استمع إلى الملخص
- لجأ السكان إلى استخدام أفران الطين البدائية لصنع الخبز، حيث يبنونها يدوياً ويستخدمون الأخشاب والملابس القديمة كوقود، مما جعلها رمزاً للنجاة في ظل الأزمات.
- يواجه الفلسطينيون تحديات يومية في صناعة الخبز، مع ارتفاع تكاليف العجين وصعوبة الحصول على الطحين، مما يزيد من معاناة النازحين والأطفال الجوعى.
لم يعد الخبز مجرد قوت يومي، بل بات حلماً يُنتظر بالساعات، في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وانهيار المقومات الأساسية، وإغلاق المخابز أبوابها، إلى جانب نفاد الدقيق، وغلاء أسعار ما تبقى منه بشكل غير مسبوق. وبينما ينهك الناس في رحلة البحث عن طحين، أو شعلة نار، ليصنعوا ما يسدّ الرمق في أفران الطين التي انبعثت من زمن مضى، تتضاعف فصول المعاناة يوماً تلو الآخر، جراء النقص المتواصل لمختلف مقومات الحياة.
ومع نفاد مختلف الأساسيات في قطاع غزة من جراء الحصار المشدد المفروض منذ مطلع مارس/ آذار الماضي، وفي مقدمتها غاز الطهي، والدقيق والسكر والملح والخميرة والزيت، والانقطاع التام للتيار الكهربائي، تحوّل رغيف الخبز إلى سلعة نادرة تباع بأسعار باهظة، في الوقت الذي يعاني فيه الفلسطينيون من أوضاع متردية.
ومنذ بداية الحرب في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لجأ السكان إلى أفران الطين، يصنعونها يدوياً من الطين والماء والتبن، ويحرقون فيها ما تيسّر من الأخشاب، وأحياناً حتى الملابس القديمة والبلاستيك، فيما تضاعف الاعتماد على تلك الأفران أخيراً، لصنع رغيف يشاركهم فيه الجيران والمشردون.
ويواجه الفلسطينيون أزمات مركّبة لصناعة الخبز، وهي المهمة اليومية الأكثر صعوبة، في ظل إغلاق المخابر ونفاد الغاز والغلاء الشديد في الطحين والحطب وباقي المكونات الأساسية، خاصة في ظل نزوح مئات الآلاف عن مناطق سكنهم وبيوتهم التي تضم المستلزمات الخاصة بالطبخ.
وأصبحت هذه الأفران التي كانت تستخدم قبل عقود رمزاً للنجاة بعد أن شارفت على الاندثار قبل الحرب، إذ يبني الرجال أفراناً صغيرة في الساحات أو بين ركام البيوت ومخيمات النزوح، ويجمعون بقايا الأخشاب، والكرتون، وأي شيء يمكن إشعاله لإعداد النار.
وتصطف النساء والأطفال حول أفران الطين البدائية، بينما لا تقل حرارة الشمس وطأة عن حرارة الجمر المشتعل، تحمل كل واحدة منهن فرشاً خشبياً عليه العجين، وينتظرن دورهن للخبز لأسرهن. ولم يعد حتى إشعال النار سهلاً، فقد ارتفعت أسعار الحطب، وبدأت العائلات تحرق ما تبقى من أثاث منازلها المدمرة، أو أبوابها المخلعة، أو حتى كتبها، في سبيل توفير حرارة كافية لخبز بعض الأرغفة.
يقول الفلسطيني أدهم أبو نجيلة (42 عاماً)، وهو نازح من حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة، إنه هرب مع أسرته من القصف الكثيف على المناطق الشرقية التي يقطنها، بينما لم يتمكن من الهروب من الجوع، الذي وصل إلى حد رغيف الخبز. ويوضح أبو نجيلة أنّ صناعة الخبز تعتبر مهمة يومية شاقة، فإلى جانب صعوبة وقساوة التعامل مع فرن الطين، والانتظار لساعات طويلة، يتطلب توفير مكونات العجين تكاليف باهظة جراء انقطاع الطحين وارتفاع ثمنه.
ويضطر الفلسطيني محمود الأسمر (22 عاماً) إلى الاستيقاظ مبكراً حتى يتمكن من حجز دوره في طابور الفرن، وتستغرق صناعة 15 رغيفاً من ثلاث إلى خمس ساعات يومياً أو ما يزيد، وفقاً لسرعته في حجز الدور. ويوضح الأسمر أنّ العدوان الإسرائيلي تسبب بالكثير من الأزمات التي خلقت كل أصناف المعاناة، إلا أن الأزمة المتعلقة بتوفير مكونات العجين وصناعة الخبز تعتبر الأكثر قساوةً وحدّةً، إذ إنها تتعلق بأهم عنصر في الحياة وهو رغيف الخبز.
وتبدأ ربة البيت ابتهال عويمر (34 عاماً) بتحضير العجين منذ ساعات الفجر الأولى، حتى يتمكّن زوجها من اللحاق بالطابور مبكراً، بينما يضطر لقضاء أوقات طويلة لإنجاز المهمة اليومية الشاقة. وتوضح عويمر لـ"العربي الجديد" أنها بدأت بتحضير عجين الخبز داخل خيمتها منذ اليوم الأول لنزوحها مع عائلتها، وقد اعتمدت لفترة على الخبز الجاهز الذي كانت تُنتجه المخابز، إلّا أن توقفها عن العمل دفعها مجدداً إلى هذه المهمة الصعبة والمتكررة. وتلفت عويمر إلى أنّ الهاجس الأكبر يتمثل في نفاد الكمية الشحيحة من الطحين، في ظل توقف المساعدات الإنسانية التي كانت تتضمّن توزيع الدقيق، فيما لن تتمكن من شرائه من السوق السوداء، والتي يباع فيها بأكثر من 20 ضعفاً عن سعره العادي.
ولا تتوقف المعاناة فقط عند ندرة الطحين أو غياب الغاز، بل تمتد إلى الأثر النفسي لهذا الصراع اليومي، إذ اعتاد الأطفال على الجوع، بينما تشعر الأمهات بالعجز إذا ما فشلن في إعداد وجبة بسيطة، فيما باتت مشاهد الطوابير أمام أفران الطين صورة يومية تختصر واقعاً مرّاً.