طوفان "المناخ" يغرق قرى في كينيا... عندما تزحف البحيرة إلى غرف النوم
استمع إلى الملخص
- امتدت الفيضانات لتشمل منطقة الوادي المتصدع، حيث ارتفعت مستويات المياه في بحيرات بارينجو وناكورو وتوركانا، مما أدى إلى نزوح أكثر من 75 ألف أسرة بحلول 2021.
- تهدد الفيضانات الاقتصاد الكيني، خاصة قطاع زراعة الزهور قرب بحيرة نيفاشا، حيث يحاول العلماء إيجاد حلول طويلة الأمد للحد من الأضرار.
عندما استأجر المزارع ديكسون نجومي أرضه الخصبة قرب بحيرة نيفاشا في كينيا عام 2008، كان يفصله عن الشاطئ أكثر من كيلومترَين. المسافة كانت كافية ليطمئن قلبه على محصول الخضروات الذي يبيعه في الأسواق المحلية، وعلى أمان أطفاله الأربعة. في ذلك الوقت، كان القلق السائد هو انحسار المياه وجفاف البحيرة، لكنّ الطبيعة كان لها رأي آخر ومفاجئ. فمنذ عام 2011، بدأ الشاطئ يزحف ببطء وثبات نحو اليابسة. وفي سبتمبر/ أيلول الماضي، هطلت الأمطار مبكراً ولم تتوقف لشهور، لتكتب فصلاً مأساوياً جديداً في حياة عائلة نجومي.
في صباح أحد أيام أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، لم يستيقظ نجومي على ضوء الشمس، بل على المياه تغمر سريره بارتفاع قدم (حوالى 30 سنتيمتراً). يقول والذهول يعلو وجهه: "ارتفعت البحيرة ليلاً بينما كنّا نائمئن، وغطت كل شيء"، بينما تقول زوجته، روز وافولا: "كانت البحيرة تبدو بعيدة... وفجأة، في ليلة واحدة، وجدنا بيتنا وسط الماء". وتعيش الأسرة حالياً لاجئة في الطابق الأول من مدرسة مهجورة، بعد أن انضمت لقائمة طويلة تضم 5000 شخص شردتهم مياه نيفاشا هذا العام فقط.
وتمتد المأساة لتشمل منطقة الوادي المتصدّع بأكملها؛ إذ لا يقتصر ارتفاع المياه على نيفاشا، بل يضرب بحيرات بارينجو وناكورو وتوركانا. وبحسب دراسة حديثة لوزارة البيئة الكينية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، نزحت أكثر من 75 ألف أسرة في أنحاء الوادي المتصدع بحلول عام 2021.
وفي بحيرة بارينجو، التي تصدرت عناوين الأخبار في العامَين الماضيَين، لا تزال المباني التي غمرتها المياه تقبع في القاع. يقول أستاذ التخطيط البيئي في جامعة كينياتا، سيمون أونيوير: "في بارينجو، ارتفع منسوب المياه إلى نحو 14 متراً... لقد غمرت المياه كل شيء تماماً، واختفت معالم كاملة مثل فنادق بلوك السياحية، ولن نراها مجدداً".
يحاول العلماء فك شيفرة هذا الارتفاع المستدام والمفاجئ لمنسوب المياه المستمر منذ 15 عاماً
لا تهدّد المياه البشر ومنازلهم فحسب، بل تضرب عصب الاقتصاد الكيني: الزهور. إذ تُحيط ببحيرة نيفاشا مزارع شاسعة، معظمها مخصص لزراعة الورود، وبدأت هذه المزارع تختفي تدريجياً تحت سطح الماء المتمدد، ويؤكد أونيوير أنّ "البحيرة أحاطت بثلاثة أرباع بعض مزارع الورد".
وتعد البستنة (زراعة الزهور والنباتات) قطاعاً حيوياً في كينيا، إذ حقق دخلاً يقدر بأكثر من مليار دولار أميركي خلال عام 2024، وتوفر كينيا وحدها 40% من إجمالي الورود التي تباع في أسواق الاتحاد الأوروبي، وفقاً لبيانات وزارة الخارجية الكينية. ومع غرق الأراضي، يواجه هذا القطاع خطراً وجودياً.
يحاول العلماء فك شيفرة هذا الارتفاع المستدام والمفاجئ لمنسوب المياه المستمر منذ 15 عاماً. وتخلص دراسة بدورية "علم المياه" (Hydrology) نُشرت العام الماضي إلى أن مساحة البحيرات في شرق أفريقيا توسعت بواقع 71,822 كيلومتراً مربعاً ما بين عامَي 2011 و2023. ويرى عالم الأرصاد الكيني، ريتشارد مويتا، أن الأسباب تتراوح بين العوامل الجيولوجية والتغيّرات المناخية.
ويقول مويتا: "خلصت إدارة الأرصاد إلى أن ارتفاع مستوى المياه مرتبط بتغير أنماط هطول الأمطار ودرجات الحرارة. الأمطار الغزيرة تتزامن دائماً مع ارتفاع مستويات بحيرات الوادي المتصدع"، مشيراً إلى عامل بشري آخر وهو "الترسيب"، إذ تتدفق كميات هائلة من الرواسب الناتجة عن الأنشطة الزراعية إلى قاع البحيرات، ما يرفع منسوب المياه.
وبينما يتطلع العالم للاحتفال بالأعياد والعام الجديد، يحيط الغموض بمستقبل الآلاف مثل نجومي ووافولا. ويأمل العلماء في حلول تعتمد على الطبيعة، مثل "الزراعة المحافظة" للحد من الترسيب، وتخطيط بنية تحتية أفضل بعيداً عن مناطق الخطر، لكن هذه الحلول طويلة الأمد لا تقدم عزاءً فورياً لعائلة نجومي التي لا تزال تعيش في فصل دراسي بمدرسة مهجورة، لا تعرف متى ستعود مزرعتها إلى اليابسة، أو ما إذا كانت ستعود أصلاً.
(أسوشييتد برس)