول ما ألمّ بها. صحيح أنّها نجت، أو هكذا تظنّ، من "جحيم النزوح" إلى الوسط والجنوب، إلا أنّها تسلّم اليوم بالفاجعة. منازلها، التي كانت قد شُيّدت في بقاع بحدّ ذاتها لتجمع العائلة الممتدّة، استحالت ركاماً أو أتت الأضرار بليغة فيها، فلم تعد بالتالي قادرة على احتواء أفرادها جميعهم. ويحكي الفلسطينيون عن "تشتّت العائلة"، فلا المنازل بقيت لاحتضان مكوّناتها ولا الحواري بقيت بمعالمها لتضجّ بالحياة التي عرفها السكان في يوم، قبل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
إذاً، وجدت آلاف عائلات غزة نفسها أمام مشهد قاسٍ متكرّر في شمال القطاع؛ لا منازل يعودون إليها ولا أماكن تجمع أفرادها الذين تشتّتوا في الخيام وفي أراضٍ مستأجرة، في انتظار إعادة إعمار تواجهها تحديات كثيرة، من بينها أنّ سلطات الاحتلال ما زالت تمنع إدخال المعدّات اللازمة والكافية لذلك. وإلى ذلك الحين، وفي انتظار ما ستؤول إليه الأمور، فإنّ الحياة العائلية ستبقى معلّقة في شمال القطاع كما في مناطق عدّة من الوسط والجنوب.
وفي خلال حربه الطويلة على قطاع غزة وأهله، خلّف الاحتلال الإسرائيلي دماراً هائلاً، طاول كلّ ذي صلة بالحياة. وتفيد تقديرات المكتب الإعلامي الحكومي في القطاع بأنّ نحو 90% من البنية التحتية عموماً تضرّرت، إمّا كلياً وإمّا جزئياً، مع العلم أنّ آلة الحرب أتت على نحو 300 ألف وحدة سكنية كلياً وألحقت أضراراً بـ200 ألف وحدة أخرى إمّا بصورة بليغة وإمّا بأقلّ حدّة. وهكذا صار أكثر من مليون ونصف مليون فلسطيني بلا مأوى دائم، في واحدة من كبريات الكوارث الإنسانية والسكنية في القرن الحادي والعشرين.
بالنسبة إلى العائلات التي عادت إلى شمال قطاع غزة بعد نزوح قسري إلى وسطه وجنوبه، فقد وجدت نفسها مرّة أخرى في رحلة غربة داخل الوطن؛ الدمار الذي لحق بالمكان مغيّراً ملامحه أدّى كذلك إلى تشظّي النسيج الاجتماعي، وكانت اختلالات في البنية الاجتماعية. ومع تضرّر "البيت"، فقد الفلسطيني المنزل الذي تحميه جدرانه، وغابت "اللمّة" التي كان من شأنها أن تُعيد إليه معنى الأمان.
بعد دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، عاد الفلسطيني الخمسيني رائد السيد سليم إلى مشروع بيت لاهيا في شمال قطاع غزة الذي تغيّرت ملامحه. بصوت ملؤه الأسى، يروي لـ"العربي الجديد" ما عاشته عائلته من "تشتّت". ويقول لـ"العربي الجديد": "كنت أعيش مع إخوتي الأربعة في مبنى سكني من أربع طبقات. كنّا كالجسد الواحد، ولم نفترق حتى في النزوح؛ فقد نصبنا خيامنا بعضنا بجانب بعض في الجنوب. لكن حين عدنا، وجدنا المبنى ركاماً، وذكرياتنا تحت الأنقاض". يضيف: "بعد ذلك تفرّقنا. كلّ واحد منّا استأجر مسكناً في منطقة مختلفة؛ أنا في الرمال الجنوبي، وإخوتي في مناطق أخرى".
ويصف السيد سليم بمرارة ما أصاب عائلته: "كلّ واحد منشغل بهموم الحياة ما بعد الحرب، وتفاصيلها. صرنا عائلة مشتّتة، واشتقنا إلى جلساتنا القديمة. اشتقنا إلى لمّة العائلة. فالبيت لطالما كان مصدر الأمان والراحة ويحتضن ذكريات جميلة". ويتمنّى أن "يُعاد بناء ملكنا في أقرب وقت، حتى نستعيد حياة عائلتنا التي كانت". فوسط الحرب التي طالت وشتّتت عائلات غزة هنا وهناك، تحوّلت الروابط العائلية إلى مجرّد اتصالات متقطّعة وزيارات سريعة، إن توفّر ذلك، بعدما كانت العائلة بمختلف مكوّناتها تتقاسم بيتاً واحداً وحياةً واحدةً.
بدوره، يتحدّث عمر العطل، الذي اقترب من أربعينياته، عن فصول المأساة التي عاشها، علماً أنّه من حيّ الشيخ رضوان في مدينة غزة. قبل نحو شهر، نزح إلى مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، وبعد ذلك أُصيب اثنان من أطفاله، بينما كانوا برفقة عمّهم، في قصف استهدف مجموعة من المواطنين في منطقة الزوايدة وسط القطاع، قبل أيام قليلة من وقف إطلاق النار. وبألم كبير، يحكي العطل لـ"العربي الجديد": "كان طفلاي في الخارج عندما استهدفتهما طائرة استطلاع إسرائيلية، ما أدّى إلى إصابات خطرة. أحدهما أُصيب في دماغه، وما زال الاثنان في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح (وسط). لذلك لم أتمكّن بعد من العودة إلى مدينة غزة مع إخوتي". وعن عودة أفراد عائلته إلى منطقتهم، يخبر العطل: "هم عادوا على الرغم من الأضرار الجزئية في البيت. أمّا أنا فلا أستطيع ترك طفلَيّ الجريحَين. نحن اعتدنا على لمّة العائلة، لكنّني الآن لا أستطيع إلا سماع أصوات إخوتي عبر الهاتف". ويتمنّى شفاء الصغيرَين "حتى نعزد إلى البيت وإلى لمّة العائلة".
من جهته، عاد مصطفى أبو قادوس إلى حيّ الشيخ رضوان في مدينة غزة بعد انسحاب قوات الاحتلال من المنطقة، فوجد البيت وقد تحوّل إلى ركام ضاعت بداخله أحلامه بحياة زوجية. فالشاب الثلاثيني كان قد تزّوج قبل رحلة نزوحه الأخيرة من مدينة غزة. يقول أبو قادوس لـ"العربي الجديد": "تزوّجت وسط العدوان، تحديداً قبل العملية العسكرية الأخيرة (على مدينة غزة)، وكنّا نعيش (مع العائلة) في مبنى من خمس طبقات. ثمّ نزحنا جميعاً إلى دير البلح. وبعد انتهاء الحرب (عند دخول اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيّز التنفيذ)، عدنا لنتفقّد البيت، فوجدناه مدمّراً بالكامل".
يضيف الشاب الفلسطيني: "تفرّقت العائلة بعد العودة، فأخي اضطرّ إلى السكن مع عائلة زوجته في منطقة الميناء غربي مدينة غزة ومعه والدَيّ، فيما أنا لجأت إلى بيت عائلة زوجتي في حيّ الرمال بالمدينة". ويكمل بغصّة، فيما يبدو القهر على ملامحه، أنّ "لمّة العائلة انتهت، والذكريات دُفنت مع البيت. هذه حرب لم تترك لنا شيئاً. صارت الحياة بلا معنى، فقد تفرّق بعضنا عن بعض، وصار كلّ واحد منّا منشغلاً بهموم خاصة". بالنسبة إليه: "لا نريد سوى بيت يجمعنا من جديد".
وفي واحدة من مآسي أهل غزة الكثيرة، فقد عبد مقاط قسماً كبيراً من عائلته في قصف جوي استهدف منزلهم ليلاً. ويخبر الشاب العشريني "العربي الجديد": "كنّا نائمين. وفجأة ضربت طائرة أباتشي البيت بصاروخ متفجّر. استُشهد 13 فرداً من العائلة وأُصيب 17 آخرون. راح والدَيّ وأخواتي الثلاث مع أولادهنّ". يضيف: "من جهتي، أُصبت إصابة بليغة في ظهري، وأحتاج إلى تركيب مفصل في قدمي اليُمنى، صرت طريح الفراش إذ لا أستطيع الحركة بعد شلل نصفي السفلي. أمّا ابني، البالغ من العمر أربعة أعوام فاستُشهد، فيما زوجتي جريحة. وحين خرجتُ من المستشفى بعد وقف إطلاق النار، وجدت بيوتنا وقد سُوّيت بالأرض". ويتابع مقاط: "لم يعد من بيت لنا في منطقة الزرقا شرقي مدينة غزة حيث نعيش منذ سنوات طويلة. الأرض مجرّفة، والمنطقة كلّها خراب. كلّ واحد من إخوتي راح في اتّجاه"، مبيّناً: "نحن الآن نسكن في بيوت أقارب لنا في المنطقة ذاتها. لكنّنا سننصب الخيام ونعيش فيها".
في سياق متصل، تشرح المتخصصة النفسية الاجتماعية غادة أبو القمبز هذا الواقع الصعب، قائلةً إنّ "النزوح من منطقة إلى أخرى، وما تبعه من تدمير المنازل، أدّيا إلى تشتّت عائلات كثيرة. عدد منها تفرّق أفرادها بسبب ضيق المسكن، وآخرون بسبب خلافات ظهرت نتيجة الضغطَين النفسي والاقتصادي". وترى أبو القمبز، في حديثها إلى "العربي الجديد"، أنّ "مصطلح نزوح بحدّ ذاته يمثّل جرحاً نفسياً للعائلة. فهي لم تفقد بيتها فقط، بل فقدت توازنها الاجتماعي. تكدّس العائلات في أماكن ضيقة خلق مشاحنات داخلية، وفقدان الخصوصية زاد من التوتّر. الأطفال صاروا أكثر انطواءً أو عدوانية، والآباء يعانون من إحباط وشعور بالعجز".
تضيف أبو القمبز: "الذكريات لا تُمحى بالقصف، فهي تسكن الناس. لكن عندما يُدمَّر البيت، يشعر الإنسان بأنّ جزءاً من ذاته قد أُبيد. العائلة تُمثّل عماد الوجود والبقاء في هذه الحياة، وإذا تفكّكت وانهارت تضعف بنية المجتمع كلّه". وتؤكّد أنّ "تشتّت العائلات هو أحد أخطر آثار الحرب، ليس فقط على المستوى المادي بل كذلك الإنساني والاجتماعي، خصوصاً أنّ المجتمع الغزّي يعتمد على الروابط العائلية وسيلةً للبقاء. لذلك فإنّ تدمير البيت يمثّل تدميراً للنسيج الاجتماعي. قد تحاول العائلات إعادة بناء نفسها من خلال بقائها في مناطق قريبة تكون مكوّناتها قريبةً بعضها من بعض، أو في مخيمات نزوح مُعيّنة إلى حين إعادة الاعمار الكلي في القطاع".
وبشأن مستقبل العائلات التي تشتّتت، تصف أبو القمبز الواقع المقبل بأنّه "ضبابي. فلا رؤية واضحة لإعادة الإعمار، والعائلات لا تستطيع الانتظار لسنوات بلا مأوى. ثمّة مقترحات تشير إلى إنشاء مخيمات دائمة للعائلات المتضرّرة، حتى تبقى معاً من ضمن بيئة تحفظ الخصوصية والعادات. هذا حلّ مؤقت، لكنّه أفضل من بقاء العائلات مشتتة". وتوضح أنّ "المجتمع الغزي، رغم كلّ الجراح، ما زال يمتلك قدرة فريدة على التماسك؛ حتى في النزوح، ترى الناس يتقاسمون الطعام والمياه والمأوى. لكنّ من الضروري دعم العائلات نفسياً واجتماعياً، خصوصاً الأطفال والنساء فيها، لأنّهم من أكثر الفئات هشاشة بعد هذه الكارثة".