طوابير المحروقات... تفاقم الأزمة في مناطق النظام

26 سبتمبر 2020
الصورة
تحوّل المشهد في دمشق من الحركة المزدحمة والنشطة إلى الطوابير (أنور عمرو/فرانس برس)
+ الخط -

24 ساعة قضاها سعيد، وهو سائق سيارة أجرة، لملء خزّان سيارته بـ 30 ليتراً من مادة البنزين، بعد أن وقف في طابور يمتد لحوالي ثلاثة كيلومترات، أمام محطة محروقات داخل العاصمة السورية دمشق. ويقول سعيد إنه اضطر مع بعض زملائه السائقين لأن يأمّنوا طعامهم وشرابهم طيلة مدة الانتظار، ليحافظوا على أماكنهم في الطابور، كون التخلّي عن الدور لدقيقة واحدة يصفّر عدّاد الانتظار من جديد.   
هكذا تحوّل المشهد في دمشق، ومناطق سيطرة النظام عموماً، من الحركة المزدحمة والنشطة إلى الطوابير. توقّفت الحياة الاعتيادية عند معظم مالكي السيارات وسيارات الأجرة وسيارات النقل العام، وبات همّهم الوحيد كيفية وصولهم إلى مقبض التعبئة داخل محطة بنزين، أملاً بمدة انتظار أقل. وبات مشهد اصطفاف السيارات، أمام محطات البنزين من أعلى، مشهداً يبعث على التندر والمقارنات، فيما بدا كثير من الشوارع خاوياً من السيارات والحركة، حتى من مركبات النقل العام، التي توقفت لعدم توفّر المحروقات، وبات على المواطنين تدبّر أمر تنقّلهم، رغم المسافات البعيدة. ومن المتوقع أن تشلّ المدينة أكثر، عندما سيمنع غياب المواصلات المواطنين في ضواحي العاصمة دمشق من الوصول إليها، على سبيل المثال، ويقاس ذلك على جميع المحافظات السورية الخاضعة لسيطرة النظام.   
ورفعت وسائل النقل العام أجرة الراكب، لا سيما في دمشق والسويداء، ألف ليرة (نصف دولار) إضافية، لتشكّل مع المبلغ الأساسي ما لا يستطيع المواطن العادي، ومحدودو الدخل على وجه التحديد، من العمّال والموظفين تحمّله للتنقل من أجل العمل، أو قضاء تنقّل ضروري، كشراء الحاجيات أو الذهاب إلى المستشفيات. 
هكذا تعصف أزمة المحروقات منذ حوالي أسبوعين بالمناطق التي يسيطر عليها النظام السوري، وسط عجز النظام عن تأمين الحلول، في حين يبدو أنّ مفاعيل عقوبات "قانون قيصر" بدأت تسري في جسد النظام، أو البنية الاقتصادية فيه على الأقل، لتثقل كاهله، علاوة على الأعباء التي كان يتحمّلها طيلة سنوات المقاطعة الدولية، الممتدة على عمر الحراك في سورية.   
وفي أول ظهور له على وسائل الإعلام، منذ تشكيل الحكومة الجديدة للنظام، عزا، بسام طعمة، وزير النفط والثروة المعدنية في الحكومة، أزمة المحروقات، إلى الحصار والعقوبات الأميركية الاقتصادية من جهة، ووجود النسبة الكبرى من منابع النفط في مناطق تقع تحت سيطرة الولايات المتحدة وحلفائها، شرقي البلاد، من جهة أخرى. وأشار كذلك إلى أنّ أعمال الصيانة لمصفاة بانياس النفطية دخلت في نطاق الأسباب المؤدّية للأزمة، رغم أنّ الوزير أشار إلى أنّ المصفاة تؤمّن حوالي 30 في المائة من احتياجات السوق المحلية من المحروقات، ما يعني أنّ النسبة الكبرى، وهي 70 في المائة، تأتي من خارج المصفاة، وحتى من خارج البلاد.   

ومنذ إصدار الحزمة الأولى من "قانون قيصر"، عند بدء سريانه الفعلي في 17  يونيو/ حزيران الماضي، توقفت بشكل شبه نهائي عملية استيراد المشتقات النفطية من خارج البلاد، إلّا ما يتم تهريبه بكميات قليلة من لبنان. وتخشى الدول، ومن ضمنها حلفاء النظام، من شدّة العقوبات الأميركية بموجب "قانون قيصر"، في حال ورّدت النفط للنظام خاماً أو مشتقات. وتشير المعلومات التي حصلت عليها "العربي الجديد" من مصادر مقربة من النظام، داخل العاصمة دمشق، إلى أنّ الأخير يسعى للحصول على المشتقات النفطية من العراق، كإجراء إسعافي لتبديد الأزمة الحالية بشكل نسبي، دون التأكد إن كان العراق قد وافق على تزويد النظام بما يحتاجه، للهروب من أزمته.   

بدأت مفاعيل عقوبات "قانون قيصر" تسري في جسد النظام، أو البنية الاقتصادية فيه


وتحاول حكومة الأسد اتّخاذ إجراءات تنظيمية أكثر منها حلولية، للمرور من عنق الأزمة الحالية، من دون جدوى. فبدت الحكومة بكاملها وكأنها تقف كشرطي أمام محطات البنزين، لتنظيم طوابير السيارات، من دون تمكّنها من إيجاد حلّ جذري للأزمة، التي وصلت إلى الخبز والأفران، إذ أثّر انقطاع مادة المازوت على عمل الأفران، ما أدّى إلى توقّف بعضها عن العمل. كذلك يصطف الناس بطوابير طويلة أمام الأفران التي ما زالت قادرة على العمل، للحصول على حصة صغيرة من الخبز، رغم ارتفاع سعره، باستخدام بطاقة تصفها الحكومة بـ "الذكية"، في طابور قد يصل وقت الانتظار فيه لأكثر من 7 ساعات. وباتت حصة العائلة من الخبز تقدّر من خلال شرائح، بحسب حجم العائلة وتعداد أفرادها، وتبدأ من ربطة واحدة وحتى أربع ربطات خبز، بعد أن كان مخصّصاً العائلة في السابق أربع ربطات، بغضّ النظر عن تعداد أفرادها.   
لا تراعي هذه الطوابير إجراءات الوقاية من انتشار فيروس كورونا، الذي تمدّد بشكل مخيف خلال الشهرين الأخيرين في مناطق سيطرة النظام، ولا سيما في العاصمة دمشق. ويعود عدم التقيّد بالإجراءات لسببين، الأول إهمال الناس الذين بات يشغلهم تأمين رغيف الخبز أو المواد التموينية (شبه المدعومة) من المخصّصات المحدّدة في بطاقة، كذلك أمام المؤسسات الاستهلاكية، أما الثاني فيرجع لعدم اكتراث النظام بفرض إجراءات الوقاية على الناس، وسط انشغال أمنه والمليشيات في مناطق سيطرته بمهام أخرى، في مقدمتها فرض السطوة والإتاوات والانخراط في الأعمال التجارية القسرية على التجّار بالإضافة للتهريب وتجارة المخدرات.   

كما أنّ تلك المليشيات وعناصر الأمن والعناصر التابعين للمتنفذين من ضباط الجيش، دخلوا على خط أزمتي الخبز والمحروقات، بتجاوزهم الطوابير والدور، والحصول على المواد بشكل غير نظامي باستخدام الترهيب، وسط صمت الموزّعين والمواطنين، خوفاً من عواقب قاسية. ويستغلّ هؤلاء الأزمة الحالية للاستفادة من بيع المواد، ولا سيما المحروقات، بأسعار مرتفعة، لمن يستطيع شراءها من الميسورين والتجّار على قلتهم.   
ويعبّر نسيم، وهو اسم مستعار لمواطن من ريف حمص، يعيش في العاصمة دمشق، في حديثه مع "العربي الجديد"، عن الوضع المعيشي في مناطق سيطرة النظام بأنّ "حجم البؤس بالنسبة للناس ضمن الظروف الحالية لا يوصف". وأضاف أنّ "البلد تحول إلى بلد أزمات خدمية. أزمة بنزين، وأزمة مازوت وغاز وخبز وكهرباء، وأزمة ماء ومواد تموينية وغيرها الكثير". ويصف الأزمة الحالية بأنها "الأعمق والأكثر قساوة"، من حيث مشاهد الطوابير المتوزّعة في كلّ مكان، وسط عدم اكتراث الناس من تفشي كورونا، بسبب اليأس، وتساوي الموت والحياة بالنسبة إلى الغالبية، بحسب رأيه.   
ورغم ذلك يستبعد نسيم أن يتسبّب هذا الوضع المزري بانفجار الناس ضدّ النظام والحكومة، فالناس لم يعودوا قادرين على تحمّل تبعات مزيد من القمع، بعد أن شاهدوا الويلات في محافظات أخرى.