ضحايا حوادث العمل في العراق يلجؤون إلى "سلطة العشائر"

09 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 00:15 (توقيت القدس)
عمال خلال بناء مسجد في الموصل، 3 فبراير 2025 (زيد العبيدي/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تتزايد حوادث العمل في العراق بسبب ضعف إجراءات السلامة وانعدام الرقابة، مما يؤدي إلى إصابات مميتة، ويضطر الضحايا للجوء إلى العشيرة لتعويضات، مما يعكس ضعف الدولة في إنفاذ القانون.
- تسجل مئات الإصابات في مواقع العمل، لكن الأرقام الحقيقية غير معروفة بسبب غياب الإحصائيات الدقيقة، وتساهم الحوادث الناجمة عن السقوط وانزلاق الأجسام الثقيلة في النسبة الكبرى من الإصابات.
- تؤكد نقابة العمال العراقيين على ضرورة إنشاء هيئة وطنية للسلامة المهنية وتفعيل القوانين، بما في ذلك التدريب الإلزامي والتأمين الإجباري ضد إصابات العمل.

تتصاعد في العراق حوادث العمل التي يقع ضحيتها مئات العمال سنوياً، في ظل غياب أنظمة حماية فعالة وضمان اجتماعي وتأمين حقيقي على الحياة. وتتحوّل مواقع العمل في كثير من الأحيان إلى مساحات خطر، تتكرر فيها الإصابات المميتة بسبب ضعف إجراءات السلامة، وانعدام الرقابة، وتجاهل أصحاب العمل لمعايير الوقاية. ومع كل حادث، يجد الضحايا وذووهم أنفسهم أمام طريق مسدود قانونياً، ليختار البعض اللجوء إلى العشيرة بوصفها الجهة الوحيدة القادرة على فرض التعويض أو تحقيق نوع من العدالة، ولو خارج الإطار الرسمي.
تشير تقارير غير رسمية إلى تسجيل مئات الإصابات في مواقع العمل خلال العام الجاري، لكن الأرقام الحقيقية تبقى مجهولة في ظل غياب الإحصائيات الدقيقة وتكتم الكثير من المؤسسات الأهلية عن الإبلاغ عن حوادثها. ووفقاً لمسؤول في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، فضّل عدم الكشف عن اسمه، "هناك تحدّيات كبيرة في رصد الأعداد الفعلية لضحايا حوادث العمل"، مؤكداً لـ"العربي الجديد" أن "بعض أصحاب العمل يتعمّدون إخفاء الحوادث لتجنب المساءلة أو دفع التعويض". ويشير إلى أن "الإصابات الناجمة عن السقوط، وانزلاق الأجسام الثقيلة، واستخدام المعدات الميكانيكية غير المؤمنة تشكل النسبة الكبرى من الحوادث في المصانع وورش البناء والمخازن".
يكشف هذا الواقع ضعفاً مؤسساتياً خطيراً في تطبيق قوانين العمل والسلامة المهنية، رغم أن التشريعات العراقية تنص بوضوح على وجوب حماية العاملين وتأمينهم ضد الحوادث، إلا أن التنفيذ غالباً غير مطبق بسبب ضعف الرقابة الميدانية وغياب العقوبات الرادعة. يضاف إلى ذلك أن قانون الضمان الاجتماعي الذي يفترض أن يوفر شبكة حماية للعمّال، ما زال تطبيقه محدوداً للغاية، إذ يمتنع كثير من أرباب العمل عن تسجيل موظفيهم لتفادي الالتزامات المالية المترتبة عليهم.
في ظل هذا الفراغ القانوني والإداري، تلعب العشيرة دوراً محورياً عند وقوع الحوادث وما ينتج عنها من نزاعات، فحين يصاب عامل بعجز دائم أو يفقد حياته في حادث أثناء أداء مهامه، يجد ذوو الضحية أنفسهم أمام نظام رسمي بطيء ومعقد، لا يضمن تعويضاً عادلاً في وقت قصير. وهنا تتدخل العشيرة باعتبارها السلطة الاجتماعية القادرة على فرض الحلول، سواء عبر التفاوض المباشر مع صاحب العمل أو من خلال مجلس عشائري يحدد مقدار الدية وفق الأعراف المحلية.

عامل يمسح العرق عن جبينه في بغداد، 28 مايو 2025 (فرانس برس)
عامل يمسح العرق عن جبينه وسط الحرارة في بغداد، 28 مايو 2025 (أحمد الربيعي/فرانس برس)

غير أن هذا الحل القبلي، رغم أنه يقدم تعويضاً فورياً، إلا أنه يظل مؤشراً على ضعف الدولة في إنفاذ القانون. يقول الناشط سامي العباسي لـ"العربي الجديد": "العدالة العشائرية لا تقوم على أسس تشريعية ثابتة، وغالباً ما تكون خاضعة لتقدير الشيوخ والمكانة الاجتماعية للأطراف. في بعض الحالات، قد يجبر أهل الضحية على قبول تسوية مالية متواضعة مقابل التنازل عن حقوقهم القانونية، أو تجنب نزاع عشائري طويل. هذا الواقع يضع العمّال بين غياب الضمان وسلطة الأعراف التي تحل محل القانون".
من جانبها، تؤكد نقابة العمّال العراقيين أن استمرار هذه الظاهرة يعكس تراجع الدولة عن مسؤولياتها في حماية الطبقة العاملة. يقول عضو النقابة، مجيد العيساوي، لـ"العربي الجديد": "غياب التدريب على إجراءات السلامة وافتقار المواقع إلى أدوات الوقاية الأساسية يجعل حياة العاملين في خطر يومي، وتُحمّل منظمات حقوق الإنسان الجهات الحكومية وأرباب العمل المسؤولية عن هذا الإهمال، وتطالب بإنشاء هيئة وطنية للسلامة المهنية تكون لها صلاحيات واسعة في التفتيش والمحاسبة".

ويشرح العيساوي أن "الحلول الترقيعية لم تعد مجدية، وأن المطلوب هو تطبيق صارم للقانون وربط التراخيص بمستوى التزام المنشآت بإجراءات الأمان، مشيراً إلى أن "الحل لا يكمن فقط في تحديث القوانين، بل في تفعيلها على أرض الواقع. فالعراق بحاجة إلى سياسة شاملة للسلامة المهنية تشمل تدريباً إلزامياً للعمّال وأصحاب العمل، وإجراءات تفتيش منتظمة في مواقع العمل، وتأسيس صندوق تعويض سريع للضحايا، كما يجب إدخال التأمين الإجباري ضد إصابات العمل ضمن عقود التوظيف، ليضمن للعامل حقه دون الحاجة إلى اللجوء للعشيرة أو القضاء العشائري".
وتغيب قاعدة بيانات موحدة حول حوادث العمل في العراق، ما يمثل عقبة إضافية أمام وضع السياسات الوقائية، فالحوادث في الورش الصغيرة لا توثق رسمياً، وغالباً ما تسوى داخلياً. أما الحوادث في المؤسسات الحكومية، فغالباً ما تحاط بالسرية لحماية المسؤولين من المساءلة، الأمر الذي يعقد حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها العمّال، خصوصاً في ظل ظروف اقتصادية تدفعهم للعمل في بيئات غير آمنة مقابل أجور متدنية.

المساهمون