ضحايا الهجرة السرية في غزة

23 سبتمبر 2020
الصورة
مروى زوجة تامر السلطان وابنه الذي يحمل اسمه ولم يره (محمد الحجار)
+ الخط -

فلسطينيون كثيرون من غزة يحاولون أن يحظوا بفرصة حياة بعيداً عن الفقر والقهر وانسداد الآفاق، لكنّ بعضهم يسقط ضحية في محاولته العبور إلى أوروبا

لا تتوقف مروى السلطان عن التفكير في زوجها الراحل تامر السلطان (38 عاماً) الذي اعتبرته السلطة الفلسطينية "شهيد الغربة" وضمته إلى الضحايا الباحثين عن سبل العيش الكريم خارج وطنهم. تحولت قضية السلطان إلى قضية رأي عام في فلسطين، نتيجة تعرضه لاضطهاد سياسي وبحثه عن فرصة حياتية جديدة، في ظل انسداد أفق المستقبل المعيشي أمامه، بالرغم من عمله صيدلانياً في قطاع غزة. في شمال القطاع، تحديداً في منطقة التوام، تعيش أسرة تامر السلطان على ذكرى الوالد الذي حاول الهجرة السرية لأجل تأمين حياة أطفاله، بعدما تعرض لقمع من الأجهزة الأمنية في غزة، نتيجة عدم موافقته على تثبيت كاميرا مراقبة أمام الصيدلية التي كان يديرها "صيدلية عثمان"، كما تروي زوجته لـ"العربي الجديد". لكن انتهى به المطاف على حدود البوسنة والهرسك ميتاً خلال محاولة الهجرة إلى بلجيكا في نهاية المطاف. توفي السلطان بتاريخ 17 أغسطس/ آب 2019، ولديه 4 أبناء، هم وسام (9 سنوات) وفتحي (7 سنوات) وميرا (سنتان) وأنجبت زوجته بعد وفاته ابنه الرابع الذي لم يعرفه والده، لكنّه يحمل الآن اسمه تامر. عندما قرر الوالد الهجرة، كانت زوجته حاملاً في شهرها الأول، وكان تامر يتخوف من المستقبل غير المضمون لأطفاله، فالأحوال في الصيدلية لم تكن على ما يرام لجهة المبيعات.

الصورة
أسرة تامر السلطان بقيت من دون أب (محمد الحجار)
أسرة تامر السلطان بقيت من دون أب (محمد الحجار)

تقول مروى: "لم يجد زوجي الكرامة الإنسانية في مجتمعه، بل عانى من الاضطهاد السياسي، وأدرك أن لا مستقبل جيداً لأبنائه الذين يكبرون أمامه. كان يتقن اللغة الإنكليزية، وقد بدأ في رحلة هجرته العمل في تركيا، وعندما دخل إلى الأراضي اليونانية استقبلته السلطات على أنّه صيدلاني يتحدث الإنكليزية، كذلك أثبت لهم أنّه مضطهد في مجتمعه، وتلقّى معاملة جيدة منهم، لكنّه اكتشف أنّ الفرصة مفتوحة أمامه للعمل بشهادته الجامعية في بلجيكا، مع ما في ذلك من حياة كريمة، فتوجه إليها مشياً عبر الحدود والغابات". تضيف: "كشف تقرير الطب الشرعي أنّ يده كانت مزرقّة بشدة، ورجح التقرير أنّ عقرباً ساماً لدغه. واليوم، انضم زوجي إلى كثير من الشهداء الذين يبحثون عن كرامتهم التي لم يجدوها في وطنهم".

نشطت حركة الهجرة من غزة بعد انتظام فتح معبر رفح الحدودي مع مصر، منذ مارس/ آذار 2018، وبينما تسهل تركيا دخول الفلسطينيين ومنحهم إقامات، فإنّها ليست دولة الأحلام بالنسبة إلى كثيرين، باعتبارها لا تقدم دعماً للمهاجرين كدول الاتحاد الأوروبي. وهكذا باتت تركيا بالنسبة إليهم فرصة للإقامة المؤقتة ثم الاتجاه للهجرة السرية منها إلى اليونان من طريق مهربين، ولا يبالي الغزيون بأيّ مخاطر، لكونهم عايشوا ما هو أسوأ في ظلّ الاعتداءات الإسرائيلية والحصار.
توفي خالد المشهراوي (22 عاماً) بسبب حادث سير وقع في اليونان في 12 يناير/ كانون الثاني الماضي، ليبقى في العناية المركزة نحو 3 أسابيع، وتُعلَن وفاته في أول فبراير/ شباط الماضي. كان هدفه الوصول إلى بلجيكا أيضاً، وأمضى في تركيا ستة أشهر قبل أن يعبر إلى اليونان. عاش المشهراوي يتيماً طوال عشرة أعوام بعد وفاة والده، وعاشت أسرته في ضائقة معيشية، فلم يتابع تعليمه المدرسي، وعمل في مهن عدة، لكن ذلك لم يستمر كثيراً، فقرر الهجرة الى تركيا، ثم إلى أوروبا، كما أخبر والدته التي وافقت على ذلك ووفرت له المال اللازم للتهريب.

الصورة
كان خالد المشهراوي شاباً طموحاً (محمد الحجار)
كان خالد المشهراوي شاباً طموحاً (محمد الحجار)

لدى خالد سبعة أشقاء، معظمهم عاطلون من العمل، ونتيجة ظروفهم الاقتصادية، قرر المضيّ في طريق الهجرة إلى بلجيكا حيث شقيقه محمد (28 عاماً) الذي يقيم فيها منذ أربعة أعوام. تقول والدته عائشة المشهراوي، لـ"العربي الجديد": "اقترضت 900 دولار، وأرسلتها إليه ليدفعها للمهرب الذي أوصله إلى اليونان. نجا من الغرق بأعجوبة برفقة سيدات ورجال سوريين، وعايش الذلّ في اليونان على مدار شهر، لكنّه قرر تحمّل ذلك، أملاً في الوصول إلى محطته الأخيرة بلجيكا".

الصورة
حزن مستمر لدى والدة المشهراوي وأشقائه (محمد الحجار)
حزن مستمر لدى والدة المشهراوي وأشقائه (محمد الحجار)

تضيف والدته: "جاءني خبر وفاته في حادث سير في جزيرة رودس اليونانية، فانقلبت كلّ الدنيا أمامي. والآن، أنا نادمة كثيراً، لأنّني وافقت على هجرته. فليبقَ أبناؤنا في غزة حيث الويلات والفقر أفضل من موتهم في الخارج".

سلمان البشيتي (30 عاماً) من خان يونس، لم تفلح محاولاته في الوصول إلى اليونان، بل مات على شواطئ تركيا في أثناء محاولته الهجرة، في يناير/ كانون الثاني الماضي. يروي شقيقه طارق أنّه "كان وعدداً من المهاجرين، من بينهم فلسطينيون وسوريون، يبحرون إلى جزيرة يونانية، لكنّ الطقس كان سيئاً والأمواج مرتفعة، ما أدى إلى غرق المركب بمن فيه. وعثر على جثمان سلمان على الشواطئ التركية، مع ثمانية آخرين، فيما بقي مصير سبعة مجهولاً حتى اليوم". يتابع لـ"العربي الجديد": "أغلقت الأبواب أمامه في غزة. لم يكن يحلم بحياة وردية، فهو لا يريد إلا منزلاً بسيطاً وراتباً بسيطاً وحياة مستقرة بعيداً عن الحرب والدمار... لا يريد أكثر من ذلك".